رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحوار يجب أن يكون مقدمة لاختيارات وبدائل للقرار
الحوار وسيلة التواصل بين العقلاء، وبدون تحديد أهداف الحوار داخل المجتمع في المرحلة التي يجري فيها الحوار، يصبح ما يدور "بغبغة" بين الأطراف، ويطلقون عليه حوار الطرشان.
والحوار بحث جاد عن المشتركات بين الأطراف، وهو يتطلب لغة مشتركة بين المتحاورين، والاجتهاد في تحديد أطراف الحوار، وتحديدا قضايا الحوار، وفوق ذلك كله إعداد بيئة مناسبة للحوار.
ونجاح الحوار يتطلب أن يدرك المشاركون فيه، أنهم جاؤوه لعدم إمكانية الحياة المنفردة، ولا القدرة على الوجود الأناني، وإن كانوا قد دخلوا إليه أطرافا بينها اختلاف، فهم ينشدون أن يخرجوا منه، وقد اتفقوا على رؤية مشتركة، مع احترام التمايز بينهم.
ما يدور في مصر تحت عنوان الحوار، وهو كثير ومتعدد إلى حد التشتت، يبتعد كثيرا عن الحوار المنشود، وإن كان السبب الرئيسي في ذلك محاولات من اليمين الديني للثأر من التاريخ الوطني، وثورة يوليو، دون بديل غير الاقتتال الديني بلا رؤية اجتماعية وسياسية، واستخدام الدين وسيلة للإرهاب الفكري، ومحاولات من اليسار للعودة إلى ذات الموقف الذي قاده لطفي الخولي عام 1971 لوراثة ثورة يوليو بالارتماء في حضن السادات والحديث عن "الديمقراطية المفقودة"، فلا هو حافظ على رؤية اجتماعية ولا هو لحق بقاطرة الديمقراطية، ويومها أيضاً تجاوز المجتمع في 18 و19 يناير 1977 كل أباطرة الفكر داخلة وقاد شباب التيارات الناصرية واليسارية مظاهرات الخبز، وكان أيضاً الشعب ذخيرتها، ويدخل على المشهد في هذه المرحلة تيار ليبرالي بأوعية متعددة، يشخص مشاكل الوطن في جانبها السياسي، ولا يطرح لقضايا الوطن الاجتماعية غير عناوين دون مضمون.
حالة التشتت هذه يرجعها البعض إلى ما أصاب الحركة الوطنية من تبعثر نتيجة التعاملات الحادة من النظام السابق، وإلى الفصل بين النظام السياسي والاقتصادي داخل المجتمع، وإلى الحالة التي فرضتها نجاحات ثورة يناير، بإفراز تشكيلات جديدة من أرصفة المظاهرات وميادينها، دون رؤية سياسية سوى ترديد الهتافات على أنها برامج عمل، مما أفقد الوجود البشري محتواه الاجتماعي والسياسي.
وساعد على التشتت أداء عناصر من النخبة، والتي كانت من قبل تنتمي إلى نداءات التغيير والعصيان، وأصبحت من بعد يناير في حالة من الارتباك الذهني تحركها إما عقد قديمة أو تدفعهم مخاوف أن تتجاوزهم الأحداث التي فاقت قدرتهم على التوقع أو حتى الاستيعاب ومازالوا في حالة الهذيان، وانتاب الجميع محاولات الهروب للأمام ليحدث الصدام بالأجساد أكثر منه جدل الأفكار وتخصيبها.
وأضيف إلى هذا الأمر فزاعة "المؤسسة العسكرية"، والخلط بين أنها مؤسسة الأمن القومي الرئيسية، والمملوكة للشعب، والتي استقر على علاقتها بالشعب منذ وقائع يونيو 1967 وما استتبعها من احتمالات الصدام بين عناصر المؤسسة العسكرية وبين الدولة، وهو ما تطلب إدارة حوار داخلي في تحديد المهام والعلاقات، بدأ بانتحار عبدالحكيم عامر، وتجسدت قمة التعبير عنه في معركة العبور عام 1973 والتي مثلت مدى النجاح في طبيعة العلاقة بين القوات المسلحة وبين الشعب في إطار دولة القانون والدستور.
