رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يشهد سوق العقارات في دولة قطر ارتفاعاً متواصلاً في الإيجارات السكنية والتجارية على حد سواء، حتى أصبحت الإيجارات تشكّل عبئاً ثقيلاً على شريحة واسعة من الأسر وأصحاب الأنشطة التجارية الصغيرة والمتوسطة، في ظل حقيقة باتت واضحة وهي أن قطر تُعدّ من أعلى الدول بالمنطقة في متوسط أسعار الإيجار رغم توفر البنية التحتية الحديثة والمشاريع العمرانية الضخمة وتنوع المعروض العقاري، وعلى الرغم من أن الزيادة السكانية السريعة خلال العقد الأخير وتوسع المشاريع التنموية والاقتصادية تمثل جزءاً من عوامل ضغط الطلب على الوحدات السكنية والتجارية، إلا أن مستوى الارتفاع في الإيجارات يتجاوز في بعض الأحيان المنطق الاقتصادي، خاصة عندما تكون الزيادات غير مصحوبة بتحسينات فعلية في العقار أو في الخدمات المحيطة به، مما يجعل هذه الظاهرة محل نقاش دائم لدى السكان والمختصين، وتنعكس هذه الزيادات على حياة الأسر بصورة مباشرة إذ أصبحت شريحة واسعة منها تضطر للانتقال المتكرر بحثاً عن إيجار أقل أو تقليص مساحة السكن أو الاستغناء عن بعض المرافق للتخفيف من الأعباء المالية المتزايدة، فيما تجد أسر أخرى نفسها وإلى جانب البعد الاجتماعي لهذه الظاهرة، فإن استمرارها يخلق بيئة سكنية غير مستقرة، ويؤثر كذلك على الأمن والسلامة والمظهر الحضاري للمناطق السكنية، ويضع الجهات الرقابية أمام مهمة معقدة للحد من التجمعات السكنية غير المنظمة، خصوصًا في المناطق التي تشهد كثافة سكانية عالية. ومن هنا تبرز أهمية إيجاد حلول جذرية لأزمة الإيجارات حتى لا تتفاقم الظواهر المصاحبة لها، وكي يستعيد السوق توازنه الطبيعي بما يضمن العدالة لجميع الأطراف وقد انعكست هذه الارتفاعات بشكل مباشر على نمط معيشة المقيمين في الدولة، حيث أصبح العديد من الوافدين غير قادرين على تحمل كلفة الإيجارات المرتفعة للوحدات السكنية المستقلة، ما دفعهم إلى السكن في أجزاء من مساكن تشترك فيها أكثر من عائلة داخل الوحدة الواحدة. هذا الوضع الذي يتعارض مع نظام السكن المعمول به أدى إلى نشوء ظاهرة يصعب على الجهات المعنية السيطرة عليها بالكامل، وتسببت في الكثير من الإشكاليات داخل المناطق السكنية التي يفترض أن تكون مخصصة للعائلات. الازدحام داخل المباني، وضيق المرافق المشتركة، وتغير الطابع الهادئ للأحياء، وازدياد الضوضاء، والضغط على مواقف السيارات والخدمات العامة، كلها نتائج باتت تشكل مصدر إزعاج وقلق لسكان تلك المناطق من العائلات، وتؤثر بشكل مباشر على جودة الحياة داخل الأحياء السكنية.
وفي الجانب التجاري يعاني الكثير من أصحاب المحلات والمشاريع الصغيرة والمتوسطة من ارتفاع الإيجارات بشكل يؤثر على استمرارية أعمالهم، لا سيما تلك التي تعتمد على هوامش ربح محدودة، فقد اضطرت العديد من الأنشطة إلى الإغلاق أو الانتقال إلى مناطق أقل تكلفة، الأمر الذي يؤثر على تنوع السوق وجودة الخدمات المتاحة للمستهلك، وتزداد حدة الظاهرة بالنظر إلى أن معظم عقود الإيجار تتم بشكل سنوي، وهو ما يمنح المالك حرية زيادة الإيجار عند كل تجديد مما يؤدي إلى موجات ارتفاع سريعة ومتلاحقة، كما أن تركّز التطوير العقاري خلال السنوات الماضية على المجمعات السكنية الراقية والوحدات عالية الجودة أدى إلى نقص المعروض السكني المناسب للطبقة المتوسطة مما رفع الطلب على العقارات الاقتصادية وزاد من قيمتها، ومن الجوانب المهمة أن الدولة تحرص على توفير حلول عملية تضمن استقرار سوق الإيجارات وذلك بدعمها للمواد الأساسية للبناء مثل الحديد والإسمنت والحجارة والرمال، وتُباع هذه المواد بأسعار مدروسة مقارنة بالأسواق الإقليمية ما يجعل تكلفة البناء الفعلية أقل بكثير من الدول المجاورة، ورغم ذلك لا تنعكس هذه الميزة على الإيجارات التي تبقى مرتفعة بشكل لا يتناسب مع تكلفة الإنشاء، مما يبرز فجوة واضحة بين كلفة التطوير العقاري وسعر الإيجار النهائي، كما أن الاستثمار العقاري يعد من أكثر القطاعات جذباً للمستثمرين