رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعيداً جداً عن الألف ليلة وليلة التي نسجت سماءها شهرزاد بحكايات حيّرت شهريار بين (كان) و(ما كان)، تطالعنا اليوم أبيات عذبة تقول (ما لم تقله شهرزاد) من كلام مباح، تطلّب بالضرورة تبرير (ما لم يفهمه شهريار) منه، وكأن لسان حاله يقول: ليتها صمتت كعادتها عن الكلام المباح!
وبينما تضع الديوانين الباحثة والمترجمة وأستاذة التعليم العالي الجزائرية (د. سامية عليوي)، يقدم لديوانها الأول (ما لم تقله شهرزاد)، أ. د. عبدالمجيد حنون الذي هو -لا عجب- أستاذها من قبل، وزوجها الذي أهدت له باقتها وقد «شغلته شهرزاد راوية وإنسانة» كما خطّت في إهدائها.
لقد أصاب بدوره زوجها، حين أهال على شعرها صفات تميّزه، مثل: «الروح الأنثوية» التي تصف أحاسيسها دونما صراع جندري، «تعدد القضايا والموضوعات» فيه والتي تتفاعل مع الحياة وتتنوع بتنوعها، «السهل الممتنع» الذي على بساطته قلما يتمكن أحد من القول بمثله أو أن يستبدل كلمة جاءت فيه بأخرى، «الطابع الغنائي» الذي يجعل من كل قصيدة غنّاء الإيقاع تنتظر لحناً، وأخيراً وعلى وجه خاص «وحي شهرزاد» الذي استلهمت منه الشاعرة الأكاديمية ما قد تمنعت عن قوله شهرزاد الأولى في تلك الليالي، فتجرأت هي على قوله هذا الصباح، وأصبح كما لم يكن بالأمس.. كلام مباح!
أما ديوانها الثاني (ما لم يفهمه شهريار)، فتكشف فيه شهرزاد عن هذا اللبس الذي تملّك الملك السعيد، بعد أن أفاض عليه سحر شهرزاد الطاغي في أنوثته، بما أحاله إنساناً بعد أن كان مجرد رجل، في أبياتها! يقول مقدّم هذا الديوان، د. مختار نويوات، أستاذ الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة باجي مختار ـــ عنابة، عنها، بأنها «شاعرة موهوبة» وعن شعرها بأنه «رصين أخاذ». إنها كذلك بالفعل وشعرها، ورغم ما لم تقل وما لم يُفهم مما قالت، يبدو أنه قلّما يبرز في أيامنا هذه شعر يأخذ بالألباب إلى عوالم أخرى، وإلى ليلك ليالي تمتد بعد الألف والألف. لا تشبه ليالينا!
وعلى سبيل الاستحسان، أقتبس من باقة الديوان الأول، (مطالب شهرزاد) التي فاضت طغياناً أنثوياً يليق بها، قائلة:
وسألتني يا شهرياري جاهداً عمّا أريد
ووقفت أسأل بعدما أعطيتني كل الدنا:
هل من مزيد؟؟
إني أريد من السماء نجومها
ومن الرياض ورودها
كي يشتعل هذا الجليد
وسألتني، وسألتني عمّا أُريد
أتراك تجهل يا مليكي ما أريد؟؟
إني أريدك ساجداً
كي ما تسبح جاهداً
باسمي أنا مثل العبيد
كم يبدو هذا طاغياً! ليس هذا وحسب، بل إنها لا تتردد في أن تبدو متمرّدة وهي تحذّر شهريارها من جديد في قصيدة (عناده وعنادي) ببضع كلمات قائلة:
خالفني كي أعند أكثر
وتمرّد كي أغدو أخطر
فشراستي حلمك يجهلها
إني حذرتك.. فاحذر
غير أن شهريار، رغم أنه يبدو في أول قصيدة (شهرزادي.. هل تدركين؟) دامياً بخنجرها الذي غرسته غدراً في قلبه القتيل، فهو يخاطبها بعذوبة قائلاً:
وجئتكِ أشدو بلحن حزين
وخادعت قلبي وجرح دفين
وعدتُ لروضك
أشدو بحبّك
أواه يا أنتِ لو تعلمين؟
لكن شهرزاد في ديوانها الثاني، تبدو وهي تسأل شهريارها (هل قلبك حقاً يهواني؟) كالتي تقمصّت روح حواء وخلقت -بحب- آدم من جديد:
يا آدم أرضي وجناني
تذكرني؟ أم قلبك ينساني؟
