رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منى الجهني

Munaaljehani1@gmail.com 

مساحة إعلانية

مقالات

327

منى الجهني

لماذا نعشق مدناً لم نزرها من قبل؟

04 أغسطس 2026 , 11:01م

يقال إن المسافات رسَّامة ماهرة، تخفي العيوب وتخفف من قسوة التفاصيل، فتجعل البعيد أكثر جمالا واكتمالا عما هو عليه في الحقيقة. ومن هنا تبدو لنا كثير من البلاد التي لم نزرها ساحرة الجمال هادئة.

ثمة مدن تدخل قلوبنا قبل أن تعرف أسماءنا، ونشعر بالألفة تجاهها قبل أن تطأ أقدامنا طرقاتها. نشتاق إليها وكأننا تركنا جزءا من الذاكرة فيها، في ساحاتها وشوارعها ومقاهيها. فبمجرد أن نسمع اسمها يتحرك القلب شوقا لا تجد له تفسيرا، فكيف يتعلق القلب بمدينة بعيدة لم يزرها من قبل؟ الغريب كيف أصبحنا أسرى لهذه المدن التي لم نلتق بأهلها من قبل ولا لصباحاتها المشرقة ولياليها المؤنسة. لم يزر الإنسان هذه المدينة فعلا، ولكنه قرأ رواية تصفها، أو شاهد فيلما سينمائيا أو قد شاهد مقاطع عنها في شبكات التواصل الاجتماعي. نحن لا نقع في غرام هذه المدينة كما هي، ولكننا نقع في غرام الصور التي صنعتها المخيلة؛ وما تمثله له من حكايات في الذاكرة فهي قد تكون وطنا لملتقى الشرق والغرب، أو مدينة الذكريات والحكايات التي لا تنتهي.

مشاهد منتقاة من شارع مُضاء في المساء ومكتبة قديمة تطل على غابة خضراء واسعة، أو مقهى قد اعتاد أحد الأدباء أو الفنانين الجلوس فيه.

لذلك عندما نزور تلك المدينة لأول مرة نختبر تلك الصور التي عاشت في أعماقنا طويلا ولنعرف مدى تطابق الحقيقة مع الخيال.

ومن زاوية إنسانية قد نقع في غرام مدن بعيدة قد شهدت أحداثا تاريخية غيَّرت مجرى التاريخ، أو مدينة كانت مسرحا لقصة إنسانية ما زالت تحتفظ بأصداء أحداثها عبر هذا الزمن، حفظت أفراحا وانتصارات وأحزانا وانكسارات، وليست مباني جامدة فحسب.

إن من أعجب المشاعر الإنسانية الحنين لمشاعر لم نعشها من قبل، حنين من الخيال ليصبح ذكرى حقيقية. ويكون هذا الحب بابا للسفر والتعلُّم والإبداع.

ولكن في جوهر الأمر لم تتح الفرصة لهذه المدن الجديدة أن تصيبنا بالخيبة من واقعها بعيدا عن تناقضات توقعاتنا.

إلى جانب ذلك يميل الإنسان إلى إضافة الجمال إلى ما لا يعرفه فلا يرى وهكذا تظل المدينة محتفظة بجمالها.

ومن منظور أوسع هذه المدن البعيدة ليست أماكن على الخريطة فقط، بل هي مرآة تعكس ما في داخل الإنسان نفسه فنحن لا نختار المدن، بل هي تختارنا طموحاتنا أحلامنا ذكرياتنا النسخة التي نريد منا قبل أن نرى شوارعها.

هذا الحب لا يقف عند هذا الحد، إنما يحمل معه أشياء كثيرة فهو يدفع الإنسان لتعلم لغة هذه المدينة الجميلة ليقرأها ويتذوق تفاصيلها ليكتشفها من جديد.

ولعل أجمل ما قيل في المدن التي تسكن القلب قبل أن تسكنها الأقدام تلك المدن التي سكنت القلب قبل أن نسكنها وألفتها الروح قبل أن تراها.

في المقابل ربما السؤال الحقيقي لماذا نعشق مدناً لم نزرها من قبل؟

ربما الإجابة تكشف لنا أنه ليست المسألة البحث عن مدن جديدة بقدر ما هو البحث عن دهشة الأوقات، أو بداية جديدة، أو حياة أكثر اتساعا، أو هدوء قد تاه في زحمة الأيام، أو ربما نجد ما فقدناه من ذواتنا.

في النهاية إن أجمل الرحلات ليست للمدن البعيدة إنما تلك التي تعيدنا لأنفسنا أكثر وعيا ونضجا، التي تمنح نسخة أفضل منك دون أن تفقد حب هويتك..

نحب المدن كما صورتها الروايات والأغاني والأفلام هي بشوارعها المبللة كما في أذهاننا بالمطر.. كل هذا وبيني وبينكم.

اقرأ المزيد

الطريق أم الوجهة؟ الطريق أم الوجهة؟

ثمة طرق لا تقاس بطولها، بل بحجم الحضارات التي مرت خلالها، والتجارة التي عبرتها، والثقافات التي تركت أثرا... اقرأ المزيد

174

| 18 أغسطس 2026

فصول السنة التي تسكننا فصول السنة التي تسكننا

يقال إن فصول السنة لا تغير الطقس فحسب إنما تؤثر على مزاج الانسان وإيقاع الحياة لديه، إضافة لذلك... اقرأ المزيد

279

| 11 أغسطس 2026

عن الكتب التي لا تشيخ عن الكتب التي لا تشيخ

بعض الكتب تبقى على قيد الحياة طويلا لا تمل من قراءتها، تبقى في ذاكرتنا وذاكرة القلب لأنها لامست... اقرأ المزيد

1476

| 28 يوليو 2026

مساحة إعلانية