رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

546

د. أحمد المحمدي

يسألونك عن الشهر الحرام

26 مارس 2025 , 02:00ص

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

ما أعجب هذا الدين! ينظر الناس إلى القشور، ويجعلون من حُطام الدنيا موازينهم، أما الإسلام، فهو ينفذ إلى الجوهر، ويزن الأمور بميزان الحق، لا بميزان المصالح والأهواء! ولقد كانت الأيام حبلى بالمواقف التي تَكشفُ النفوسَ وتُعرّيها، ويظهر فيها الصادق من المدعي، والمصلح من المتاجر بالمقدسات.

وكان من هذه المواقف ما كان من سرية عبد الله بن جحش الأسدي، ابن عمة النبي ﷺ، حين اختاره رسول الله ليرأس ثمانية رجال، وأعطاه كتابًا مختومًا، وأمره ألا يفتحه إلا بعد أن يبتعد مسيرة يومين، فيا لعظمة هذا القائد الذي يُخفي خططه حتى على جنوده، حتى يكون الاحتياط في أعلى درجاته! فلما أتموا المسير يومين، فتح عبد الله الكتاب، وإذا فيه: «اذهب إلى بطن نخلة بين مكة والطائف، ولا تُكره أحدًا من أصحابك على المسير، فمن شاء أن يبقى، فليبقَ».

إنه منهج الإسلام في الجهاد، لا يخرج الرجل فيه إلا طائعًا، ولا يُساق إليه كما تُساق الأنعام، لأن الجهاد عند المسلمين ليس انتهازًا ولا عدوانًا، بل هو طهارة النفوس، وسمو الأرواح، لا يكون إلا بمن طابت نيته، واستقامت سريرته.

ولم يكد القوم يصلون إلى بطن نخلة حتى كان القضاء قد سبق، وضاع بعير لسعد بن أبي وقاص وعقبة بن غزوان، فتنحّيا يبحثان عنه، وبقي عبد الله ومعه ستة نفر. ثم ها هم قد أبصروا عيرًا لقريش، فيها عمرو بن الحضرمي وثلاثة معه، فاشتجروا معهم في قتال، وكانت الغلبة للمسلمين، فقتلوا عمرو بن الحضرمي، وأسروا اثنين، وفر الثالث، ثم عادوا بالغنائم والأسرى إلى المدينة.

ولكن ها هنا كانت المفاجأة، فقد تبين لهم أن القتال قد وقع في أول رجب، وهو من الأشهر الحرم، فتلقف المشركون واليهود الخبر، وملأوا الدنيا صياحًا وضجيجًا، وقالوا: «كيف يزعم محمد أنه يحترم الأشهر الحرم، ثم يقاتل فيها؟!» ولم يكن النبي ﷺ يعلم بالأمر، فلما بلغه الخبر، تألم وأبى أن يمس الغنائم أو الأسرى حتى يُفصل في القضية بوحي الله.

وهنا جاء اليهود بخبثهم المعتاد، وجعلوا يُمنّون قريشًا بالنصر، ويتفاءلون لها بهذا الحادث، وقالوا: «عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله... فعمرو: عُمِّرت الحرب! والحضرمي: حضرت الحرب! وواقد: وقدت الحرب!» وكأن الأمر قد انتهى! وكأن الإسلام هو البادئ بالعدوان! وكأن قريشًا لم تكن تطارد المسلمين وتؤذيهم وتصادر حقوقهم وتُشردهم من ديارهم!

ولكنّ القرآن جاء بكلمته الفاصلة، فجاء الوحيُ ليقرر ميزان العدل، ويبين أن الفرق عظيم بين من اعتُدي عليه، ومن اعتدى، وبين من دافع عن نفسه، ومن سفك الدماء بغير حق، وأنه لا مجال لأن يتخذ المجرمون قدسية الزمان والمكان متراسًا يحمون به إثمهم، ويتسترون خلفه ليمارسوا طغيانهم.

{يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير، وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه أكبر عند الله، والفتنة أكبر من القتل}.

فأي ظلمٍ أعظمُ من أن يُصدَّ الناس عن دين الله، وأن يُشرَّدوا من بيوتهم، وأن تُنتهك أعراضهم، ثم إذا انتصروا لأنفسهم في ساعةٍ من الزمن، صاروا هم المعتدين، وصار المجرمون أبرياء؟!

إن الإسلام لا يظلم أحدًا، ولا يبتدئ أحدًا بقتال، ولكنه لا يسمح أبدًا بأن تُتخذ المقدسات ذريعة لحماية الباطل، وأن يُجعل الدين ستارًا تُرتكب باسمه الفظائع! ولقد كان هذا الدين من عظمته أنه جعل للفضيلة حرمةً، ولكنه لم يجعل للفجور قداسة! ومن أجل ذلك كان التحريم للغيبة، ولكنه مع ذلك قرر: «لا غيبة لفاسق»، فكيف تكون هناك حرمةٌ لمن لا يرعى الحرمات؟!

إن الحق فوق كل شيء، لا يعلوه زمان، ولا يُخفيه مكان، وإن الحرب في الإسلام ليست قنطرةً إلى الأهواء، ولكنها ميزانٌ تُوزن به العدالة، فمن كان معتديًا، فليتحمل جريرة عدوانه، ومن كان مظلومًا، فلابد أن يُنتصف له. فهكذا يُقيم الإسلام الموازين، وهكذا ينطق الحق في محكم التنزيل!

مساحة إعلانية