رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نشأ عن السينما فرع آخر أكثر واقعية وارتباطاً بالمنفعة البشرية، إضافة إلى أبعاده الترفيهية، وهو الفيلم التسجيلي أو الوثائقي، ويعرف وفقا للموسوعة البريطانية أنه نوع من الأفلام السينمائية غير الروائية، بمعنى أنه لا يتضمن قصة ولا خيالا، وهو يتخذ مادته السينمائية من واقع الحياة، فيصور هذا الواقع ويفسر حقائقه المادية أو يعيد تكوين هذا الواقع وتعديله بشكل يعبر عن الحقيقة الواقعة، هادفا بذلك إلى تحقيق غرض تعليمي أو غرض ترفيهي.
ويرتكز هذا الفن على ثلاث قواعد:
الأولى: التعامل مع عناصر واقعية ملموسة ليست من نسج الخيال، وتكون القصة هي المكان والمكان هو القصة، حيث تتناول مظاهر الحياة المتعددة بمحيطها الواقعي.
الثانية: توظيف عناصر الواقع لتفسير القضية أو الحدث، حيث يجرى تنظيم المادة على ضوء دراسة متأنية وفهم الواقع فهما عميقا.
الثالثة: عدم الاقتصار على الوصف السطحي للحدث أو القضية، وإنما يقدم الموضوع في قالب جذاب.
ولدت السينما التسجيلية في أواخر القرن 19، على يد الأخوين الفرنسيين لوي وأوغست لوميير، حيث قدما عرضا عنوانه "الخروج من مصانع لوميير ووصول قطار إلى محطة لاسبوتات"، في مدة لا تتجاوز دقيقتين، ويظهر فيه قطار يصل إلى محطة، وعمال يخرجون من مصنع، وبذلك كانا أول من اخترع الفيلم الوثائقي، كما قام الأمريكي إيدسون بوضع حجر الأساس لما يعرف بالسينما الإثنوغرافية عندما قدم سلسلة من الأفلام عن رقصات الساموا الهندية واليهودية.
مع تراكم الخبرات، تحولت السينما التسجيلية أو الوثائقية من مجرد تصوير مشاهد حية إلى فن يعبر عن وجهة نظر صاحبه، فتنوعت هذه الصناعة في مناهجها وموضوعاتها وتوجهاتها، حيث عرضت أفلاما وصفية وتحليلية وأفلاما تناقش أحوال البسطاء، وأخرى في النقد الاجتماعي، والتنمية البشرية.
ورغم اعتمادها بصورة أقل على جانب الإمتاع البصري والسمعي مقارنة بالسينما، إلا أن التقدم التكنولوجي قد أتاح لمجال الأفلام التسجيلية والوثائقية الدخول في مرحلة جديدة من مراعاة تلك الجوانب الترفيهية والإمتاعية.
وقد تم استغلال الفيلم التسجيلي في الدعاية السياسية في النظم الديكتاتورية، سواء في الاتحاد السوفييتي أو ألمانيا النازية، وعلى سبيل المثال: أخرجت ليني ريفيستاهل فيلما بعنوان "انتصار الإرادة"، كان الهدف منه إلقاء الضوء على جوانب البطولة في شخصية الزعيم النازي هتلر، وأثناء الحرب العالمية الثانية، أنتجت معظم الدول أفلاما حربية، تجسد الآثار المدمرة للحرب بتمويل حكومي في معظم الأحيان.
وعلى الرغم من أن المخرج الأمريكي مايكل مور يؤكد أن السينما التسجيلية استطاعت الخروج عن عزلتها، إلا أنها تواجه العديد من التحديات، أبرزها التمويل، وانكفاء وسائل الإعلام عن تغطية مثل هذه النوعية من الأفلام.
إن أهمية طرح موضوع الأفلام التسجيلية والوثائقية يكمن في أنها تعد مجالا لبناء الوعي الثقافي وتعزيز الانتماء الوطني والتنشئة الاجتماعية والتنمية البشرية والارتباط بالتراث والتاريخ، إلا أنه لم يأخذ حقه من الاهتمام والتطوير في مجتمعاتنا العربية.
والمعروف والمشاهد في العالم العربي، أن الفيلم الروائي يلقى اهتماما إعلاميا ودعائيا كبيرا أكثر بكثير من الفيلم التسجيلي، بينما في الدول الأوروبية يأخذ الاهتمام بالفيلم التسجيلي ذات الاهتمام بالفيلم الروائي أو قريبا منه، ومن ناحية أخرى يلجأ الفيلم الروائي للإنفاق على الحملات الإعلانية لكسب الجماهير ويخصص لها ميزانية، وهو الشيء الذي لا يتوافر في الفيلم التسجيلي.
ضعف الاهتمام العربي بالفيلم الوثائقي يرجع برأيي إلى سلوك رأس المال الذي يتجه غالبا لتحقيق الربح دون أن يكون الشأن العام ضمن أولوياته، وفي الوقت نفسه لا يمكن الاعتماد على التمويل الحكومي لمثل هذا المجال في ظل استيعاب الميزانيات العامة لمجالات أهم تتعلق بالضرورات المعيشية والحياتية كالصحة والتعليم وقطاعات الزراعة والصناعة ونحوها، خاصة في الدول العربية الفقيرة.
كما أن الجزء التثقيفي هو الأبرز في تلك النوعية وليس الترفيه، وهو لا يمثل ذروة اهتمام شرائح مجتمعية متعددة، إضافة إلى أن الإنتاج السينمائي يتعلق بالمردود السياسي وبالمنفعة الآنية أكثر.
هي إشارة لكل من يهمه الأمر، على الصعيد الرسمي أو الجماهيري، عسى أن يتم الاهتمام بهذا النوع من الأفلام، والذي يمكن أن يحدث طفرة علمية وثقافية في المجتمعات العربية، إذا توافرت له الإمكانات اللازمة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إحسان الفقيه
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1650
| 04 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
888
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
813
| 07 يناير 2026