رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

نائب رئيس المجلس البلدي المركزي (سابقاً)

مساحة إعلانية

مقالات

27

د. م. جاسم عبدالله جاسم ربيعة المالكي

الغياب والتأخير المدرسي.. الحزم وحده لا يكفي

07 سبتمبر 2026 , 02:00ص

أصدرت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي الدليل التنظيمي لسياسة إدارة سلوك الطلبة لعام 2026، متضمناً مجموعة من الإجراءات المتدرجة للتعامل مع الغياب والتأخير الصباحي؛ تبدأ بإخطار الطالب وتوثيق المخالفة، ثم إنذار ولي الأمر واستدعائه وتوقيعه على تعهد خطي، وصولاً إلى تحويل الطالب إلى الأخصائي الاجتماعي، واحتساب التأخير المتكرر يوماً كاملاً من الغياب، وحرمان الطالب من الاختبارات عند تجاوز مدد محددة من الغياب غير المبرر.

ولا شك أن انتظام الطالب في الحضور والتزامه بمواعيد الدوام يمثلان أساساً مهماً في العملية التعليمية؛ فالمدرسة ليست مكاناً لتلقي المعلومات فقط، وإنما بيئة يتعلم فيها الطالب احترام الوقت وتحمل المسؤولية والانضباط والالتزام بالواجبات. كما أن الغياب المتكرر والتأخر الصباحي يؤثران في التحصيل الدراسي، ويضعفان قدرة الطالب على متابعة الدروس، وقد ينعكسان كذلك على أداء المعلم وانتظام الصف بأكمله.

ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة إلى سياسة واضحة وحازمة أمراً ضرورياً، خصوصاً عندما يتحول الغياب أو التأخير إلى سلوك متكرر لا يستند إلى عذر مقبول. ولا يمكن لأي نظام تعليمي أن يحقق أهدافه إذا غاب عنه الانضباط، أو إذا شعر الطالب وولي أمره بأن الحضور مسألة اختيارية لا تترتب على إهمالها نتائج واضحة.

غير أن تطبيق العقوبات، مهما بلغت أهميته، لا ينبغي أن يكون غاية السياسة التعليمية، بل وسيلة لإصلاح السلوك وإعادة الطالب إلى طريق الانتظام. فليست حالات الغياب والتأخير متشابهة؛ فقد يكون بعضها ناتجاً عن الإهمال، بينما يرتبط بعضها الآخر بظروف صحية أو أسرية أو نفسية، أو بمشكلات في النقل وبعد المسافة، وربما بظروف اجتماعية لا يستطيع الطالب الإفصاح عنها بسهولة.

ولهذا فإن تحويل الطالب إلى الأخصائي الاجتماعي يجب ألا يُنظر إليه بوصفه إجراءً شكلياً يسبق العقوبة، بل تدخلاً تربوياً حقيقياً للبحث عن أسباب المشكلة ووضع الحلول المناسبة لها. فقد يكشف الحوار مع الطالب وولي أمره عن مشكلة أسرية، أو حالة صحية، أو تعرض الطالب للتنمر، أو ضعف اندماجه في البيئة المدرسية. وعندها يصبح العلاج أكثر فاعلية من العقاب المجرد.

وتشير الإجراءات المعلنة إلى احتساب ثلاث مرات من التأخير الصباحي يوماً كاملاً من الغياب، وحرمان الطالب من دخول اختبارات نهاية الفصل الدراسي الأول عند بلوغ ثمانية أيام من الغياب غير المبرر، وكذلك حرمانه من اختبارات نهاية العام عند بلوغ ستة عشر يوماً متقطعاً من الغياب غير المبرر. كما يترتب على الغياب المباشر عن الاختبار دون عذر مقبول الحرمان من إعادته ورصد درجة صفر.

هذه الإجراءات تحمل رسالة واضحة إلى الطالب والأسرة بأن الانتظام مسؤولية لا يجوز التساهل فيها، لكنها في الوقت نفسه تفرض على المدارس مسؤولية كبيرة في دقة التوثيق، وسرعة إخطار ولي الأمر، ومنحه فرصة كافية لتقديم العذر. فلا يصح أن يفاجأ ولي الأمر بتراكم أيام الغياب أو بحرمان ابنه من الاختبار دون أن يكون قد تلقى تنبيهاً واضحاً ومسبقاً، أو دون أن تتاح له إمكانية الاعتراض وتصحيح أي خطأ في السجلات.

ومن المهم أن تكون هناك آلية إلكترونية موحدة ترسل إشعاراً فورياً إلى ولي الأمر عند غياب الطالب أو تأخره، وتوضح عدد الأيام المسجلة ونوعها، وما إذا كانت مبررة أو غير مبررة، والإجراء المتوقع عند تكرار المخالفة. فالشفافية هنا تحمي حق الطالب، وتدعم موقف المدرسة، وتحد من الخلافات التي قد تنشأ بسبب نقص المعلومات أو تأخر الإبلاغ.

كما ينبغي ألا تقتصر مسؤولية الأسرة على توقيع التعهدات، بل يجب إشراكها في معالجة أسباب الغياب. فولي الأمر شريك أساسي للمدرسة، وعليه متابعة نوم أبنائه واستعدادهم المبكر ووسيلة انتقالهم والتأكد من حضورهم الفعلي. وفي المقابل، على المدرسة أن تجعل بيئتها جاذبة وآمنة ومحفزة؛ لأن الطالب الذي يشعر بالانتماء إلى مدرسته ويجد فيها التقدير والدعم يكون أكثر حرصاً على الحضور والالتزام.

إن نجاح سياسة الغياب والتأخير لا يُقاس بعدد الإنذارات أو حالات الحرمان من الاختبارات، وإنما بانخفاض معدلات الغياب، وتحسن انضباط الطلبة، وقدرة المدرسة على إعادة المتعثرين إلى مقاعد الدراسة قبل الوصول إلى العقوبات النهائية.

الحزم مطلوب لحماية العملية التعليمية، لكن الحزم التربوي الناجح هو الذي يجمع بين وضوح النظام وعدالة التطبيق وفهم الظروف الإنسانية. فهدف المدرسة الأول ليس معاقبة الطالب أو إبعاده عن الاختبار، وإنما تعليمه وتقويم سلوكه والمحافظة على مستقبله. وعندما تتكامل مسؤولية الوزارة والمدرسة والأسرة، تتحول هذه السياسة من لائحة للعقوبات إلى منظومة حقيقية للانضباط والرعاية والوقاية.

مساحة إعلانية