رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم ما يوحي عنوان الكتاب من اختصار قد لا يتماشى مع طبيعة صراع راهن بالغ التأزم والتعقيد، إلا أن المؤلف لا يتعامل مع هذا الاختصار من ناحية التقليص الزمني، حيث يختار نقطة بداية يسترسل بعدها مع الأحداث وفق رؤية تتبع جذور الصراع المرتبط بالمشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين منذ أواخر القرن التاسع عشر، والذي أفرز عمليات تطهير عرقي ومقاومة فردية وأخرى مسلحة، انتهت بمشهد الاحتلال الحالي، عبر تحوّلات سياسية كبرى!
يصدر هذا الكتاب (موجز تاريخ الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني) حديثاً، وهو يعيد معه سياقات السابع من أكتوبر 2023 وما تلاه من تصدير عريض للقضية الفلسطينية إلى واجهة العالم، مع إصرار المؤلف العودة إلى ما قبل 1948 و1967 من أجل فهم أكثر واقعية للحاضر.
إنه إيلان بابِه، مؤرخ إسرائيلي وُلد في حيفا عام 1954، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أكسفورد، ويعمل حالياً أستاذاً في جامعة إكستر البريطانية، وقد ارتبط اسمه بالدراسات الفلسطينية وبتيار «المؤرخين الجدد» في "إسرائيل". ومن أشهر أعماله (التطهير العرقي في فلسطين)، وهو الذي اشتهر بقراءته النقدية للحركة الصهيونية، وبموقفه الداعم لحقوق الفلسطينيين.
لا يتردد المؤرخ في اختيار اللحظة التي ينبغي أن يبدأ منها هذا التاريخ، حيث يحددها في عام 1882 الذي شهد وصول طلائع المستوطنين الصهاينة إلى فلسطين العثمانية، وهي اللحظة التي تشهد أيضاً نشأة الصهيونية في السياق الأوروبي العام، والمجتمع الفلسطيني القائم آنذاك. ومن هذه اللحظة المصيرية، ينتقل للحديث عن الحرب العالمية الأولى والانتداب البريطاني ووعد بلفور، متتبعاً نمو حركة الاستيطان الصهيوني، مقابل تشكّل الحركة الوطنية الفلسطينية. ثم يتناول الاضطرابات التي وقعت عام 1929 وقيام الثورة العربية الكبرى بين 1936 و1939 وقمعها، ثم السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وقرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عام 1947 وصولاً إلى نكبة 1948، التي يخصص لها المؤرخ فصلاً كاملاً يتناول فيه تهجير الفلسطينيين وتدمير قراهم والاستيلاء على أراضيهم، وولادة قضية اللاجئين بالتزامن مع قيام دولة إسرائيل.
ومع منتصف الكتاب، يستعرض المؤرخ أحداث ما بعد النكبة التي تتناول أوضاع من بقي من الفلسطينيين داخل "إسرائيل"، إضافة إلى اللاجئين المنتشرين في الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية، ملحقاً بصعود الحركة الوطنية وتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية. ثم يصل إلى حرب حزيران 1967 التي أفضت إلى احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، وما أعقبها من حكم عسكري وتوسع في بناء المستوطنات ومصادرة الأراضي. يتتبع بعد ذلك تحولات المقاومة الفلسطينية وظهور فصائلها المختلفة، قبل الانتقال إلى الانتفاضة الأولى عام 1987 وصعود حماس، ثم اتفاقيات أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية وتقسيم الضفة الغربية إلى مناطق مختلفة أمنياً وإدارياً. عليه، يعرض ما آلت إليه عملية السلام من استمرار الاستيطان وبقاء القدس المحتلة واللاجئين والحدود والسيادة كقضايا بلا تسوية، وصولاً إلى الانتفاضة الثانية عام 2000 وتصاعد المواجهات والعمليات العسكرية على نحو أكثر حدة.
