رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

687

د. أحمد المحمدي

«وأيوب إِذ نادى ربه أَني مسني الضر»

24 مارس 2025 , 02:00ص

«وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ** فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ».

هل تأملت كيف يبتلي الله عباده بحكمة؟ وكيف يجعل من الصبر طريقًا إلى الرحمة والفرج؟ هذا نبي الله أيوب عليه السلام، أصابه المرض فطال عليه البلاء، لكنه لم يجزع ولم يتبرم، بل رفع يديه إلى السماء بدعاء قصير يحمل كل معاني التوكل: «أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ».

لم يكن في دعائه شكاية، بل كان فيه أدب العبد مع ربه، فجاءه الجواب سريعًا: «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ». يا له من كرم إلهي! شفاء بعد المرض، وعطاء بعد الحرمان، ورحمة تتجلى لمن يصبر ويحتسب.

ثلاثة عشر عامًا قضاها أيوب في البلاء، ابتعد عنه الناس إلا رجلين من أصحابه، بل ظن البعض أن ما أصابه كان بسبب ذنب! لكن الله يبتلي عباده ليختبر صبرهم، ويكافئهم بعد ذلك بأعظم الجزاء. وعندما بلغ به البلاء مبلغه، أوحى الله إليه: «اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ»، فنبعت عين ماء اغتسل منها، فعاد إليه عافيته، وأكرمه الله برزق وفير.

العبرة هنا ليست فقط في الشفاء، بل في الرضا والثقة بالله. فالمؤمن يرى الخير في كل حال، إن أعطاه الله شكر، وإن ابتلاه صبر، وفي الحالتين هو رابح. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ...».

فكم من بلاء ظنه صاحبه شراً، فإذا هو يحمل له الخير كل الخير! وكم من محنة ظنها الإنسان ضيقاً وخسارة، فإذا هي بابٌ لرحمة الله التي لا تنقطع! فالله يُربي عباده بالابتلاء، ويمتحن قلوبهم بالصبر، ومن ثبت في الامتحان رُفع مقامه، وجازاه الله بأحسن الجزاء.

والصبر ليس مجرد احتمال المصائب، بل هو مرتبة عالية من الإيمان، فيها تسليم كامل لله، وثقة مطلقة برحمته. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فقد ابتلي في أهله وأصحابه، وحوصر في الشعب ثلاث سنوات، وواجه الأذى من قومه، لكنه لم يتزعزع، بل كان صبره زادًا له في طريق الدعوة، حتى جاءه النصر من الله.

فلنتعلم من قصة أيوب كيف يكون الصبر، وكيف يكون اليقين برحمة الله، فإن مع العسر يسراً، وبعد الشدة فرجاً، ورحمة الله وسعت كل شيء. ولا ننسَ أن البلاء مهما اشتد، فإنه لا يدوم، والليل مهما طال، فإن فجره آتٍ لا محالة، فطوبى لمن صبر واحتسب، ونال من الله أعظم الجزاء.

مساحة إعلانية