رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اختتمت مقالي الأسبوع الماضي «تداعيات سقوط نظام الأسد لسوريا والمنطقة» بالتأكيد «تبقى التداعيات والتحديات الأخطر للنظام الجديد (الحكومة الانتقالية المؤقتة)، نجاحه بكسب ثقة جميع فئات المجتمع السوري وتمثيله بحكومة تمثل جميع أطياف الشعب بما فيه الأقليات، واستتباب الأمن، والنجاح بالتعامل مع الإرث الأمني والاقتصادي والسياسي الثقيل الذي خلّفه نظام حكم الأسد.
تبرز بعد أسبوعين من سقوط نظام الأسد البائد قائمة الدول والأطراف الرابحة، وعلى رأسها الشعب السوري الذي تحرر من واحد من أشرس وأكثر الأنظمة قمعا لأكثر من خمسة عقود. وكذلك ستكون فرصة نادرة للفصائل المسلحة الإسلامية لتصحيح الصورة النمطية السلبية عن حكم الإسلاميين في السلطة. إذا ما نجحت الإدارة الجديدة بتفويت الفرصة على المتربصين والمتآمرين لإفشال وسرقة انتصارات الثورة، ومنع الاقتتال وانزلاق سوريا الجديدة لنموذج اليمن وليبيا!
تبرز دولة قطر بصواب موقفها بكون قطر كانت الدولة العربية الأكثر رفضا لأي تطبيع مع نظام الأسد بعدما قامت دول عربية مركزية بمحاولة تعويم وإعادة الأسد إلى الصف العربي وكسر عزلته. وانحازت قطر إلى الشعب السوري منذ البداية، واعترفت بالمعارضة السورية والسفارة السورية في الدوحة، ما أكسب قطر احترام وتقدير الشعب السوري.
وتبرز الولايات المتحدة أبرز الرابحين من سقوط نظام الأسد. علّقت باربرا ليف مساعدة وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى بعد اجتماعها مع أحمد الشرع وقيادات الحكومة الانتقالية في هيئة تحرير الشام في دمشق إلغاء مكافأة 10 ملايين دولار للعثور على أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) وهو المصنف على قائمة الإرهاب وهيئة تحرير الشام التي يرأسها منظمة إرهابية. وصفت الشرع برجل براغماتي... وكانت المناقشات معه جيدة ومثمرة. وتدعم الولايات المتحدة عملية سياسية يقودها السوريون وتشكيل حكومة جامعة. وناقشنا الحاجة لتوفير ضمانات ألا تشكل الجماعات الإرهابية تهديداً. وستقدم الولايات المتحدة الخبرة الفنية والدعم لتوثيق جرائم الأسد والأولوية لتوثيق المقابر الجماعية. وكان ملفتا اعتراف البنتاغون بمضاعفة عديد القوات الأمريكية في سوريا من حوالي 900 جندي إلى 2000 جندي.
استغلت إسرائيل سقوط نظام الأسد لتوسع احتلالها في جبل الشيخ وتقضم مزيدا من أراضي سوريا (احتلال مؤقت)! وتقترب من دمشق وتخرق اتفاق وقف إطلاق النار لعام 1974 بحجة انسحاب القوات السورية ما يهدد أمن إسرائيل! وتدمر بغارات وعدوان الأسطول الحربي السوري وقدرات سوريا العسكرية وأنظمة الدفاع الصاروخي بسلسلة غارات مدمرة منذ سقوط نظام الأسد.
