رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم أقرأ يومًا كتابًا يخبرني كيف يبدو الشعور حين يتغير شخص كنت أظنه ثابتًا، ولا وجدت في صفحات الروايات وصفةً تشرح كيف يمكن للمرء أن يستيقظ ذات صباح، فيكتشف أنه لم يعد الشخص الذي كانه بالأمس. قرأت كثيرًا عن الحياة، وعن النجاح، وعن العلاقات الإنسانية، وعن القوة التي يحتاجها الإنسان ليواصل طريقه، لكنني اكتشفت أن هناك أبوابًا لا تفتحها المعرفة، مهما اتسعت، وإنما تفتحها التجربة حين تضعنا أمام أنفسنا بلا مقدمات.
لم تعلّمني الكتب أن بعض الحقائق لا نرفضها لأننا لا نفهمها، بل لأننا نفهمها جيدًا، لكن الاعتراف بها سيجبرنا على اتخاذ قرار لا نريده. وأن الإنسان قد يقضي وقتًا طويلًا في البحث عن تفسير لتصرفات الآخرين، بينما تكمن الإجابة أحيانًا في حقيقة بسيطة يخشى مواجهتها: ما يقدمه لك أحدهم هو اختياره، وليس بالضرورة ما تستحقه.
ولم تعلّمني الكتب أن النضج لا يأتي دائمًا في هيئة حكمة، بل قد يأتي على هيئة صمت لم نعتده، أو اعتذار لم نعد ننتظره، أو باب نغلقه بأيدينا بعد أن أمضينا طويلًا نحاول إبقاءه مفتوحًا.
كنت أظن أن الإنسان كلما ازداد فهمًا، أصبح أكثر قدرة على تفسير ما يحدث حوله، لكنني اكتشفت أن بعض التجارب لا تمنحنا إجابات بقدر ما تغيّر طبيعة أسئلتنا. نتوقف عن السؤال: لماذا حدث هذا لي؟ ونبدأ بالسؤال: ماذا سأفعل الآن بما حدث؟
وهذا التحول، على بساطته، قد يختصر سنوات من الدوران حول الحكاية نفسها.
ومن الأشياء التي لم تعلّمني إياها الكتب أن الطيبة وحدها لا تكفي لحماية العلاقات، وأن حسن النية لا يمنع سوء المعاملة، وأن قدرتنا على تفهّم الآخرين لا تعني أن علينا تحمّل كل ما يصدر عنهم. فقد نفهم أسباب شخصٍ ما، ونتعاطف مع ظروفه، ونعرف جيدًا ما الذي دفعه إلى التصرف بهذه الطريقة، ثم نكتشف أن فهمنا له لا يلزمنا بالبقاء في المكان الذي يؤذينا.
فليس كل ما نستطيع تفسيره نستطيع احتماله، وليس كل ما نحبّه يصلح أن يكون جزءًا دائمًا من حياتنا.
ولم أجد في الكتب شرحًا كافيًا لتلك المسافة الدقيقة بين التسامح والتنازل عن النفس؛ المسافة التي تجعلنا نغفر دون أن نعيد الأشياء إلى مواضعها القديمة، ونحفظ للآخرين مكانتهم الإنسانية دون أن نمنحهم الحق نفسه في الوصول إلينا، ونترك الماضي خلفنا دون أن نضطر إلى تبرئته أو إنكاره.
لقد احتجت إلى الحياة كي أفهم أن بعض النهايات لا تحتاج إلى خصومة، وأن بعض العلاقات لا تنقص قيمتها لأنها لم تستمر، كما أن استمرارها لا يثبت بالضرورة أنها كانت صحيحة. هناك أشخاص أدّوا دورًا مهمًا في تشكيلنا، ثم اختلفت بنا الطرق، ولم يكن علينا أن نحوّل كل فراق إلى معركة كي نثبت أننا كنا صادقين.
والأغرب أنني لم أكن أعرف أن الإنسان قد يشتاق إلى شيء، ويعرف في الوقت نفسه أنه لا يريد العودة إليه. قد تحنّ الذاكرة إلى لحظة جميلة، بينما تكون التجربة كاملةً قد علمتنا أن تلك اللحظة لا تكفي لبناء حياة. عندها نفهم أن الحنين ليس دائمًا دعوة إلى الرجوع؛ أحيانًا يكون مجرد اعتراف بأن شيئًا ما كان جميلًا، حتى وإن لم يكن البقاء فيه ممكنًا.
أما عن نفسي، فقد علّمتني التجارب أنني لست مضطرة إلى أن أكون قوية طوال الوقت كي أستحق الاحترام، ولا إلى أن أمتلك إجابة عن كل سؤال كي أبدو واثقة، ولا إلى أن أبرر اختياراتي لكل من لا يفهمها. وأن بعض القرارات الصحيحة قد تجعلنا نحزن، وأن بعض الخطوات الضرورية قد تبدو، في بدايتها، أشبه بالخسارة.
لكن الحياة لا تمنحنا دائمًا رفاهية اختيار ما لا يؤلمنا؛ أحيانًا تمنحنا فرصة اختيار الألم الذي نستطيع التعافي منه، بدلًا من الألم الذي يستنزفنا كل يوم.