أتراني بُعثت ويا عجباً
للدنيا لتوقد نيراني؟
تطفئني إن شئت وتشعلني
وتثير جنوني من ثاني
وتبعث عمري أشتاتاً
وتجمّع بعضي بثواني
قل إنك تهواني
وبأن جفونك ترعاني
وبأن البسمة في شفتي
تهديك محبتي وحناني
وترفرف طيراً بعيونك
نشوان بكل الأزمان
بل إنها في قصيدتها الأولى (لماذا أنت لا تفهم؟) التي اقتبس منها الديوان عنوانه، تضج بشهريار الذي يبدو أنه لا يفهمها -جاداً أو متعمداً- فتقول ما تقول بعد أن تحاول إفهامه، ظلام عالمها حينما يهجر، وطير سمائها الذي يرفرف حين يعود:
لماذا أنت لا تفهم؟
بأني حينما ترحل
أراني وحيدة أُقتل
فكيف تُراك لا تعجل
لقائي قبل أن تندم؟
لماذا أنت لا تفهم؟
بأن الأرض من حزني
ستلبس حالك اللون
وتزرع في رُبا الكون
نبات الشوك والعلقم
لماذا أنت لا تفهم؟
بأنك إن تجافيني
تمت كل الرياحين
وأنك إن تناديني
سأبعث مثلما تعلم
لماذا أنت لا تفهم؟
ختاماً، قد يأتي استحسان هذه المراجعة للديوانين، بمثابة «رجع الصدى»، كما تمنت الشاعرة في خاطرة (قبل البدء) بأن تتحدث، بل بأن تصرخ. غير مبالية بعدد من سيسمع إن كان قليلاً أو كثيراً. قائلة: «حسبي إذاً أن أصرخ، وحسبي أن أسمع رجع الصدى».
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي والريان دون استئذان. هذا اللقاء يحمل في طيّاته أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ إنها مواجهة تاريخية، يرافقها جدل جماهيري ممتد لسنوات، وسؤال لم يُحسم حتى اليوم: من يملك القاعدة الجماهيرية الأكبر؟ في هذا المقال، سنبتعد عن التكتيك والخطط الفنية، لنركز على الحضور الجماهيري وتأثيره القوي على اللاعبين. هذا التأثير يتجسد في ردود الأفعال نفسها: حيث يشدد الرياني على أن "الرهيب" هو صاحب الحضور الأوسع، بينما يرد العرباوي بثقة: "جمهورنا الرقم الأصعب، وهو ما يصنع الفارق". مع كل موسم، يتجدد النقاش، ويشتعل أكثر مع كل مواجهة مباشرة، مؤكدًا أن المعركة في المدرجات لا تقل أهمية عن المعركة على أرضية الملعب. لكن هذه المرة، الحكم سيكون واضحًا: في مدرجات استاد الثمامة. هنا فقط سيظهر الوزن الحقيقي لكل قاعدة جماهيرية، من سيملأ المقاعد؟ من سيخلق الأجواء، ويحوّل الهتافات إلى دعم معنوي يحافظ على اندفاع الفريق ويزيده قوة؟ هل سيتمكن الريان من إثبات أن جماهيريته لا تُنافس؟ أم سيؤكد العربي مجددًا أن الحضور الكبير لا يُقاس بالكلام بل بالفعل؟ بين الهتافات والدعم المعنوي، يتجدد النقاش حول من يحضر أكثر في المباريات المهمة، الريان أم العربي؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل المدرج إلى قوة إضافية تدفع فريقه للأمام؟ هذه المباراة تتجاوز التسعين دقيقة، وتتخطى حدود النتيجة. إنها مواجهة انتماء وحضور، واختبار حقيقي لقوة التأثير الجماهيري. كلمة أخيرة: يا جماهير العربي والريان، من المدرجات يبدأ النصر الحقيقي، أنتم الحكاية والصوت الذي يهز الملاعب، احضروا واملأوا المقاعد ودعوا هتافكم يصنع المستحيل، هذه المباراة تُخاض بالشغف وتُحسم بالعزيمة وتكتمل بكم.
1683
| 28 ديسمبر 2025
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1464
| 04 يناير 2026
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
852
| 29 ديسمبر 2025