رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

1143

د. أحمد المحمدي

أفرغت يا أبا الوليد

08 سبتمبر 2024 , 02:00ص

ذهب عتبة بن ربيعة - وهو سيد من سادات قريش الكبار- إلى منتدى قريش قائلا: ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ - وذلك حين أسلم حمزة - رضي الله عنه –

فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه.

فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا بن أخي. إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة والمكان في النسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، وسفهت أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم. فاسمعمني أعرض عليك أمورا تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها.

قال: فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « قل يا أبا الوليد أسمع «.

قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا; وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك; وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا; وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء، وبذلنا فيها أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه.. أو كما قال.. حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستمع منه قال: « أفرغت يا أبا الوليد؟ « قال: نعم. قال: « فاستمع مني «. ثم قرأ أول سورة فصلت.

وهنا نريد أن نقف وقفة قصيرة أمام صورة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأدب النفس الكبيرة وطمأنينة القلب المؤمن. وهو يستمع من عتبة إلى هذه الخواطر التائهة التي يعرضها عليه، ولا يثنيه عن الاستماع إليه هوان ما يقول ولا سذاجة معانيها، بل يتلقى الكلام وهو حليم الفؤاد، كريم النفس، لا يعجل على عتبة حتى استكمل حديثه ثم في هدوء قال له: « أفرغت يا أبا الوليد؟ كناه بأحب الأسماء إليه على اختلاف المنهجين جدا، وانتظره حتى أفرغ ما عنده مع قبح الحديث، ثم استنطقه بالتلميح حين قال: أفرغت؟ حتى يطمئن إلى أنه قد أنهى كل ما في جعبته

وحين قال عتبة: نعم.

قال له - صلى الله عليه وسلم - « فاستمع مني « ولا يفاجئه بالقول حتى يقول: أفعل. وعندئذ يتلو - صلى الله عليه وسلم - في ثقة وفي طمأنينة وفي امتلاء روح قول ربه.

كم نحتاج في مجالسنا وأحاديثنا بل ومنتدياتنا العلمية وحواراتنا الفكرية إلى مثل هذا الأدب النبوي، الذي سيقضى عند صفاء النفس وإرادة الحق على الخلاف أو على الأقل على العصبية عند الاختلاف.

مساحة إعلانية