رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن التفاتة الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي إلى المسألة اليمنية بعد غياب زاد على السبعة أعوام أمر مرحب به، ونشد على يد كل من ساهم بالفكرة وروج لها إلى أن وصلت إلى إقرارها وتبنيها وإعلان موعد اللقاء بين ممثلي الدولة الشرعية والحوثيين الخارجين على الدولة اليمنية منذ ثمانية أعوام، وهم مسلحون باحدث أنواع السلاح ( طائرات مسيرة، صواريخ بالستية، الخ ) وبتمويل خارجي ودعم سياسي واضح للعيان.
(2)
أعلن الأمين العام الدكتور نايف الحجرف أن الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي ستستضيف في 29 مارس الحالي " مشاورات للأطراف اليمنية في مقر الأمانة العامة في الرياض " ــ لاحظ مقر الأمانة العامة ــ وان الهدف يسعى الى وقف لاطلاق النار في اليمن وإدارة الشأن الأمني وفتح الممرات الإنسانية " ذلك ما تناقلته وسائل الإعلام الخليجية. ونذكّر ان عملية التفاوض بين السلطة الشرعية والخارجين عليها في صنعاء قد حدث من قبل في جنيف 2015، في الكويت تحت رعاية الأمم المتحدة في 2016 بين السلطة الشرعية والحوثيين الذين استولوا على العاصمة اليمنية بقوة السلاح، واستمر الحوار في الكويت بين الحوثيين والحكومة اليمنية 90 يوما، وفي فبراير 2016 جرت محادثات بين السعودية والحوثيين في ظهران الجنوب في منطقة عسير وتم الاتفاق بين الطرفين على عدد من القضايا الجوهرية، وفي عام 2018 جرت محادثات بين السلطة الشرعية والحوثيين في السويد وتم الاتفاق أيضا على أمور جوهرية، هناك تواصل ومشاورات بين السعوديين والحوثيين دامت اكثر من 60 يوما، وفي عام 2019 وعلى اثر تلك المحادثات الثنائية بين الحوثيين والسعوديين قام "وزير خارجية حكومة الحوثيين حسين العزي " غير المعترف بها بزيارة إلى جدة وتتابعت المشاورات سرا وعلانية بين الطرفين وانتقلت إلى مسقط وتقدمت السعودية بمبادرة لحل النزاع في اليمن واستجابت جميع الأطراف اليمنية وايدت تلك المبادرة جميع دول مجلس التعاون وكذلك المجتمع الدولي إلا الحوثة ينقضون كل اتفاق يتوصلون اليه ويرفضون كل مبادرة خليجية أو غيرها.
(3)
ارجو الله أن تتكلل جهود الأمين العام لمجلس التعاون الدكتور نايف الحجرف بالنجاح ليس بجمع الأطراف المتنازعة فقط وانما في الوصول إلى حلول قابلة للتنفيذ. إلا ان المؤشرات والسوابق والواقع على الأرض اليمنية والملاحظة والمقارنة توحي بان تلك الجهود التي تبذل هذه الأيام لإنقاذ اليمن لن تصل إلى الأهداف المرجوة والأسباب واضحة للعيان، أولها ان الجماعة الحوثية " انصار الله " يسيطرون على معظم أراضي الشمال اليمني بما في ذلك العاصمة وتقاتل من اجل انتزاع محافظة مأرب وإخضاع الحديدة بكاملها والجوف والبيضاء وشبوة وغيرها من المناطق لسيطرة الحوثيين.
في الواقع العملي يشعر الحوثيون بانهم قوة فاعلة على الساحة اليمنية ويملكون كل وسائل القوة لكونهم يشكلون وحدة واحدة متضامنة، بينما معظم قيادات السلطة الشرعية لها ولاءات مزدوجة الامر الذي يضعف السلطة الشرعية ويجعلها سهلة الاختراق، الى جانب الصراع القائم بين القيادة الشرعية والجماعة الانفصالية في جنوب اليمن ــ المجلس الانتقالي ــ والمدعوم هو أيضا من قوة خارجية تعينه على اختطاف جنوب اليمن وفصله عن الجمهورية اليمنية. اذا، السلطة الشرعية واقعة بين فكي الكماشة بين حوثيين في الشمال مؤيدين بقوة اجنبية تعينهم على تشديد هجماتهم على مواقع الحكومة الشرعية ودول الجوار العربي والتوسع على الأرض وكذلك الجماعة الانفصالية الجنوبية " المجلس الانتقالي " التي هي بدورها تعمل من اجل تحقيق انفصال جنوب اليمن عن شماله.