ورغم الدعوة إلى الشرعية الدستورية بديلا عن الشرعية الثورية التي استتبعت وقائع رحيل جمال عبدالناصر عن المشهد، إلا أن تجاوزات وإعادة صياغة القوانين والمفاهيم ومواد الدستور، جعلت كل بناء الدولة المصرية معرضا للتشوه، وأجابت وقائع ثورة يناير العظيمة عن السؤال الحائر: إلى من سينحاز الجيش في المواجهة بين الشعب والسلطة؟ وانحاز الجيش إلى الشعب، وكانت علامة الطريق الثانية في مسار العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة، إنها درع الوطن في مواجهة العدوان الخارجي، وإنها للشعب ولا تقبل أن توجه مدافعها ورصاصها للشعب الذي ائتمنها عليه لحمايته، الذين هم المكون البشري الوحيد لقوام الجيش.
هكذا أجابت ثورة يناير عن السؤال الحائر، الجيش لمن؟
وبقي أن نتمسك بأعلى نقطة تطور داخل العلوم العسكرية، والتي ترتبط بتقدير دائم للمواقف يدرس كل عناصر تكوين الصراع، من العدو إلى أرض المعركة، وتعلمنا في كلية ضباط الاحتياط القاعدة الذهبية للتكتيك العسكري والتي تقول: "سرعة استغلال النجاح"، وهكذا لمن يرون أن العسكرية عبارة عن حالة جامدة، فالعسكرية في اتخاذها للقرار تربط بين الاستراتيجي والتكتيكي، فالهدف النهائي للمعركة واضح، وتحويله إلى مهام تكتيكية أيضاً واضح، وإن اتخاذ القرار ينتج من تقدير متجدد للمواقف، وإن الزمن وإنجاز المراحل يفتح الأفق لاستغلال النجاح وتطوير الحركة لتحقيق الأهداف التالية.
وهكذا بتطبيق قواعد القرار في العسكرية المصرية، يصبح الحوار داخل المجتمع هو وسيلة الاستطلاع، وهو المدخل الرئيسي لتقدير الموقف في مواجهة ما ترتب على تحقق الثورة سواء في شأن هدم النظام البائد أو بناء النظام الجديد.
وهذا الحوار لا يفرق بين أطرافه بلون الزي، ولا بسلطة الرتبة العسكرية، ولا بمن يملك قوة السلاح، فكل هذا ملك للشعب، لذا لا يجوز لأحد أن يدعي أن هناك من يهاجم جيش الشعب، أو أن يمارس بجيش الشعب أداء إرهابيا على عناصر الثورة من أبناء الشعب.
وهكذا تجسدت الحاجة إلى الشرعية الدستورية عبر الحوار بين قوى المجتمع، مدخلا إلى القرار، والقرار في مسار الأمم وصناعة تاريخها لا يأتي بالاختطاف، فتعرض على المجتمع عناصر للاستفتاء، ثم تدخل عليه بتزييف الوعي أنه اختيار بين الإسلام وما عداه، ثم تخرج نتيجة الاستفتاء، فيدعي البعض أنها إرادة الشعب لخطوات نحو الشرعية الدستورية بالانتخابات أولا، أو يدعي الآخرون أنها تفويض مطلق للمجلس العسكري، كلاهما يوظف نتيجة الاستفتاء لما يريده هو، مناقضا لاحتياج الوطن.
الانتقال من ثورة بالشعب إلى ثورة للشعب، هو مهمة المرحلة.
وعليه فمهمة الاستطلاع بالحوار لا تتأتي بالحديث بين أصحاب الياقات البيضاء وفقط، ولكن من دون أن ينضم أصحاب الجلابيب الزرقاء والأفرولات إلى حلقات الحوار، تتحول جلسات الحوار إلى بغبغة بين "تنابلة السلطان"، وبدون أن يكون الحوار مقدمة لاختيارات وبدائل للقرار الوطني، يصبح حرثا في الماء، وبدون أن يكون الحوار بين أنداد وأحرار يصبح إملاءات، ويبقى السؤال الحائر مدويا من جديد في كل أرجاء الوطن: الجيش ينحاز لمن؟
وعليه، فبقدر حاجة المجتمع إلى الحوار يحتاج متخذ القرار إلى الحوار.
