رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد القديدي

د. أحمد القديدي

مساحة إعلانية

مقالات

1007

د. أحمد القديدي

ذكريات طريفة مع المنفيين العرب

22 فبراير 2012 , 12:00ص

اليوم وقد تغيرت أوضاع بلدان عربية كثيرة كانت أنظمة الحكم فيها تلاحق خصومها و تضطهدهم أجد من واجبي أن أسرد على الشباب بعض ذكريات المنافي التي عانيناها و لكن بما فيها من نوادر أيضا ومن آيات الله سبحانه أن كتب لبعضنا نحن المنفيين العرب أن نشهد و نحن أحياء تطبيق الله لوعده الحق بأن ينصر المستضعفين و يرفع عنهم المظالم و أن يجازي الظالمين بما ارتكبوا سبحانه العدل الحق لا ملجأ إلاه و لا مغيث سواه.

الدروس التي تعلمتها من سنوات المنفى الخمس عشرة(1986-2000) كانت لي أفضل و أنفع من سنوات الدراسة بالمدارس و الجامعات، و أبلغ تأثيرا من بعض المسؤوليات التي تحملتها هنا و هناك على مدى السنوات، وهي تأكيد لما قاله الله تعالى :" و عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون " و نفس معاني هذه الآية الكريمة أبدع الشاعر العربي أبو تمام تلخيصها في بيت واحد من الشعر حين قال:

قد ينعم الله بالبلوى و إن عظمت و يبتلي الله بعض الناس بالنعم

و حين أرى الإخوة السوريين اليوم يغادرون وطنهم الذي كان في الزمن الزاهر يؤوي الملتجئين إليه، أقول لعل في ذلك خيرا مؤقتا حتى تنجلي الغمة عن بلاد الشام فقد طالت.

و لي مع المنفيين العرب و المسلمين، زملائي في محنة المنفى نوادر و قصص سجلتها في كتاب (ذكريات من السلطة إلى المنفى) صدر عام 2005 في عز الاستبداد لا بعد رحيل السلطان الجائر. ليس فيه لا غضب و لا حقد ما عدا الحقيقة كما يعيشها المقطوعون عن أوطانهم، التي هي بالضرورة حقيقة ذاتية لا تدعي لا الموضوعية و لا العصمة. و من هذه النوادر أن رفيق المنفى د. محمد مخلوف المفكر السوري التقى أحد أصدقائه القدامى الذي ظل في بلاده و ارتقى إلى منصب رفيع، و بعد السلام و طيب الكلام، قال المسؤول للمنفي عن حسن نية وسلامة طوية:

:" بالله يا محمد لا تمت في المنفى الفرنسي و لو قدر الله و وافاك الأجل هنا فاترك وصيتك بأن تدفن في وطنك " و بابتسامته اللطيفة المعهودة أجاب الدكتور:" نريدها أوطانا لنا لا مقابر".

و من النوادر الأخرى التي عشتها، كنا نجلس جماعة المنفيين العرب ( على وزن المقاولين العرب!) في مقهى (دوفيل) على جادة الشان زيليزي بباريس مغرب كل يوم، نتطارح أنباء الوطن العربي و نتبادل التواصي بالصبر، و كان من بين المرتادين شيخ المنفيين محمد الفقيه البصري الذي عاد للمغرب بعد ما يقارب الأربعين حولا، ثم لم يعش طويلا فتوفاه الله في وطنه، و التحق بالمنفيين بعض الوجوه المعروفة أمثال الفريق سعد الدين الشاذلي أحد أبطال مصر و ذلك بصورة مؤقتة قبل أن يحل الرئيس مبارك مشكلته، و كذلك رئيس حكومة تونس الأستاذ محمد مزالي و الوزير القوي في الستينات بتونس أحمد بن صالح. و في يوم من الأيام جاءنا أحد الإخوة الليبيين وهو من أفضل المثقفين الليبيين و أكثرهم شهادات عليا و إنتاجا علميا، و قدمه لنا أحد أصدقائنا بقوله :" أقدم لكم أحد الكلاب الضالة.! " و ظللنا نضحك أياما على هذا التقديم العجيب، فعبارة "الكلاب الضالة" أطلقها النظام الليبي البائد على معارضيه في الثمانينات بل و كانت العبارة هي المصطلح المستعمل في وسائل الإعلام الليبي الرسمي!. و لله في خلقه شؤون.

