رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ أطلقت حكومة الاحتلال حرب الإبادة على غزة رداً على «طوفان الأقصى» ولاحقا توصلت لوقف إطلاق النار في يناير 2025 قبل بدء رئاسة ترامب، لتنقض على وقف الحرب والعودة للمضي بحربها الوحشية على غزة في مارس وتفرض حصارا مطبقا وصولا لوقف إدخال المساعدات الإنسانية والغذاء والدواء وقطع جميع العناصر الرئيسية للحياة وصولا لإطلاق عمليتي جدعون 1 وجدعون 2، ورد المقاومة بـ»حجارة داود»، وسط صمت وتواطؤ النظام العالمي وما يسمى المجتمع الدولي، وإسرائيل تخسر معركة كسب العقول والقلوب وخاصة السردية الكاذبة التي روجت لها لحوالي ثمانية عقود عن «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط» و»الجيش الأكثر أخلاقية» لتدفن تلك السرديات وتكتشف الشعوب الحية في أوروبا وشرائح مهمة داخل الولايات المتحدة كذب ورياء ورفض استمرار تمويل ودعم وتغطية جرائم الحرب الوحشية، خاصة مع تفشي المجاعة واستخدام التجويع سلاحا أودى بحياة أكثر من 300 فلسطيني نصفهم من الأطفال ونشر صور الرجال والأطفال وقد تحول بعضهم لهياكل عظمية لإجبار الفلسطينيين على الرحيل في تطهير عرقي لاحتلال غزة ولإعادة الاستيطان في غزة. ووصل الأمر بالرئيس ترامب لعقد لقاء مطول مع طوني بلير وجاريد كوشنير للتخطيط لمستقبل ما بعد الحرب! وربما كما أشار ترامب تحويل غزة لـ «ريفيرا الشرق».
ومع تصاعد عدد الدول الغربية للاعتراف بدولة فلسطين في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر القادم على رأسها بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا ودول أوروبية، وسط مظاهرات وغضب شعوبهم، وقطع تركيا التبادل الاقتصادي وإغلاق المجال الجوي التركي أمام الطائرات العسكرية الإسرائيلية ومطالبة إيرلندا ودول أخرى فرض عقوبات على إسرائيل! تتعمق عزلة إسرائيل لتصبح كيان منبوذ ومعزول.
لم يعد مقبولاً استمرار القتل الممنهج وحرب الإبادة والتجويع الموثقة والمتلفزة واستهداف المدنيين الأبرياء من أطفال ونساء وشيوخ ورجال الاستمرار بالصمت والتظاهر بالعجز لا بل التواطؤ مع حمامات الدم التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في غزة على مدى العامين الماضيين.
الصمت والعجز والخذلان العربي والدولي لوقف القتل والعقاب الجماعي وكسر الحصار المطبق أودى بحياة 65 ألفا و12 ألفا تحت الأنقاض وأكثر من 150 ألف مصاب وتحول كامل سكان غزة للاجئين ونازحين مرات عديدة، وسياسة التجويع المتعمد لمليونين وثلاثمائة ألف لإجبارهم على «الهجرة الطوعية» بل القسري، تجاوز لكل المعايير الإنسانية والأخلاقية. وتذكر بمحرقة اليهود على يد النازية في الحرب العالمية الثانية. ونشهد لتصعيد وشن حرب حصار واجتياح مدينة غزة برغم استنفاد الحرب أهدافها، وصولا لاحتمال أسر كتائب عزالدين القسام لجنود الاحتلال.
إعلان الأمم المتحدة رسميا تفشي المجاعة في غزة وتحذير بتوسعها إلى جنوب القطاع خلال الشهر القادم بسبب حصار إسرائيل المطبق ومنع إدخال المساعدات وتجاوز وفيات سوء التغذية المجاعة 311 حالة بينهم أكثر من 111 طفلا. ووصل عدد الشهداء الذين قتلوا في سعيهم للحصول على المساعدات الغذائية من مراكز توزيع المساعدات حوالي 2000 منذ مايو الماضي بداية تحول في موقف الرأي العام الغربي وحراك شعبي رافض لحرب الإبادة.
علّقت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية مؤخراً: «الغرب متواطئ في غزة» وأن الاعتراف بوجود مجاعة في غزة قد تشكل بداية لنقطة تحول. وتساءلت «تصوروا لو الصين أو البرازيل أو أفريقيا الجنوبية او الهند تشن حربا على كيان وتقتل 60 ألفا على الأقل معظمهم مدنيين، وأطفال. وتمنع دخول الغذاء والماء وتتسبب بمجاعة من صنع الإنسان. لقامت قيامة الجمهوريين والديمقراطيين وحكومات بريطانيا وفرنسا وغيرها منددة بمعاناة المدنيين. وطالبوا بمحاكمة المتسبب بجرائم الحرب باستهداف المدنيين ومن يستخدمون الغذاء والتجويع سلاحا في حرب تطهير عرقي. وبالتأكيد كنا سنحظر تزويد تلك الدولة بالسلاح. وكانت وسائل إعلامنا ستفرد تغطية واسعة ومستمرة وتصف ما يحدث في غزة «أزمة إنسانية». وتعمد تجويع المدنيين. وهذه سياسة إسرائيل في غزة. لكن صمتنا يكشف عن لا مبالاتنا الواسعة». فيما ينتقد مسؤولون سياسيون وعسكريون إسرائيليون حرب نتنياهو على غزة-ووصف يهودا أولمرت رئيس الوزراء الأسبق (شن حروبا على غزة) الحرب «بجرائم حرب نتنياهو على غزة».