ومن غير الصحيح ألا تكون هناك قواعد تحدد من هم المتحاورون وما هي قضايا الحوار؟
والعجيب أن القول بأن الثورة نجحت وضربت مثلا رائعا لحركة الشعوب في مواجهة الطغيان هو قول صحيح، إلا أن الجميع يقول بأن الثورة ليست بالسلطة، ولا هي تملك القرار، حتى أن رئيس حكومة تسيير الأعمال يأتي بمستشار سياسي يهدد ويتوعد، وهو القادم من بين مقاعد الدراسة أو صفحات الجرائد، ويرتكن وبلا مبرر إلى سلطة توهمها لكرسيه الذي يمكن أن يطاح به في لحظة، وأيضا ليس من المقبول أن يعبر عن المجلس العسكري من يستعدي الشعب، بل ويتهم الإعلام بأن يقول إن المظاهرات حاشدة وهي ليست كذلك!!، ويهدد أحد الصحفيين على الهواء أن حديثه عن شبهة صفقة بين المجلس العسكري والإخوان يعرضه للمحاسبة القانونية، ويرد الصحفي عليه إنه قال في زمن مبارك أكثر من هذا ولم يتلق تهديدا مماثلا، ونجح ذلك اللواء في استفزاز الجميع وتوحيدهم في موقف منه، وبديلا عن الربط بين موقفه وموقف المجلس العسكري، صارت الملاحظة التي يرددها الجميع، أليس هناك عقلا أكثر رجاحة يمكنه عن يعبر عن المجلس العسكري المصري؟
الحوار وقضاياه المتنوعة يتطلب أن تمسك بنقطة المركز قوة حاسمة وغير منحازة، ورغم ترديد مقولة مجلس رئاسي مدني بين الكثيرين، إلا أن الوصول إليه قد يكون صعبا ومعطلا لإمكانية الإنجاز، وليس مطلوبا استمرار فتح بوابات الفتنة بأنواعها، ما إن نغلق إحداها حتى يسارعوا بفتح أخرى، والزمن ينقضي من حولنا دون إنجاز حقيقي يحمي ثورة تمت بالشعب، وينقلها إلى تحقيق أهدافها كثورة للشعب.
لقد نجحت مظاهرة يوم الجمعة 27 مايو في تحقيق أهداف متعددة، وهي أن الشعب يحمي ثورته، وأنها ليست صنيعة من يحاولون اقتناصها، بل لقد أطاحت بمحاولات غير أمينة من الإخوان للوقيعة بين الشعب والجيش، وأوضح انسحاب الجيش من الميادين والشوارع، أن محاولات التهديد بحمامات من الدم ذهبت أدراج الوعي السياسي والأمني للشعب، واتضح أن هجمات البلطجة مصنوعة وليست وليدة غياب الأمن، وتولي المتظاهرون أمن المظاهرات، والتزموا جانب الثورة، وكانوا أرقى من كل محاولات الوقيعة وتجاوزوها.
لقد قدم الشعب شهادة الثقة في قواته المسلحة، وبات واجبا أن تعلن القوات المسلحة ردها على رسالة الشعب الراقية والواضحة، وبات مطلوبا، تغيير أداة التعبير عن المجلس العسكري بعقول قادرة على التعبير عن الاحترام لإرادة الشعب، وأن توقف المحاكمات لعناصر الثورة أمام المحاكم العسكرية، وبدأ التطهير الحقيقي للإعلام والقضاء والأجهزة الأمنية، وأن تفتح الباب للمحاسبة السياسية للنظام السابق ومحاكمتهم أمام محكمة الثورة، وأن تفتح أفق الحوار الوطني على مصراعيه، في قضايا الاقتصاد والاجتماع والسياسة تمهيدا للحوار داخل الجمعية التأسيسية للدستور حول العقد الاجتماعي الجديد، وأن يتم تشكيل هيئات الحوار بالانتخاب من كل المحافظات والنقابات والقوى السياسية، وليس باختيارات من مجهولين لأسماء أيضاً لا تعبر عن مخزون الإرادة الشعبية بمصر.
نجح الشعب يوم 27 مايو في رسالة "إرادة الشعب" المطالبة بالدستور قبل أي انتخاب، ووجب أن يسمع الشعب إجابة على رسالته بالإيجاب.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
640
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5214
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4905
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
2985
| 24 سبتمبر 2026