كما انضم للجماعة مؤقتا أيضا و بمحض اختياره د.أحمد طالب الإبراهيمي نجل أحد أبرز العلماء و مؤسسي جمعية العلماء الجزائريين الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رفيق كفاح الشيخ عبد الحميد ابن باديس، و كذلك الرفيق في المنفى رئيس الحكومة الجزائرية الأسبق و أحد أبرز علماء الاقتصاد الإسلامي عبد الحميد الإبراهيمي. و نلتقي أحيانا برئيس الجمهورية الإيرانية الأسبق أبو الحسن بني صدر الذي عرفته شخصيا عام 1978 أيام مخاض الثورة الإيرانية في باريس و معه صادق قطب زادة الذي أصبح وزير خارجية في مرحلة قيام الجمهورية ثم حكم عليه آيات الله بالإعدام و تم إعدامه رحمة الله عليه، و كنت في تلك الأيام الباردة بباريس أعد رسالة الدكتوراه لجامعة السربون حول الإسلام السياسي وأزور آية الله الخميني للاستفادة علميا و استكمال الرسالة، و ذلك في منفاه الأخير بقرية \\ نوفل لو شاتو في ضواحي باريس، ثم قابلت بني صدر عام 1982 حين هرب من الإعدام و استقر في بيت شقيقه بقرية \\ أوفر سير واز بفرنسا ولمست الدروس القاسية التي تعلمها الرجل من المأساة.

و نعود للنوادر المضحكة المبكية التي كانت مع الأسف تشهد على مدى التخلف السياسي و الحضاري الذي عانيناه في غياب الرأي المخالف، فقد جاء أحد الإخوة المحامين العرب المنفيين ذات يوم إلى المقهى و معه رجل أوروبي طويل القامة عريض المنكبين أشقر الشعر، تعلو محياه ابتسامة لطيفة، فجلس بيننا كأنما تربطه بنا علاقة مودة قديمة، و شعرنا بأن الضيف الكريم يعرفنا عز المعرفة و يسأل عن أحوالنا و يتطلع إلى أخبار أوطاننا، ثم فوجئنا و اندهشنا حين قدم لنا صديقنا ضيفه ضاحكا قائلا:" أقدم لكم السيد (رايمون كندال) مدير منظمة أنتربول (مقر المنظمة في مدينة ليون الفرنسية ) وهو المكلف بالتفتيش عنكم في حال مطالبة دولكم بجلبكم و المسؤول عن توصيل البضاعة مكلبشة إلى أرض الوطن! " و بالطبع كان الرجل كذلك لكن بلا اقتناع بأن هذه النخبة من المثقفين و رجال الدولة المغضوب عليهم مؤقتا هي ممن تجري عليهم إجراءات إنتربول و من عتاة المجرمين، و ضحكنا وضحك الرجل معنا وهو المفترض أن يعتقلنا لكنه فضل الحديث معنا و المتعة في مؤانستنا و التخفيف من بلاوينا. و شرب معنا قهوة على نخب الأوطان المقهورة والطاقات المهدورة.

اقرأ المزيد

السيدة خديجة بنت خويلد.. السند الأول والحب الخالد السيدة خديجة بنت خويلد.. السند الأول والحب الخالد

لم تكن السيدة خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- مجرد زوجة في حياة النبي ﷺ، بل كانت وطناً... اقرأ المزيد

222

| 12 أغسطس 2026

فصول السنة التي تسكننا فصول السنة التي تسكننا

يقال إن فصول السنة لا تغير الطقس فحسب إنما تؤثر على مزاج الانسان وإيقاع الحياة لديه، إضافة لذلك... اقرأ المزيد

141

| 11 أغسطس 2026

بياناتنا في خوادم لا نملكها بياناتنا في خوادم لا نملكها

في عام 1973، فرضت الدول العربية المنتجة للنفط حظراً على تصدير النفط، واهتز الاقتصاد العالمي. كان النفط سلاحاً... اقرأ المزيد

276

| 11 أغسطس 2026

مساحة إعلانية