رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منى الجهني

Munaaljehani1@gmail.com 

مساحة إعلانية

مقالات

6

منى الجهني

حين تسرق المجاملات أوقاتنا

22 يوليو 2026 , 07:04ص

يقول أحد الفلاسفة الرومانيين «ليست المشكلة أن وقت حياتنا قصير، بل إننا نهدر جزءا كبيرا منه». ولعل أكبر مثال هو الدكتور غازي القصيبي رحمه الله الذي كان ذا حضور لافت وترك أثرا إلى اليوم يحتذى به في الإنجازات وإدارة الوقت فقد جمع بين المسؤوليات في العمل والمناصب والإنتاج الأدبي. وقد ذكر القصيبي رحمه الله في لقاء تلفزيوني لدى إحدى القنوات الخليجية أنه كان يضطر للاعتذار عن كثير من الدعوات الاجتماعية التي كان يعتبر أنها تستنزف وقته المخصص للعمل الإداري والكتابة فلابد من الموازنة بين متع الحياة والواجبات المهمة فالأهم والذي يندرج تحت الفعالية في إدارة الوقت. والسبب في ذلك بما معناه أن الحضور يضيع وقتك من ساعتين إلى أربع أو خمس ساعات من أجل مناسبة واحدة تستطيع إنجاز الكثير خلال هذا الوقت. لقد استوعب الدكتور غازي القصيبي سريعا أن سر الإنجاز هو الوقت واختار ألا يضيعه فيما لا يفيد، فالكثير من الدعوات لا ينبغي ردها لأنها تعتبر من باب صلة الرحم، وحقوق الأقارب، ومشاركتهم أفراحهم، فضلًا عن ذلك أنها تساعد على زيادة روابط الود والمحبة. وبالمقابل في الوقت نفسه لزاما عليك أن تعطي كل ذي حق حقه ومنها نفسك أيضا.

ولكن هناك فرق كبير بين أداء الواجبات وبين استنزاف الوقت في المجاملات في مناسبات لا تنتهي. يوما بعد يوم تجد أن هذه الساعات قد تحولت إلى سنوات من العمر.

حتما إن الإشكالية تكمن في الأوقات التي نحسبها تمر سريعا عابرة، ولكنها محسوبة من أعمارنا قد تكون فرصا ضائعة مرت من العمر.

ليس المطلوب الانعزال والانقطاع عن الناس والمجتمع، إنما لابد من إدارة الوقت والأولويات أيضا، ومن جانب آخر وقتك ملك ليس للآخرين لأنه ببساطة من يملك وقتك يملك حياتك.

تعَود أن تصنع حضورك ولا تكرر نفسك، فالحضور الزائد عن حده يغدو باهتا ويفقد بريقه عندما يكون مفرطا ويفقد قيمته، لأنه صار أمرا معتادا عليه لا يسبق انتظارا ولا يترك أثرا.

هناك فرق كبير أن تكون متاحا للجميع، وبين أن تدير التزاماتك. فإدارة الالتزامات لا تعني أن تغلق الباب في وجه الدعوات، إنما يعني أن تختار أن تحضر حيث يكون لحضورك قيمة، وتعتذر عندما يستهلك وقتك في حضور باهت لا يقدم ولا يؤخر شيئا. فالحكمة من ذلك أن تمنح حضورك ما يستحقه في الوقت الذي يكون لوجودك معنى في المكان.

ليس كل حضور واجبا، بعض الدعوات تأتي كالعبء، لا تضيف شيئا سوى مزيد من المجاملات الناقصة، وبعضها يمليها الود والوفاء ورد الجميل، وأخرى لا يليق بها إلا الاعتذار. حينما تتجاوز المجاملات حدودها تصبح استنزافا وتعيش كفرد ضمن خطط الآخرين، فكل لحظة تقتطعها من وقتك هي جزء من هدف أو خطة لك فإنك تمنحها لغيرك.

الحضور مكلف، وأولى أن يستثمر بما يمنحك مستقبلا أفضل ولحياتك معنى، فالإنجازات لا تحتاج إلى عبقرية بقدر ما تحتاج إلى وعي بأهمية الوقت والقدرة على إدارته بما ينفع.

في النهاية من الحكمة أن تعطي كل ذي حق حقه، من دون أن تمنح أحدا حقا في عمرك كله.

حين تسرق المجاملات أوقاتنا، فإنها من أعمارنا، كم من لقاء طال وكم من دعوة تمت تلبيتها لأجل أشخاص على حساب خطط كانت أولى أن تنجز. حين ترى أن المجاملات تسرق وقتك اعتذر فلديك حياة تُبنى وعمر لن يعود.. كل هذا وبيني وبينكم.

مساحة إعلانية