ثم يخصص المؤرخ الفصول الأخيرة للوضع الفلسطيني-"الإسرائيلي" في القرن الحادي والعشرين، بدءاً من الانسحاب "الإسرائيلي" من مستوطنات غزة عام 2005، ثم فوز حماس في انتخابات 2006 وسيطرتها على القطاع مع ما صاحبه من انقسام فلسطيني، إلى الحصار والحروب المتعاقبة على القطاع بالتوازي مع استمرار الاستيطان والتحولات التي شهدتها الضفة الغربية على الناحية الأخرى.
وفي الفصل الأخير، يتعرض المؤرخ للسياق التاريخي والأخلاقي المتعلق بأحداث السابع من أكتوبر 2023، حيث وهو يتطرق إلى هجوم حماس وما أعقبه من حرب "إسرائيلية" شاملة على غزة، يربطه بالتاريخ الذي أشار إليه في أواخر القرن التاسع عشر، كمرحلة لاحقة، فيختم حديثه بمناقشة مستقبل الصراع وقضية اللاجئين، وتراجع إمكانية تطبيق حل الدولتين في ظل الواقع الجغرافي والاستيطاني القائم، ويقترح تأسيس دولة ديمقراطية مشتركة تقوم على مساواة الحقوق بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين"، مؤكداً على معالجة الحقوق الفلسطينية التاريخية.
يعتمد المؤرخ "الإسرائيلي" في كتابه خط تحليلي-موضوعي يرفض معه معالجة الصراع القائم كسلسلة متلاحقة من الأخطاء المتبادلة، حيث يركز على اختلال موازين القوة، وكثافة حركة الاستيطان مع ما يلحق بها بالضرورة من تهجير وعنف وتدمير واحتلال...، وذلك كمنظومة متصلة ببعضها. إن هذا التسلسل الموضوعي يمنح الأحداث المترابطة والمتزاحمة وضوحاً أكبر مما قد تظهر عليه كأحداث مبهمة أو منفصلة في نشرات الأخبار. كذلك، يبرع المؤرخ في ضغط تاريخ يتجاوز القرن من الزمان ضمن حيّز محدود لا يحشر فيه رتل من أرقام وتواريخ، حيث تتجلى أهمية طرحه في ربط السياسة الدولية بالتحولات الاجتماعية، والمحافظة على مركزية التجربة الفلسطينية، لا سيما حين يتطرق إلى النكبة واللجوء والاستيطان والحصار.
في الختام، لم ينأَ الوجدان العربي يوماً عن قضية فلسطين التي لم تزل كالجرح المفتوح خلّفه المعتدي، في الوقت الذي جاء فيه أحد أبناء جلدته لينقّب عن تلك الجذور التي تصل ماضي العدوان بحاضر ينبغي أن يكون أكثر صدقاً.. ماض وحاضر يسطران تاريخ أرض، فيما دماؤها لم يُكتب لها أن تجفّ بعد!
عندما يخاف الطبيب: البعد الإنساني في الطب الحديث
يتزامن هذا الكتاب مع لحظة ثقافية يتصدّر فيها النقاش كفاءة الطب، في الوقت الذي يهمل حقيقة ما يعتمل... اقرأ المزيد
231
| 11 يونيو 2026
معرض الدوحة للكتاب كما رأيته
"لطالما تخيلت الفردوس على هيئة مكتبة". لا يبدو الأديب الأرجنتيني لويس بورخيس مفرط الخيال وحسب في فردوسه المتخَيل،... اقرأ المزيد
531
| 01 يونيو 2026
هندسة الذات روحياً (2-2)
..... نواصل الحديث حول كتاب « Inner Engineering: A Yogi's Guide to Joy» لمؤلفه/ Sadhguru هنالك أيضاً كليشيه... اقرأ المزيد
423
| 08 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10341
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8337
| 03 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
3216
| 10 سبتمبر 2026