رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جاسم الشمري

مساحة إعلانية

مقالات

804

جاسم الشمري

الهروب من الجحيم!

06 ديسمبر 2025 , 05:54ص

الهِجْرة والانتقال من أرض إلى أرض، ومن دولة إلى دولة، وحتى من دار إلى دار، وربما في ذات المدينة، واحدة من القرارات الصعبة والمعقدة في حياة الإنسان!

والهِجْرة قد تكون لأسباب إنسانية واقتصادية واجتماعية وغيرها، وأخطرها الهِجْرات السياسية، ولقد طالعتنا كتب التاريخ بالعديد من الهِجْرات «السياسية التخريبية»، ومنها الهِجْرات اليهودية إلى فلسطين!

وتذكر موسوعة المصطلحات بالمركز «الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، (مدار)» خمس هِجْرات يهودية ضخمة لفلسطين.

وكانت الهِجْرة الأولى بين عامي (1882 - 1903)، ونظمتها جمعيات (محبي صهيون) وحركة (بيلو)، وأبرز دوافعها «خيبة أمل المثقفين اليهود جَرّاء المضايقات بأوروبا».

وحصلت الهِجْرة اليهودية الثانية بين عامي (1904 - 1914)، حيث هاجر إلى فلسطين 35 ألف مهاجر، وأبرز دوافعها قرار المؤتمر الصهيوني السابع بالعام 1905 الذي أعلن الغاء مشروع الهِجْرة لأوغندا، وإطلاق بعض المنظرين والزعماء اليهود الصهاينة نداءات لتشجيع الهِجْرة لفلسطين بديلًا عنها.

وحدثت الهِجْرة الثالثة بين عامي (1919 - 1923)، وكان معظم المهاجرين من شرق أوروبا ووسطها، وأبرز أسبابها ازدياد الآمال اليهودية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين إثر إعلان وعد بلفور يوم 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، وكذلك استغلال فرصة انهيار الامبراطورية العثمانية بالحرب العالمية الأولى، والاحتلال البريطاني لفلسطين.

ونُظمت الهِجْرة اليهودية الرابعة بين عامي (1924 - 1928)، حيث هاجر إلى فلسطين أكثر من سبعين ألف يهودي من بولندا وروسيا ورومانيا والعراق واليمن بعد تَحسُّن الظروف الاقتصادية في فلسطين. 

وتمّت الهِجْرة اليهودية الخامسة بين عامي (1929 - 1939)، حيث وصل إلى فلسطين 280 ألف مهاجر، وغالبيتهم من يهود لاحقتهم النازية.

واستمرّت لاحقًا الهِجْرات اليهودية، الجماعية والفردية، إلى فلسطين بتشجيع من الجمعيات الصهيونية حول العالم!

ورغم ذلك، ووفقًا للإحصاءات التي نشرها مكتب «الإحصاء المركزي الإسرائيلي»، حدثت هِجْرات عكسية، وخرج 720 ألف مهاجر يهودي من فلسطين المحتلة بين عامي (1948 – 2015)!

وخلال الأيام الأولى لمعركة «طوفان الأقصى»، في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ازدادت وتيرة الهِجْرات العكسية خارج «إسرائيل» هربًا من الجحيم الداخلي وَرُعب العمليات العسكرية!

وذكر موقع «زمان إسرائيل» أنه، ووفقا لبيانات سلطة السكان والهِجْرة، فإن «نحو 370 ألف غادروا إسرائيل منذ اندلاع حرب السابع من أكتوبر 2023 وحتى نهاية ذات الشهر»!

وكشف تقرير للإحصاء «الإسرائيلي»، يوم 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، بأن عدد الذين غادروا «إسرائيل» لأمد طويل، بالمعدل السنوي بين عامي (2010 – 2022) كان حوالي 40 ألفا سنويا!

وقفز العدد، بعد «الطوفان»، بالعام 2023 إلى 60 ألفا، وخلال العام 2024 تجاوز 86 ألفا، وحسب التقديرات الأولية، فإن عددهم بالعام 2025 سيكون حوالي 80 ألفا!

وهكذا تَسْتَمر الهِجْرات اليهودية العكسية، وبوتيرة مُتسارعة وواضحة، ويمكن تحديد بعض دلالاتها، ومنها:

- ضعف التصاق هؤلاء اليهود بفلسطين لأنها ليست أرضهم أصلا!

- عدم استعدادهم للتضحية والذود عنها لأن ارتباطهم بها ارتباط مصالح آنية ومادية وليس ارتباط جذور ومبادئ، كما هو الحال بالنسبة للفلسطينيين.

- إيمان غالبية المهاجرين المُتجذِّر بأنهم لا يملكون الحق في الأرض، وأن الحقيقة الثابتة هي أن فلسطين أرض عربية أصيلة.

- الخوف والرعب وعدم وجود أمان حقيقي للمستوطنين في الأراضي المحتلة خصوصا وأن العمليات التي تستهدف المستوطنين تتمّ بغالبية المدن المحتلة والمستوطنات، وبالذات تلك المستوطنات الواقعة خارج نطاق الجدار الفاصل.

- الهِجْرات العكسية تأكيد واضح لفشل سياسات الإغراء الحكومية «الإسرائيلية» واليهودية العالمية في استقطاب اليهود حول العالم للاستقرار بالأراضي الفلسطينية المحتلة.

وغيرها من الدلالات السياسية والاقتصادية والدينية والفكرية والنفسية!

حرب العامين بغزة بَرْهَنت أن الحقائق ثابتة، وأن الحقوق لا تُهضم، وأن المحتل يَعرف جيدًا في قرارة نفسه، مَنْ المالك الحقيقي للأرض، وهذه الحقائق الموثّقة قادت، وستقود حتمًا، لهِجْرات عكسية صهيونية جديدة نحو أوروبا وغيرها!

الهِجْرات العكسية جزء من بشائر النصر الفلسطيني المرتقب، ودليل قاطع على أن الشعوب المتمسكة بحقوقها ستنتصر عاجلًا أو آجلًا!

مساحة إعلانية