رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. خالد وليد محمود

• متخصص بالسياسة السيبرانية

مساحة إعلانية

مقالات

24

د. خالد وليد محمود

"موت الإنترنت".. أم انزياح المعنى خارج الإنسان؟

24 فبراير 2026 , 01:00ص

في لحظةٍ ما، يتلاشى اليقين بشأن هوية من يكتب على الإنترنت: إنسان أم خوارزمية؟ عندها لم يعد ما يسمى "الإنترنت الميت" مجرد توصيف تقني، بل مدخلاً لفهم تحوّل بنيوي حوّل الشبكة من مرآةٍ للتفاعل الإنساني إلى منظومةٍ هجينة تتكاثر فيها الإشارات آلياً، ويُعاد فيها تدوير المعنى داخل حلقات خوارزمية شبه مغلقة. وضمن هذا المسار، يتراجع الإنسان عن موقعه بوصفه المصدر المركزي للضجيج الرقمي، ليغدو أحد عناصر عديدة داخل منظومة إنتاج محتوى تُدار بالبرمجيات وتعمل وفق منطق ذاتي يعيد تغذية نفسه بنفسه.

هذا التحوّل لا يتوقف عند حدود الإحساس بالاغتراب الرقمي أو الحنين إلى "إنترنت" أكثر بشرية، بل يجد سنده في معطيات كمية لافتة. إذ يبيّن التقرير الأخير حول التهديدات الأمنية الصادر عن شركة Imperva أن نحو 49% من إجمالي حركة الإنترنت العالمية مصدرها كيانات غير بشرية، أي روبوتات ونُظم آلية، فيما تشكّل الروبوتات الضارة وحدها قرابة 32% من هذه الحركة. هذه الأرقام لا تصف خللًا تقنياً عابراً بقدر ما تكشف عن تحوّل في "التركيبة السكانية" للفضاء السيبراني، حيث يتراجع الفعل البشري بوصفه الفاعل المهيمن لصالح تصاعد كثافة الفعل الآلي داخل المشهد السيبراني.

لا نتحدث بهذا السياق عن انتشار محدود للروبوتات، بل عن اقتصاد محتوى كامل أعيد تشكيله. تُنتَج النصوص آليًا لتحسين الظهور في محركات البحث، وتُولَّد الصور والفيديوهات بلا حدث حقيقي أو تجربة إنسانية تقف خلفها، بينما تتحول التفاعلات الرقمية – من إعجابات وتعليقات ومشاركات – إلى وظائف تشغيلية ضمن سلسلة محسوبة بدقة. ووفق تقديرات مؤسسات تحليل البيانات، بات ما بين 60 إلى 70% من المحتوى النصي منخفض الجودة على الويب يُنتَج أو يُحرَّر باستخدام أدوات ذكاء اصطناعي. وتذهب شركة Gartner إلى أبعد من ذلك، إذ تتوقع أن يكون 90% من المحتوى المنشور على الإنترنت عام 2026 مدعوماً أو مُنتجاً جزئياً بواسطة الذكاء الاصطناعي.

هنا، يتحول المحتوى من كونه تعبيراً عن تجربة بشرية إلى مادة تشغيلية داخل منظومة خوارزمية، هدفها الأساسي إبقاء الدورة مستمرة: نشر، تفاعل، توصية، إعادة نشر. ومع هذا التحول، يتراجع السؤال الجوهري حول المعنى أو الصدق، ليحل محله معيار واحد: هل هذا المحتوى فعّال خوارزمياً؟ هل يخدم منطق الانتشار؟

من هذه الزاوية تحديدًا، برزت فكرة "الإنترنت الميت" أو ما يُعرف بـنظرية Dead Internet Theory، بوصفها فرضية ترى أن جزءاً متزايداً من نشاط الإنترنت بات خاضعاً لهيمنة الروبوتات والمحتوى المُولَّد آلياً بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي. وقد انتقلت هذه الفكرة تدريجياً من هامش النقاشات التقنية المتخصصة إلى قلب التحليل الثقافي والإعلامي، باعتبارها إطاراً تفسيرياً لشعورٍ عام آخذ في الاتساع مفاده أن التفاعل الرقمي فقد قدراً كبيراً من عفويته. فالمستخدم لم يعد واثقاً مما إذا كان ما يراه انعكاسًا فعلياً لتجارب بشرية حقيقية، أم نتاجاً لمنظومات خوارزمية تُعيد ترتيب الواقع الرقمي وفق أولوياتها الخاصة.