دفع ذلك الوضع المأساوي توماس فريدمان كاتب عامود الرأي الشهير في صحيفة نيويورك تايمز والحائز على أرفع جوائز العمل الصحفي بولتزر، والمؤيد تاريخيا لإسرائيل وكان مراسل صحيفة نيويورك تايمز في تل أبيب وبيروت في التسعينيات لكتابة مقالات ناقدة بقوة ورافضه لحرب إسرائيل على غزة. كان آخره مقال الأسبوع الماضي بعنوان ناقد بشدة. يرى فريدمان في مقاله الأخير Israel’s Gaza Campaign Is Making It a Pariah State» حملة إسرائيل على غزة انتحار للكيان ويدمر مكانة إسرائيل في العالم بقتل المدنيين، وتمزق المجتمع الإسرائيلي ويهود العالم ويجعلها دولة منبوذة.
وانتقدت الكاتبة الهندية المسلمة «شاما محمد»-الناطقة الرسمية باسم حزب المؤتمر الهندي المعارض (حزب غاندي) الصمت المطبق عن انتقاد جرائم حرب إسرائيل على غزة. ومذكرة بمقولة مؤسس الحزب المهاتما غاندي: «يصبح الصمت جبن عندما يتطلب الموقف الصدع بالحقيقة».
لكن للأسف في أفضل الأحوال تبقى تلك المقالات والمواقف والتظاهرات والانتقادات والتصويت في مجلس الأمن لوقف الحرب وآخره 14 من 15 دولة طالبوا في بيان مشترك بوقف فوري ودائم وغير مشروط للحرب على غزة وإدخال المساعدات بشكل عاجل، والإفراج عن جميع الأسرى لدى حماس وفصائل أخرى. كما وصف بيان الدول الأعضاء في مجلس الأمن، باستثناء دولة واحدة المجاعة في غزة «أزمة من صنع البشر ومحذرين من استخدامها كسلاح محظور بموجب القانون الدولي الإنساني». وهو ما تفعله إسرائيل منذ شهر مارس الماضي. باعتراف وبتصريحات علنية من نتنياهو ووزير الدفاع ووزير المالية وغيرهم.
لكن إسرائيل تخسر مكانتها وروحها وسرديتها والأهم استراتيجيا.
جرد لأحداث عام ودعناه بين الألم والأمل
أبرز مصائب العام الإداري الذي نودعه نجد تهديد الإنسانية بحرب عالمية ثالثة وهو التخوف الذي أصبح حديث الناس... اقرأ المزيد
105
| 02 يناير 2026
صوتي في جيب المعطف
لم أكن أعلم أن للأصوات أماكن تختبئ فيها، تمامًا كما تختبئ الأوراق تحت الكتب القديمة أو كما تنام... اقرأ المزيد
189
| 02 يناير 2026
في زمن الضجيج الرقمي: لماذا أصبح العمل العميق فعلَ مقاومة؟
أصبح التركيز في عصر الشاشات والخوارزميات من أندر الموارد التي يمتلكها الإنسان المعاصر. ففي زمن يُمجَّد فيه الانشغال... اقرأ المزيد
33
| 02 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي والريان دون استئذان. هذا اللقاء يحمل في طيّاته أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ إنها مواجهة تاريخية، يرافقها جدل جماهيري ممتد لسنوات، وسؤال لم يُحسم حتى اليوم: من يملك القاعدة الجماهيرية الأكبر؟ في هذا المقال، سنبتعد عن التكتيك والخطط الفنية، لنركز على الحضور الجماهيري وتأثيره القوي على اللاعبين. هذا التأثير يتجسد في ردود الأفعال نفسها: حيث يشدد الرياني على أن "الرهيب" هو صاحب الحضور الأوسع، بينما يرد العرباوي بثقة: "جمهورنا الرقم الأصعب، وهو ما يصنع الفارق". مع كل موسم، يتجدد النقاش، ويشتعل أكثر مع كل مواجهة مباشرة، مؤكدًا أن المعركة في المدرجات لا تقل أهمية عن المعركة على أرضية الملعب. لكن هذه المرة، الحكم سيكون واضحًا: في مدرجات استاد الثمامة. هنا فقط سيظهر الوزن الحقيقي لكل قاعدة جماهيرية، من سيملأ المقاعد؟ من سيخلق الأجواء، ويحوّل الهتافات إلى دعم معنوي يحافظ على اندفاع الفريق ويزيده قوة؟ هل سيتمكن الريان من إثبات أن جماهيريته لا تُنافس؟ أم سيؤكد العربي مجددًا أن الحضور الكبير لا يُقاس بالكلام بل بالفعل؟ بين الهتافات والدعم المعنوي، يتجدد النقاش حول من يحضر أكثر في المباريات المهمة، الريان أم العربي؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل المدرج إلى قوة إضافية تدفع فريقه للأمام؟ هذه المباراة تتجاوز التسعين دقيقة، وتتخطى حدود النتيجة. إنها مواجهة انتماء وحضور، واختبار حقيقي لقوة التأثير الجماهيري. كلمة أخيرة: يا جماهير العربي والريان، من المدرجات يبدأ النصر الحقيقي، أنتم الحكاية والصوت الذي يهز الملاعب، احضروا واملأوا المقاعد ودعوا هتافكم يصنع المستحيل، هذه المباراة تُخاض بالشغف وتُحسم بالعزيمة وتكتمل بكم.
1668
| 28 ديسمبر 2025
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
831
| 29 ديسمبر 2025
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
612
| 31 ديسمبر 2025