في ظل الاستقرار الاقتصادي ونمو العائدات، ما أدى إلى دخول رؤوس أموال كبيرة للسوق وارتفاع الطلب على الوحدات المخصصة للتأجير بدلاً من البيع. وفي إطار البحث عن أفضل الممارسات في تنظيم الإيجارات، يمكن الاستفادة من مجموعة من الأنظمة المتبعة عالمياً والتي أثبتت نجاحها في تحقيق التوازن بين حقوق المؤجرين وحماية المستأجرين من الزيادات غير المبررة، إذ تعتمد بعض التشريعات على وضع سقوف محددة للزيادة السنوية وفق مؤشرات رسمية لضبط السوق، بحيث لا يتم رفع الإيجار إلا ضمن نسب واضحة ترتبط بعمر العقار ومستوى صيانته وجودة الخدمات المحيطة به، كما تطبّق أنظمة أخرى مبدأ العقود طويلة الأمد التي تمتد لثلاث أو خمس سنوات وتمنح المستأجر استقراراً مالياً وتوفر للمالك عائداً ثابتاً بعيداً عن تقلبات السوق، وتستند جهات تنظيمية في تجارب أخرى إلى وجود لجان مختصة تفصل في المنازعات الإيجارية وتمنع الزيادات غير المبررة، ولا تقرّ أي رفع إلا بعد التأكد من وجود تحسينات حقيقية في العقار أو المنطقة المحيطة به، وفي نماذج إضافية يلتزم المؤجر بتوفير مستوى معين من الصيانة والخدمات قبل النظر في أي زيادة، بحيث تصبح العلاقة الإيجارية مبنية على التزام واضح وليس على تقديرات فردية. وإلى جانب تنظيم الإيجارات تتجه بعض التجارب العالمية إلى توفير سكن اقتصادي مخصص للعمالة الوافدة المصحوبة بعائلاتهم، وذلك من خلال إنشاء مجمعات سكنية منخفضة التكلفة ومتكاملة الخدمات، وتخصيص أراضٍ بأسعار مناسبة لتشييد وحدات اقتصادية تُدار بالشراكة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، أو تشجيع تطوير مبانٍ سكنية ذات تكلفة تشغيلية منخفضة تلتزم بمعايير السلامة والبنية التحتية، مما يتيح خيارات سكنية مناسبة للأسر ذات الدخل المحدود دون الإخلال بالتوازن العمراني أو الخدمات الأساسية، وتظهر هذه النماذج أن توفير السكن الاقتصادي وتنظيم الإيجارات وفق آليات واضحة يسهمان في استقرار السوق وتعزيز الاندماج الاجتماعي ويشكّلان أساساً صحياً لأي سياسة إسكانية متوازنة. ومن هنا تأتي أهمية طرح حلول متوازنة تساعد على إعادة الاستقرار للسوق المحلي، ويبدأ ذلك بزيادة المعروض السكني الاقتصادي من خلال مشاريع جديدة تستهدف الفئات المتوسطة، وتعزيز الضوابط المتعلقة بالزيادات السنوية وفق معايير واضحة مثل عمر العقار ومستوى الصيانة والموقع، وتشجيع العقود طويلة الأمد الممتدة لثلاث أو خمس سنوات التي تضمن استقرار المستأجر وتحقق عائداً ثابتاً للمالك، إضافة إلى ربط الزيادة الإيجارية بمستوى الصيانة الفعلية بحيث لا ترتفع الإيجارات إلا مقابل تحسينات واقعية في المبنى أو المنطقة المحيطة، وكذلك تطوير مناطق تجارية بأسعار مدروسة لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وفتح المجال أمام شركات تطوير جديدة لبناء مجمعات خارج المناطق المكتظة لإعادة التوازن للسوق، وأخيراً يمكن للدولة تقديم حوافز للمشاريع السكنية الاقتصادية مثل تخفيض بعض الرسوم أو تسهيل تخصيص الأراضي بما يتيح توفير سكن ملائم بأسعار معقولة، وعند تطبيق هذه السياسات المتوازنة التي تجمع بين زيادة المعروض وتنظيم الزيادات وتحفيز المنافسة وتوفير بدائل اقتصادية حقيقية.
كيف تمنح أطفالك خبرة شخص خمسيني؟
حينما ينقل شخص خبرته لشخص اقل خبرة منه، فإنه بذلك يقيه من عراقيل واخطاء كثيرة قد تواجهه بسبب... اقرأ المزيد
75
| 07 أغسطس 2026
أسباب ارتكاب الجرائم والسرقات
أغلب الدول في العالم لا تخلو من بعض حالات الجرائم والسرقات رغم أنها تُصنف من بين الدول الأقل... اقرأ المزيد
120
| 07 أغسطس 2026
حين يضيع معنى الاستحقاق
أحيانا لا يبدأ التجاوز من كسر النظام. يبدأ من اللحظة التي نجد فيها لأنفسنا مبررا لتجاوزه. ورقة تقول... اقرأ المزيد
63
| 06 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
6081
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
3750
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2358
| 01 أغسطس 2026