رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
برغم اعتراف 143 دولة من الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة-أغلبيتها الساحقة دول عالم نامٍ أو ما يسمى «الجنوب العالمي»، تتقدمهم الدول العربية والإسلامية، ومعها دول أوروبية-إسبانيا-النرويج-إيرلندا وسلوفينيا، لكن لم تعترف بفلسطين أي من دول مجموعة السبع الكبرى-والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن باستثناء روسيا والصين.
لذلك شكّل إعلان الرئيس الفرنسي ماكرون عزمه الاعتراف بالدولة الفلسطينية في اجتماع الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر القادم تحولا كبيرا ومهما، يجعل فرنسا أول دولة من الدول السبع الكبرى تعترف بدولة فلسطين. وسط ترحيب فلسطيني وعربي واسع.
وأعقب إعلان ماكرون-إعلان مارك كارني رئيس وزراء كندا- الاعتراف بدولة فلسطين في اجتماع الجمعية العامة القادم في نيويورك أيضا. ما يشكل زخما بارزا قد يتحول لكرة ثلج دومينو يفضح إسرائيل، برمزيته وتوقيته ومضمونه يترافق بتمادي إسرائيل بحرب الإبادة على غزة-للشهر الحادي والعشرين واستخدام التجويع سلاحا فتاكا، وتصويت الكنيست على ضم الضفة الغربية وغور الأردن تحت سيادة إسرائيل في تحدٍ للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن. وانسحاب الولايات المتحدة وإسرائيل من المفاوضات بين حماس وإسرائيل بوساطة قطرية-مصرية-أمريكية. واتهام الرئيس ومبعوثه ويتكوف بعدم رغبة حماس بالتوصل لاتفاق. وتلويح ويتكوف مع نتنياهو بوضع خطط بديلة للإفراج عن الأسرى.
سبق وصرح الرئيس ماكرون عام 2024 أن فرنسا «ستتخذ قرار الاعتراف عندما يكون ذلك مفيداً للسلام وليس مجرد موقف رمزي». أنه وسيلة لتحقيق حل الدولتين. وأكد الرئيس «على التزام فرنسا التاريخي بتحقيق سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط، قررنا أن تعترف فرنسا بدولة فلسطين. والحاجة المُلحة اليوم لإنهاء الحرب في غزة وإنقاذ السكان المدنيين»، وجدد مطالبته بوقف إطلاق النار الفوري، ووصول المساعدات الإنسانية إلى سكان غزة، وإطلاق سراح جميع الرهائن، ونزع سلاح حركة «حماس». وعلينا بناء دولة فلسطين، وضمان استمراريتها، وأن قبول نزع سلاحها والاعتراف الكامل بإسرائيل يُسهم في أمن الجميع في الشرق الأوسط. لا بديل عن ذلك».
وترى فرنسا أن الاعتراف بدولة فلسطين هو جزء من حزمة قرارات تشمل وقف حرب غزة وإدخال المساعدات الإنسانية وتحرير جميع الأسرى بالإضافة إلى نزع سلاح حماس (المعضلة في آلية ومن سينزع سلاح حماس ومن سيدير قطاع غزة؟)! والتزام السلطة الفلسطينية بإجراء إصلاحات وإعادة هيكلتها والتعهد بحل الدولتين دون مشاركة حماس! (كيف ذلك؟ وحماس مكون رئيسي من مكونات المجتمع الفلسطيني سياسيا وعسكريا؟).
هذه الشروط لا شك ستوضح في المؤتمر الدولي الذي سيعقد برعاية سعودية-فرنسية الأسبوع القادم في نيويورك للعمل على التحرك نحو حل الدولتين. لكن الخارجية الأمريكية أعلنت عدم المشاركة في المؤتمر. وذلك بعد انتقاد الرئيس ترامب قرار الرئيس ماكرون وعلّق «تصريح ماكرون لا وزن له ولن يغير شيئا». فيما أكد وزير الخارجية الأمريكي روبيو في تغريدة وأكد «ترفض الولايات المتحدة بشدة» اعتزام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاعتراف بالدولة الفلسطينية. ووصف «القرار بالمتهور» بأنه يخدم دعاية حماس، ويُعيق السلام، ويشكل صفعة على وجه ضحايا 7 أكتوبر 2023.