وتعلّمت أيضًا أن الإنسان قد ينشغل طويلًا بمحاولة أن يكون مفهومًا لدى الجميع، حتى ينسى أن مهمته ليست إقناع العالم كله برؤيته. هناك من سيقرأ صمتك بطريقة خاطئة، ومن سيختصر مواقفك في لحظة واحدة، ومن سيبني عنك رأيًا لا يشبه حقيقتك. ومع الوقت، تدرك أن استنزاف العمر في تصحيح كل انطباع لا يترك لك وقتًا كافيًا لتعيش حقيقتك.
ليس كل سوء فهم يستحق معركة، وليس كل اتهام يستحق دفاعًا، وليس كل شخص يجب أن يصل إلى النسخة الكاملة منك حتى يسمح لك بأن تمضي بسلام.
وفي منتصف الطريق تقريبًا، اكتشفت أن الحياة لا تقيس نضجنا بعدد السنوات التي عشناها، بل بقدرتنا على مراجعة أنفسنا دون قسوة، وعلى الاعتراف بأخطائنا دون أن نختزل ذواتنا فيها، وعلى تغيير آرائنا حين تظهر لنا حقيقة جديدة. فالثبات على المبدأ فضيلة، أما الثبات على الخطأ لمجرد أننا دافعنا عنه طويلًا، فليس إلا خوفًا يرتدي ثوب الكبرياء.
وما زلت أتعلم.
أتعلم أن بعض الإجابات تحتاج إلى وقت، وأن بعض الأبواب لا تُفتح بالقوة، وأن الهدوء ليس دائمًا علامة رضا، كما أن الانسحاب ليس دائمًا علامة ضعف. وأتعلم أن الحياة لا تصبح أجمل حين تخلو من المشكلات، بل حين نكتسب القدرة على التعامل معها دون أن نفقد أنفسنا في الطريق.
ربما لهذا أصبحت أنظر إلى الأيام بطريقة مختلفة. لم أعد أطالبها بأن تمنحني ما أريد في الوقت الذي أحدده، ولا أعتبر كل تأخير حرمانًا، ولا كل خسارة عقابًا. صرت أعرف أنني لا أملك السيطرة على كل ما يحدث، لكنني أملك، ولو بقدر محدود، الطريقة التي أستجيب بها لما يحدث.
وهذا القدر الصغير من الاختيار قد يكون بداية استعادة أشياء كثيرة ظننا أننا فقدناها.
لقد علّمتني الحياة أشياء لم تكن الكتب قادرة على تعليمي إياها؛ لأنني لم أكن بحاجة إلى مزيد من المعلومات بقدر ما كنت بحاجة إلى أن أرى نفسي وأنا أختار، وأخطئ، وأتردد، وأبدأ من جديد.
فالكتب تخبرنا أن الصبر فضيلة، لكن الحياة تكشف لنا متى يصبح الصبر استنزافًا. وتخبرنا أن التسامح قيمة، لكن التجارب تعلّمنا أن التسامح لا يعني التنازل عن الحدود. وتحدثنا عن الشجاعة، بينما تضعنا الأيام أمام لحظات نحتاج فيها إلى شجاعة مختلفة تمامًا؛ شجاعة الاعتراف، وشجاعة التراجع، وشجاعة البدء من الصفر حين يصبح الاستمرار في الطريق القديم أكثر كلفة من تغييره.
وفي النهاية، ربما لا تكون الحكمة أن نصل إلى مرحلة نفهم فيها كل شيء، بل أن نتصالح مع حقيقة أننا لن نفهم كل شيء، ولن نستطيع إصلاح كل ما انكسر، ولن نكون دائمًا الشخص الذي تمنيناه لأنفسنا.
لكننا نستطيع أن نصبح أكثر وعيًا بما نختار، وأكثر رحمةً بأنفسنا حين نخطئ، وأقل استعدادًا لتكرار الدرس ذاته لمجرد أننا نخشى الاعتراف بما تعلمناه.
فبعض المعارف نقرأها فتمرّ بنا، وبعضها نعيشها فتغيّرنا.
وأصعب ما في دروس الحياة، أنها لا تمنحنا شهاداتٍ عند إتمامها؛ بل تتركنا أمام اختيارات جديدة، وتنتظر لترى إن كنا قد فهمنا فعلًا، أم أننا اكتفينا بحفظ الدرس.
لسنا متشابهات.. لكننا من الحكاية نفسها
لسنا متشابهات… واحدة منا تشبه الهدوء، وأخرى لا تعرف كيف تمرّ من الحياة دون أن تترك خلفها ضحكة... اقرأ المزيد
297
| 28 سبتمبر 2026
كرامة الوطن... حين تكون الحكمة موقفاً
في بعض الكلمات لا نحتاج إلى كثيرٍ من الشرح؛ لأنها تصل إلى المعنى مباشرة، وتترك خلفها مساحة واسعة... اقرأ المزيد
219
| 23 سبتمبر 2026
مذكراتي العزيزة
أكتب إليكِ اليوم، لا لأحكي لكِ ما حدث، فأنتِ تعرفين أكثر مني، ولا لأستعيد تفاصيل مضت، فأنتِ الوحيدة... اقرأ المزيد
465
| 20 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
باحثة دكتوراة في الاعلام الرقمي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
8292
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2616
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2367
| 15 أكتوبر 2026