رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

وجيدة القحطاني

• ناشطة اجتماعية

مساحة إعلانية

مقالات

180

وجيدة القحطاني

لجنة السلامة الرقمية.. درع وطني لحماية جيل المستقبل

07 يناير 2026 , 01:37ص

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الرقمية بوتيرة غير مسبوقة، وتتسلل التكنولوجيا إلى أدق تفاصيل حياتنا اليومية، تصبح حماية الأطفال والنشء من مخاطر الفضاء الإلكتروني واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا لا يقبل التأجيل. ومن هذا المنطلق، فإن مصادقة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، على قرار مجلس الوزراء رقم (38) لسنة 2025 بإنشاء لجنة السلامة الرقمية للأطفال والنشء، تمثل خطوة تاريخية جاءت في التوقيت الصحيح، وتعكس وعيًا عميقًا بحجم التحديات التي تواجه الأجيال الجديدة في العصر الرقمي.

هذه المصادقة ليست مجرد إجراء إداري أو تشريعي، بل رسالة واضحة بأن دولة قطر تضع أمن الطفل وسلامته في صدارة أولوياتها، حتى في الفضاءات غير المرئية التي لا تقل خطورة عن الواقع المادي. فالعالم الرقمي المفتوح، بما يحمله من فرص هائلة للتعلم والتواصل، يحمل في طياته أيضًا تهديدات خفية قد تفتك بعقول الأطفال وسلوكياتهم إذا تُركوا دون توجيه أو حماية.

تمثل لجنة السلامة الرقمية نقلة نوعية في مسار حماية النشء، لأنها تعترف بحقيقة أن الطفل اليوم يعيش في عالمين متوازيين: عالم واقعي، وآخر افتراضي. وهذا العالم الافتراضي لم يعد هامشيًا أو ثانويًا، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من تكوين شخصية الطفل، وتشكيل وعيه وقيمه وأنماط سلوكه. ومن هنا، فإن التعامل مع هذا الواقع الجديد يتطلب آليات مختلفة، أكثر ذكاءً ومرونة، تتجاوز منطق المنع والحظر إلى منطق الفهم والاحتواء والتوجيه.

لم تعد المشكلة محصورة في محتوى غير لائق أو مشاهد عنف أو ألفاظ خارجة، بل بات الخطر الحقيقي يكمن في التأثيرات التراكمية للتكنولوجيا على البناء النفسي والاجتماعي للأطفال. ضعف التركيز، العزلة الاجتماعية، تراجع الحوار الأسري، والانبهار بنماذج سلوكية دخيلة تُقدَّم على أنها طبيعية أو جذابة، كلها نتائج تتسلل بهدوء عبر الألعاب الإلكترونية وتطبيقات الفيديو القصيرة ومنصات التواصل الاجتماعي.

الأخطر من ذلك، أن الأطفال يتعاملون عبر الإنترنت مع أشخاص لا يعرفون حقيقتهم، ولا يدركون نواياهم. فقد يكون من يشارك الطفل لعبة إلكترونية شخصًا منحرفًا أو مريضًا نفسيًا، يستغل براءة الطفل وفضوله، ويدفعه تدريجيًا إلى سلوكيات لا أخلاقية أو منافية لقيم المجتمع والدين. هذه المخاطر لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تترك آثارًا عميقة قد لا تظهر إلا بعد فوات الأوان.

من هنا، أعتقد أن نجاح لجنة السلامة الرقمية مرهون بعملها ضمن إستراتيجية وطنية متكاملة، لا تركز فقط على الرقابة التقنية، بل تولي اهتمامًا كبيرًا بالتوعية والتثقيف. فالحماية الحقيقية لا تتحقق عبر الأسوار الإلكترونية وحدها، بل عبر بناء وعي رقمي لدى الطفل، وتمكينه من التمييز بين الآمن والخطر، وبين الحقيقة والتضليل.