وفيما رحبت حركة حماس والسلطة الفلسطينية بإعلان ماكرون عزمه الاعتراف بفلسطين وشكرت السعودية على دورها في الاعتراف. رحبت حماس بعزم فرنسا الاعتراف بدولة فلسطين وطالبت دول الاتحاد الأوروبي باتباع خطوة فرنسا ودعم حق الشعب الفلسطيني.
أما في إسرائيل فقد وحد قرار ماكرون الحكومة والمعارضة التي شنت قيادتها هجوما قاسيا على ماكرون وفرنسا-لكن دون أن تجرؤ على استدعاء السفير الإسرائيلي من باريس. وكان واضحا حجم الغضب والاستياء من تصريحات نتنياهو ووزراء ائتلافه الأكثر تطرفا بتاريخ حكومات الاحتلال الإسرائيلي وقيادات المعارضة، وكما كان متوقعا. أدان نتنياهو خطوة ماكرون وأكد أن «مثل هذه الخطوة تُكافئ الإرهاب وتُخاطر بخلق وكيل إيراني آخر، كما حدث في غزة». و»قيام دولة فلسطينية في ظل هذه الظروف سيكون بمثابة منصة لإبادة إسرائيل، وليس للعيش بسلام بجانبها». وهاجم وزير الدفاع كاتس قرار ماكرون-»استسلام للإرهاب ومكافأة لحماس». وهدد وزير الخارجية ساعر «لنأمل أن ينجح ماكرون بتهدئة شوارع باريس»! فيما علّق وزير الأمن الوطني بن غفير متطاولاً وساخراً «نحن نعترف بفرنسا دولة فلسطينية»! وعلق وزير التراث المتطرف بعنصرية بغيضة: «تسابق الحكومة الإسرائيلية الزمن لمحو غزة.. وستكون بأكملها يهودية»! وفرّغ ستموترتش وزير المالية المتطرف جام غضبه بتعليقه «أشكر الرئيس ماكرون على تقديمه سببا إضافيا وأكثر إقناعا لتطبيق السيادة الإسرائيلية أخيرا على المناطق التاريخية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، ووضع حد نهائي للوهم الخطير المتمثل في إقامة دولة فلسطينية إرهابية في قلب أرض إسرائيل».
أكثر ما تخشاه إسرائيل هو تحفيز وتشجيع قرار فرنسا حول فلسطين بإيجاد زخم دولي يعمق العزلة وحالة الغضب الدولي والشعبي ضد إسرائيل، وصولا لشعوب حلفائها المحرجين والعاجزين عن الدفاع عن جرائم حرب الإبادة واستخدام سلاح التجويع ضد سكان غزة بشكل غير مسبوق. باتوا يصفون حرب إسرائيل غير مبررة ولا يمكن الدفاع عنها، كما وصفها رئيس وزراء بريطانيا ستارمر. الذي يتعرض لضغوط من حزبه ومن نواب ومن وزير الخارجية لامي-للاعتراف بدولة فلسطين. كما أعلنت كندا عزمها الاعتراف بدولة فلسطين.
لذلك توجد مخاوف حقيقية من كر سبحة نظرية الدومينو بارتفاع عدد الدول المرشحة للاعتراف بدولة فلسطين وخاصة الحلفاء الأوروبيين المحرجة. وتأكيدا لذلك، عبّرت صحيفة يديعوت احرونوت من الخشية-أن يشكّل «قرار فرنسا قوة دفع إضافية لمسار يُضعف شرعية إسرائيل الدولية، مع تصاعد الحرب على غزة وتصاعد الانتقادات الدولية لسياستها تجاه الفلسطينيين». وهذا يزيد عزلة إسرائيل دوليا، وسط أزمة ثقة داخلية وتصدع سياسي عميق» وهذا الواقع الذي تخشاه إسرائيل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5742
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4929
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3096
| 24 سبتمبر 2026