غير أن هذا الواقع يطرح مفارقة لافتة هنا: هل يمكن أن ينعكس "الإنترنت الميت" سلبًا على تطور الذكاء الاصطناعي نفسه؟ دراسات حديثة تشير إلى خطر متزايد يُعرف باسم "انهيار النموذج"، حيث تبدأ نماذج الذكاء الاصطناعي بالتدرّب على بيانات سبق أن أنتجتها نماذج مشابهة لها. وتُظهر أبحاث متخصصة أن تجاوز نسبة 30–40% من البيانات الاصطناعية في مجموعات التدريب يؤدي إلى تراجع في التنوع الدلالي والدقة المعرفية. أي أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح أسرع وأكثر سلاسة في الإنتاج، لكنه أقل عمقاً وأضعف اتصالاً بالتعقيد الإنساني الحقيقي.

الأخطر من ذلك كله هو ما يتركه هذا التحول من أثر على مصداقية المعلومات والثقة العامة. فحين تصبح مؤشرات التفاعل قابلة للتوليد الآلي أو التلاعب، تفقد قيمتها كدلائل اجتماعية على الاهتمام أو الإجماع. وتشير دراسات تحليل التفاعل على منصات التواصل إلى أن 20–40% من التفاعلات على المنشورات واسعة الانتشار تعود إلى حسابات آلية أو شبه آلية، وأن نسبة صغيرة من الحسابات قد تقود غالبية التفاعل. في هذا المشهد، قد تبدو رواية زائفة وكأنها تحظى بإجماع واسع، بينما يُفسَّر صمت المستخدمين الحقيقيين بوصفه لا مبالاة، في حين يكون في جوهره انسحاباً واعياً من فضاء مشبع بالضجيج.

وفق هذا المنطق، لا تعمل الخوارزميات كأدوات محايدة لتنظيم التدفق الرقمي، بل كقوى تُفاقم الخلل البنيوي ذاته. فهي لا تسأل عمّا هو صحيح أو متوازن، بل عمّا يُبقي المستخدم أطول وقت ممكن داخل الحلقة. وتُظهر معطيات رصدية على منصات الفيديو أن المستخدم قد ينتقل، خلال ثلاث إلى خمس خطوات توصية فقط، من محتوى عام إلى محتوى أكثر حدّة أو استقطاباً، لا بدافع بحثٍ واعٍ، بل بفعل تصعيد آلي يُكافئ الإثارة. فالمحتوى المثير يحقق، في المتوسط، تفاعلاً أعلى بنحو 70% مقارنة بالمحتوى الهادئ، ما يجعله الخيار المفضّل خوارزمياً، مهما كانت كلفته المعرفية أو المجتمعية.

عند هذه العتبة تحديداً، يتجاوز مفهوم "الإنترنت الميت" كونه توصيفاً تقنياً لكثافة الفعل الآلي، ليغدو تعبيراً عن موتٍ تداولي للمعنى ذاته؛ حيث ينحسر النقاش المفتوح، وتتآكل المناطق الرمادية، لصالح إجماعات مصطنعة تُنتجها الخوارزميات عبر تكرار الرسائل ذاتها، وتغذيتها داخل دوائر مغلقة تُحاكي التوافق بينما تُفرغ المجال العام من التعدد والاختلاف.

يظلّ السؤال المشروع معلّقًا: هل يمكن القول إن الإنترنت قد مات حقًا؟ من حيث البنية التحتية وسرعة الاتصال، يصعب الجزم بذلك، لكن إذا كان المعيار هو المعنى والفاعلية الإنسانية، فإن السؤال يفرض نفسه. فقد انزلقت الشبكة من فضاء يعكس التجربة البشرية إلى منظومة تُحاكي المستخدم إحصائيًا، وتعيد إنتاج لغته وأنماطه وفق منطق لا يبحث عن الحقيقة أو الفهم، بل عن النمط القابل للتكرار والتفاعل القابل للقياس.

اقرأ المزيد

alsharq من الحضور إلى الأثر.. نقلة هادئة في فلسفة التعليم

يشهد قطاع التعليم تطورًا مستمرًا في أدواته وأنظمته، في إطار الحرص على تعزيز الانضباط وتحسين بيئة التعلم. وهذه... اقرأ المزيد

33

| 24 فبراير 2026

alsharq رغم كــل شـيء.. قطـر ستظـــل قـوية

"بينت وزيرة الدولة للتعاون الدولي سعادة الدكتورة مريم بنت علي المسند أن ما يبرز الدور القطري في الوساطات... اقرأ المزيد

39

| 24 فبراير 2026

alsharq "موت الإنترنت".. أم انزياح المعنى خارج الإنسان؟

في لحظةٍ ما، يتلاشى اليقين بشأن هوية من يكتب على الإنترنت: إنسان أم خوارزمية؟ عندها لم يعد ما... اقرأ المزيد

42

| 24 فبراير 2026

مساحة إعلانية