لكي تكلل جهود الأمانة العامة لمجلس التعاون بالنجاح فلا بد للسلطة الشرعية ( عبدربه منصور وحكومته ) ان تحقق إنجازا على الأرض في الأيام القليلة القادمة بمساعدة قيادة التحالف، أي دحر الحوثيين من مواقعهم الحالية على تخوم مأرب والجوف والبيضاء والحديدة وتعز وغيرها من المناطق واجبارهم على التقهقر نحو الخلف، وعند شعور الحوثيين بان القوة انتقلت الى يد الحكومة الشرعية عندئذ سيطلبون الحوار ولو كانوا غير صادقين، ان أي انجاز تحققه الحكومة الشرعية وحلفاؤها على ارض الواقع قبل بدء المشاورات في الرياض وقبل ان يتم التوافق بين أمريكا وايران في شأن برنامج ايران النووي في قادم الأيام سيكون له الأثر الفعال في الشأن اليمني.
(4)
انعقد في جنيف في الأسبوع الماضي اجتماع رسمي رفيع المستوى برعاية الأمم المتحدة بهدف جمع تبرعات تقدر ب 4 مليارات دولار لمواجهة الازمة الانسانية في اليمن، وشاركت سعادة السيدة لولوة بنت راشد الخاطر مساعد وزير الخارجية في الاجتماع المعني ممثلة لدولة قطر، وقد استعرضت في كلمتها امام المؤتمر المشار اليه بعض مساهمات دولة قطر التي قدمتها لليمن في الجانب الإنساني، وأشارت الى ان صندوق قطر للتنمية في عام 2021 وقع اتفاقية مع صندوق الأمم المتحدة للسكان بمبلغ 5 ملايين دولار، لتقديم خدمات صحية شاملة للفئات الأكثر تضررا، كما زودت اليمن ب 7 اطنان مستلزمات طبية لمكافحة كورونا بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية وقدمت دون منة للشعب اليمني مساعدات بقيمة 90 مليون دولار لتلبية احتياجات اليمن الغذائية، ولم تتوان دولة قطر في تقديم الدعم بكل انواعه للشعب اليمني الشقيق.
(5)
الشعب اليمني الشقيق تنهشه البطالة والندرة المالية والعيش على تبرعات دولية من وقت الى اخر امر غير مجدٍ، والرأي عندي لإنقاذ اليمن من محنته الاقتصادية والحاجة وصرفه عن الاشتغال بالحروب هو فتح أسواق دول مجلس التعاون للعمالة اليمنية فهي قوة فاعلة ومنتجة، والعمالة اليمنية هي من نسيج الخليج الاجتماعي فهم من الازد وعمان والامارات ازدية الأصل، وهم من يام بني مرة المنتشرين في كل دول الخليج العربية الى الأحواز.
تقول الإحصاءات الخليجية إن في الخليج العربي اكثر من 7 ملايين هندي واكثر من 300 ألف من الباكستان وغيرهم من البنغال والفلبين وأفريقيا حديثا فما هو المانع من العمالة اليمنية، واذكّر ان اول شهداء سقطوا دفاعا عن الجزر الإماراتية الثلاث ( طمب الصغرى وطمب الكبرى وجزيرة أبو موسى ) التي احتلتها ايران عام 1971 كانوا يمنيين يعملون في قوة ساحل عمان سابقا، لقد أصبح الاسرائيليون يعملون في معظم دول الخليج العربية وهم اشد خطرا على امن الخليج واستقراره من أهل اليمن.
آخر القول: لا خوف على أمن الخليج والجزيرة العربية من الانسان اليمني إنهم رصيد وطني لأمن الخليج واستقرارة. فهل تدرك دولنا أهمية العمالة اليمنية لأمن الخليج ؟!.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1284
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1113
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
1035
| 07 يناير 2026