رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مها الغيث

mismaha1@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

114

مها الغيث

الصدفة أذكى من العقل أحياناً

11 أغسطس 2026 , 11:06م

هناك لحظات في الحياة يتوقف عندها الإنسان لحظة صامتة: رقم يتكرر، لقاء غير متوقع مع شخص لم يره منذ سنوات، خبر يبدو كأنه صدر عن قصة خيالية. هذه اللحظات عادة ما تُسمى (مصادفات)، غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بذكاء هو: هل هي حقاً مجرد مصادفات؟

ينطلق الكتاب من هذه اللحظات اليومية البسيطة إلى مرحلة أعمق بكثير، حيث لا يكتفي بسرد حكايات خارقة للطبيعة، بقدر ما يحاول أن يكشف جانباً عن الطريقة التي يعمل بها العقل البشري، وهو يندهش من المصادفة ويميل إلى ربط الأحداث المتفرقة في حبكة ذات مغزى. فبين الطرافة والإحصاء، وبين علم النفس والماورائيات، يفرض الكتاب احتمالا مثيرا للتفكير، حول الغرابة التي ربما لا تكمن في المصادفات، إنما في العقل الذي يحاول تفسيره، ينتهي مع تأمل علمي وفلسفي حول العلاقة بين الاحتمال والصدفة والعقل البشري، على هذا يأتي عنوان الكتاب مفصلاً: (Beyond Coincidence: Amazing Stories of Coincidence and the Mystery Behind Them - ما وراء المصادفة: قصص مدهشة عن المصادفات وسرها الكامن).

وكمتحف للمصادفات، يبني المؤلفان كتابهما على عشرات القصص الواقعية التي تتراوح بين العجَب والطرافة، عن رجل يصبح جَداً لأربعة أطفال في أقل من أربع وعشرين ساعة، أو عن لاعب غولف يحقق عدداً غير معقول من الضربات المثالية، في حين تنحى المصادفة نحو أكثرها غرابة، كأحلام تتحقق بعد أيام، أو مكالمة من شخص خطر ببال صاحبه فجأة، وبينما يروي المؤلفان هذه القصص بأسلوب صحفي لطيف، فهما يستخدمانها كأدلة على الغموض المعني، وكذلك كمواد محفزة للتفكير.

ينتقل الحديث ليتناول (العقل المرتبط بالأنماط). فالفكرة المركزية التي يلمّح لها الكتاب هي أن الإنسان كائن مهووس بالأنماط، وأن العقل البشري تطور ليكتشف العلاقات بين الأشياء بسرعة، وهو أمر ضروري لبقائه. بيد أن هذه القدرة لها جانب آخر، حيث غالباً ما يرى البشر أنماطاً حتى عندما لا تكون موجودة، فعندما يتكرر رقم ما أو يحدث حدثان متقاربان في الزمن، يميل العقل فوراً إلى ربطهما في قصة ما، في حين يعرض علم الإحصاء رأيا مختلفا. ففي عالم يضم مليارات البشر وتريليونات الأحداث اليومية، فإن وقوع أحداث تبدو مستحيلة ليس أمراً مستبعداً على الإطلاق، بل إن بعض المصادفات العجيبة حتمية إحصائياً. بعبارة أخرى: المصادفات التي يعتبرها البشر مدهشة ليست دليلاً على أن العالم غامض، بقدر ما هو دليل ربما على مدى اتساعه فقط.

ماذا عن (يونغ والاحتمالات)؟ لا يكتفي الكتاب بالتفسير الإحصائي، بل يفتح الباب أمام تفسير آخر طرحه عالم النفس كارل يونغ. فلقد تحدث د. يونغ عن مفهوم سماه التزامن، أي حدوث وقائع مرتبطة بالمعنى دون علاقة سببية واضحة بينها، ووفق هذا التصور، قد تكون بعض المصادفات انعكاساً لارتباطات خفية بين النفس والعالم، إلا أن المؤلفين يتعاملان مع هذه الفكرة بحذر، حيث يعتبرانها بمثابة احتمالاً فلسفياً وحسب، لا حقيقة علمية. وقد يكون هذا التوازن بين الدهشة والشك هو ما يمنح الكتاب طابعه المميز.

ومع هذا، يعترف المؤلفان صراحة بأن قصص المصادفات كثيراً ما تتعرض للمبالغة أو التشويه، حيث الإنسان الذي يميل بطبعه نحو ما يدهشه من القصص، غالباً ما يضيف إليها تفاصيل صغيرة تجعلها أكثر إثارة. لهذا يصبح من الصعب أحياناً التمييز بين المصادفة الحقيقية والحكاية التي تضخمت مع الزمن. إن هذا الاعتراف يمنح الكتاب قدراً من الموضوعية الذي يفتقدها كثير من الكتب التي تتناول الظواهر الغريبة.

وأخيراً، مع (المصادفة الكونية) التي جعلت خاتمة الكتاب أكثر غرابة مما ورد فيه، فبعد مئات الصفحات من المصادفات الصغيرة، ينتقل المؤلفان فجأة إلى فكرة أكبر بكثير تتعلق بالمصادفة التي جعلت الكون نفسه ممكناً متمثلة في القوانين الفيزيائية الأساسية، مثل سرعة الضوء وقوة الجاذبية، التي تبدو مضبوطة بدقة مذهلة، بحيث لو تغيرت قيمها قليلاً فقط لما تشكّلت النجوم، ولا الذرات المعقدة، ولا الحياة نفسها.

ربما تكون المصادفات مجرد لعبة احتمالات، وربما تكون أكثر من ذلك، غير أن الدهشة المرتبطة بها تكشف عن طبيعة الإنسان الذي يتعدى في بحثه عن تفسير ما حدث، إلى معنى واضح يربط كل الأحداث ببعضها، ولهذا تبقى المصادفة- مهما حاول العلم تفسيرها- واحدة من أكثر الظواهر قدرة على إثارة الفضول في حياة الإنسان.

ختاماً أقول: قد يكمن سحر المصادفات في قدرتها على تفعيل قدرات الإنسان الكامنة نحو فك شفراتها، غير مكتفٍ بالحيرة أمام غموضها الظاهر. فبين رقم يتكرر، ولقاء يحدث في اللحظة غير المتوقعة، وعابر يترك إحساساً عميقاً حول لقاء سابق تم، متى وأين. يتوقف هذا الإنسان كالذي يلمح ذلك الخيط الرفيع خلف فوضى الأحداث، متسائلاً: هل ذلك وهم صنعه العقل؟ أم نظام خفي لا يمكن رؤيته بعد؟ لا أحد يعلم يقيناً، غير أن ما هو معلوم بالضرورة أن المصادفة في لحظة حدوثها، تجعل العالم يبدو- ولو لثوانٍ- أكثر غموضاً وجمالاً ورحابة.

مساحة إعلانية