وأرى أيضا أن دور المؤسسات التعليمية لا يمكن فصله عن هذا المسار. فإدراج مفاهيم التربية الرقمية في المناهج الدراسية أصبح ضرورة ملحة، لا ترفًا فكريًا. الطفل يحتاج إلى أن يتعلم كيف يفكر نقديًا، وكيف يتعامل مع سيل المعلومات الذي ينهال عليه يوميًا، وكيف يحمي خصوصيته، ويحترم ذاته والآخرين في الفضاء الرقمي.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية تدريب المعلمين وأولياء الأمور على حد سواء. فكثير من الآباء والأمهات يجهلون طبيعة التطبيقات والمنصات التي يستخدمها أبناؤهم، ما يجعل الرقابة شكلية أو غائبة. إن تمكين الأسرة بالمعرفة الرقمية هو خط الدفاع الأول لحماية الطفل، وهو ما يجب أن تضعه اللجنة ضمن أولوياتها.

ولا يمكن إغفال الدور الحيوي للمؤسسات الإعلامية والمجتمعية، التي يقع على عاتقها نشر ثقافة الاستخدام الآمن للتكنولوجيا، وتقديم نماذج إيجابية للمحتوى الرقمي، تتوافق مع القيم القطرية الأصيلة، وتحاكي احتياجات الطفل النفسية والمعرفية، حتى لا يضطر للبحث عن بدائل مشوهة في عوالم افتراضية قد تحمل سلوكيات ضارة.

إن دولة قطر، كما أراها، كانت سبّاقة دائمًا في الاهتمام بالطفل والأسرة، انطلاقًا من مبادئ الشريعة الإسلامية والقيم الأخلاقية والوطنية الراسخة. وقد تجلى ذلك في الدستور القطري، وفي قوانين الأسرة والعقوبات، التي أفردت مواد واضحة لحماية الطفل من أي ضرر، بما في ذلك الأضرار الناتجة عن الاستخدام السلبي للتقنية، مع تشديد العقوبات على من ينتهك حقوقه.

كما أن رؤية قطر الوطنية 2030 وضعت الطفل في قلب مشروع التنمية، من خلال التركيز على التعليم، وتنمية القدرات، والرعاية الصحية الشاملة، والالتزام بالاتفاقيات الدولية المعنية بحماية الطفل، خاصة في ظل التحديات التي تفرضها التقنيات الحديثة.

من هذا المنطلق، أرى أن إنشاء لجنة السلامة الرقمية ليس خطوة معزولة، بل حلقة في سلسلة متكاملة من السياسات التي تهدف إلى بناء إنسان قطري واعٍ، متوازن، وقادر على التفاعل مع العصر دون أن يفقد هويته أو قيمه. إنها دعوة صريحة لتكاتف الجهود بين الأسرة، والمدرسة، والدولة، والمجتمع، من أجل تحصين جيل كامل من مخاطر الاستهلاك الرقمي العشوائي.

وفي الختام، أؤمن بأن حماية الطفل في العصر الرقمي ليست خيارًا، بل ضرورة وجودية. ومصادقة سمو أمير البلاد المفدى على إنشاء لجنة السلامة الرقمية جاءت في لحظة فارقة، تؤكد أن قطر لا تنتظر وقوع الخطر لتتحرك، بل تستبق التحديات برؤية استشرافية مسؤولة. إنها خطوة تبعث على الطمأنينة، وتفتح الأمل في مستقبل رقمي أكثر أمانًا، يُنشَّأ فيه أبناؤنا على الوعي، والقيم، والمعرفة، لا على الفوضى والتيه في فضاءات بلا ضوابط.

اقرأ المزيد

alsharq هل صمد الكِتاب أمام صخب التحول الرقمي؟

على مر العصور، احتفظ الكتاب بوقاره وقدسيته، فهو أنيس الروح، ومنهل المعرفة، وأداة البناء النفسي والعقلي، والمهرب الإيجابي... اقرأ المزيد

201

| 01 فبراير 2026

alsharq هل تنجح الوساطات بمنع الحرب على إيران؟!

مع تصاعد الحشود العسكرية من مقاتلات وحاملة طائرات واسطول حربي ضخم تحشده الولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي... اقرأ المزيد

195

| 01 فبراير 2026

alsharq الذكاء الصناعي.. وسوء استخدامه

لا ننكر ما أحدثته التكنولوجيا الرقمية عبر الوسائل الالكترونية التواصلية وتطبيقاتها المختلفة التي تستحدث باستمرار، من تغيير في... اقرأ المزيد

114

| 01 فبراير 2026

مساحة إعلانية