رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أحيانًا نرى مشهدًا بسيطًا، لكنه يبقى معنا طويلًا، ويجعلنا نراجع أفكارًا اعتدنا ترديدها دون تفكير. شاهدت امرأة تؤدي أعمال منزلها؛ تغسل، وتنظف، وترتب، وتطبخ، وتتنقل بين تفاصيل يومها بمهارة واضحة. كانت بلا ذراعين، وكانت طريقتها في إنجاز مهامها تفتح أمامي أسئلة كثيرة عن التحدي، وعن المساحة التي نمنحها لأنفسنا لنحاول.
توقفت أمام المشهد باحترام. فكرت في الوقت الذي احتاجته لتتعلم، وفي المحاولات التي لم تنجح، وفي الأدوات التي ربما عدّلتها لتناسب احتياجاتها، وفي لحظات التعب التي لا تظهر أمام الكاميرا. نحن نشاهد دقائق من حياة الآخرين، لكن خلف هذه الدقائق رحلة كاملة، لا نعرف مقدار ما بذلوه فيها من جهد وصبر وتدريب.
وهذا ما أحب أن نتذكره حين نتحدث عن التحدي: أن النجاح الذي نراه له تفاصيل خفية. هناك بداية مرتبكة، وخطوة مترددة، وتجربة تحتاج إلى إعادة، وربما دمعة تمسحها صاحبتها قبل أن تكمل. ومن حق الإنسان أن يتعب، وأن يضيق، وأن يطلب المساعدة، دون أن ينقص ذلك من قيمته أو قدرته.
أحيانًا نقسو على أنفسنا لأننا نقارن بداياتنا بنتائج الآخرين. نرى شخصًا أتقن مهارة، فننسى سنوات تعلّمه، ونحاكم أنفسنا من أول محاولة. نقول: لا أستطيع، بينما قد تكون العبارة الأدق: لم أتعلم بعد، أو أحتاج إلى وقت، أو إلى طريقة مختلفة، أو إلى شخص يساندني حتى أجد الأسلوب المناسب لإنجاز هذه المهمة.
في حياتنا جميعًا تحديات، وإن اختلفت أشكالها وأحجامها. هناك من يحاول النهوض بعد فقد، ومن يبدأ عملًا بعد تعثر، ومن يعتني بابن يحتاج إلى دعم مستمر، ومن يقاوم خوفًا لا يعرفه أحد. وكل واحد يحمل حكاية تستحق أن تُسمع، دون مقارنة تقلل من وجعه أو مطالبة دائمة بإظهار القوة للآخرين.
وأنا، حين أتأمل مثل هذا المشهد، لا أريد أن أجعله وسيلة لعتاب إنسان متعب، فأقول له: انظر إليها، فما عذرك؟ لكل شخص ظروفه، وطاقته، وما يتاح له من دعم. ما أتمناه أن نرى فيه فرصة لتوسيع نظرتنا إلى القدرات، وأن نسأل أنفسنا: كيف نهيئ بيئة تسمح لكل إنسان بأن يجرب ويتعلم ويختار طريقه؟
فالإرادة تحتاج إلى فرصة عادلة. يحتاج الإنسان إلى أدوات مناسبة، وإلى تعليم يحترم اختلافه، وإلى أسرة تشجعه دون أن تسلبه حق التجربة خوفًا عليه. ويحتاج كذلك إلى مجتمع يفتح الأبواب، ويزيل العوائق، ويقدّر إنجازه، ويصغي إلى ما يطلبه فعلًا، بدلًا من أن يقرر عنه ما يستطيع فعله وما لا يستطيع.
ومن أجمل صور التحدي أن يتصالح الإنسان مع طريقته الخاصة. ليس مطلوبًا أن نؤدي جميعًا الأشياء بالطريقة نفسها، أو بالسرعة نفسها. قد أصل عبر مسار أطول، وقد أستعين بأداة، وقد أحتاج إلى مساعدة في جانب وأستقل في جانب آخر. هذه تفاصيل طبيعية في الحياة، ولا تختصر هويتي أو تحدد مكانتي.
تلك المرأة ذكّرتني بأهمية أن نترك للناس مساحة ليعرّفونا بأنفسهم؛ فنرى مهاراتهم، واهتماماتهم، وأفكارهم، ونمنحهم التقدير الذي يستحقونه دون مبالغة تحمّلهم عبء البطولة كل يوم. فمن حقها، مثل أي امرأة، أن تنجز اليوم، وأن تستريح غدًا، وأن تستعين بغيرها، وأن تكون حياتها أوسع من مشهد أثار إعجابنا على شاشة.
وفي فضفضتي اليوم، أقول لنفسي ولكل من يقرأ: امنح محاولتك وقتها، وابحث عمّا يساعدك، واطلب الدعم حين تحتاجه. احتفل بالخطوة الصغيرة التي تعرف أنت مقدار صعوبتها، ولا تجعل التعثر حكمًا نهائيًا على مستقبلك. فالتحدي يبدأ أحيانًا بسؤال هادئ: ما الطريقة التي تناسبني؟ ومن هذا السؤال قد تنفتح أمامك أبواب جديدة.
وأخيرًا، أذكّركم وأذكّر نفسي بأننا أحيانًا نتذمر ونشتكي ونبكي على أمور صغيرة، وكأن الدنيا قد انهارت من حولنا. ثم نرى ما يواجهه الآخرون من تحديات، وكيف يواصلون حياتهم بصبر وإصرار، فنقف بتواضع أمام صمودهم، ونعيد النظر في أمور منحناها من القلق أكثر مما تستحق. يمكننا أن نحترم أوجاعنا، وأن نتعلم من تجارب غيرنا، وأن نتذكر نعمًا ألفنا وجودها حتى غفلنا عن شكرها.
فاللهم لك الحمد على ما نراه من نعمك، وعلى ما اعتدناه فلم نعد نراه.
حين تحمل الكلمة وطناً.. قراءة في خطاب سمو الأمير
هناك كلمات تنتهي بانتهاء مناسبتها، وكلمات تترك في داخلنا أسئلة ومواقف نعود إليها طويلًا. وأنا أتأمل كلمة حضرة... اقرأ المزيد
438
| 24 سبتمبر 2026
السفارات.. وطن يرافقنا
حين نزور سفارة وطننا في بلد شقيق، نحمل معنا شعورًا يتجاوز حدود المكان؛ نشعر أن جزءًا من الوطن... اقرأ المزيد
321
| 15 سبتمبر 2026
بين فرحة الجائزة وثقل المسؤولية
هناك لحظات نفرح فيها من القلب… لكن الغريب أن بعض لحظات الفرح تحمل معها مسؤولية أكبر من الفرح... اقرأ المزيد
402
| 11 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2586
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2346
| 15 أكتوبر 2026
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
1689
| 20 أكتوبر 2026