تبرز تركيا رابحا مؤثراً لدعمها الفصائل السورية المسلحة والتحضير لعملية عسكرية واسعة ضد حزب العمال الكردستاني ما يعزز الأمن التركي ويمنع تهديد الأكراد للأمن التركي. وحققت تركيا مكسباً كبيراً بتصريحات أمريكية أن الوقت الراهن بعد سقوط نظام الأسد اختلف كليا بالنسبة للأكراد عما كان عليه الوضع قبله. وتبرز مواقف متقدمة للرئيس التركي أردوغان الذي كان لدوره تأثير كبير بدعم الفصائل المسلحة. وأكد الرئيس أردوغان «لن نترك جارتنا سوريا وحيدة، ووقفنا مع السوريين عندما أدار العالم ظهره لها. وسنقف إلى جانب المظلومين في سوريا». ومعروف أن تركيا أكبر المستضيفين للاجئين السوريين. تستضيف حوالي 4 ملايين لاجئ سوري. وكانت تركيا الدولة الأولى التي تعيد افتتاح سفارتها في دمشق وكان وزير الخارجية ومدير الاستخبارات التركيان أول مسؤولين يزورون دمشق. وأكد الرئيس أردوغان على عزمه على تطوير العلاقات مع النظام الجديد في سوريا.
وكان ملفتا اعتراف باربرا ليف مساعدة وزير الخارجية الأمريكي من دمشق بعد ترؤسها وفدا أمريكيا واجتماعهم مع أحمد الشرع بأهمية دور ونفوذ تركيا اللاعب الرئيسي في الملف السوري، مستندة لحضورها التاريخي ومصالحها الأمنية في سوريا والمنطقة.
أما أبرز الخاسرين في قائمة الدول والأطراف من غير الدول التي منيت بانتكاسات كبيرة ومكلفة. إيران والمحور الذي تقوده بخسارة أبرز وأكبر استثماراتها في المنطقة على مدى عقود أبرزها إيران نفسها بعد تعرضها لعدوان إسرائيلي متكرر داخل سوريا وعلى أهداف ومنشآت عسكرية داخل إيران مرتين هذا العام في أبريل وأكتوبر الماضيين. وكذلك انتكاسات متلاحقة ومكلفة بسقوط نظام الأسد درة تاج نفوذها الإقليمي، وقصم ظهر حزب الله، أهم أذرع إيران العسكرية، وإضعاف قدرات حماس باغتيال قياداتها العسكرية والميدانية، والمقاومة الإسلامية في العراق. وكذلك استهدفت إسرائيل الحوثيين عدة مرات هذا العام آخرها قبل أيام والرد الحوثي بصواريخ فرط صوتية ضربت تل أبيب. يراكم ذلك انتكاسات إيران ويضعف قدراتها ودورها ونفوذها وحلفاءها. والأهم يقلص حضورها وقدرتها على إمداد ودعم حزب الله اللبناني لإعادة تسليحه وتمددها للبحر الأبيض المتوسط. ويضع حداً لتفاخر إيران بسيطرتها على أربع عواصم عربية.
وأكدت باربرا ليف الموقف الأمريكي من دمشق أنه «لن يكون لإيران دور في سوريا مستقبلا ولا ينبغي أن يكون لإيران دور، وذلك لم يعد مقبولاً».
لحق بروسيا انتكاسة كبيرة تهمش دورها وحضورها في المنطقة بعدما شكلت سوريا البوابة والمدخل لعودة روسيا إلى المنطقة منذ سبتمبر 2015، بإنقاذ وإطالة أمد وبطش وتنكيل النظام السوري ضد شعبه، وذلك بعد استغاثة الأسد وإيران بروسيا ضد الشعب السوري المنتفض. لكن واضح أن عام 2024 مغاير كليا لعام 2015. بوتين يعاني من حرب طاحنة في أوكرانيا منذ فبراير 2022 وسحب قوات ومعدات من القاعدتين الروسيتين الجوية في حميميم، والبحرية في طرطوس على البحر الأبيض المتوسط ما يقلص نفوذ روسيا في الشرق الأوسط بعد بدء خفض عديد قواتها ومعداتها بعد سقوط نظام الأسد ومنحه وعائلته لجوءا سياسيا لأسباب إنسانية في موسكو، برغم وحشية النظام وما يتكشف من مقابر جماعية وأقبية تعذيب وسجون عبارة عن مسالخ بشرية، كما نشهد في صيدنايا. في انحياز روسيا للنظام وضد الشعب السوري!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
6852
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
3966
| 15 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
3396
| 10 يونيو 2026