رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شهد نتنياهو وزمرته المتطرفة أسوأ أسبوع. تشي تطوراته لاحتمال بدء تطورات قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر القادم، وقبل بدء رئاسة الرئيس ترامب في حال فوزه، أو نائبة الرئيس بايدن كامالا هاريس في حالة فوزها-ببدء التحرك لإعادة تقييم موقف إدارة بايدن حول الرد على تعنت استمرار إفشال نتنياهو لمقترحات وقف إطلاق النار، وتعمد تحدي وإحراج الرئيس بايدن والوسطاء أمام الرأي العام الأمريكي والدولي. وكذلك خسارة الصوت العربي والمسلم بعد التصويت لكامالا هاريس في انتخابات الرئاسة-خاصة في الولايات المتأرجحة تتقدمهم ولاية مشيغين الحاسمة للفوز. لوجود توجد أكبر كتلة ناخبة من العرب والمسلمين الأمريكيين-حيث رفض الآلاف التصويت لبايدن في الانتخابات التمهيدية في الربيع الماضي. ومع الانحياز الأمريكي كما تثبت استطلاعات رأي أمريكية في 6 دول عربية بانهيار شعبية الولايات المتحدة الأمريكية لأدنى مستوى لها منذ عقود منذ شن إسرائيل حرب الإبادة على غزة ولتوفير الدعم والإسناد والسلاح والفيتو الأمريكي.
تطور موقف بايدن وإدارته من وقف شحنات قنابل ثقيلة رفضا لاجتياح رفح-إلى تعليق بايدن «كفى-كفى»-والتمليح بتخلي نتنياهو عن وزيريه الأكثر تطرفاً وزير الأمن الداخلي ايتمار بن غفير ووزير المالية سموترتش-الحاكم الفعلي للضفة الغربية وإطلاق يد عصابات وقطعان المستوطنين المتطرفين الذين يصادرون أراضي ومنازل ويحرقون مزارع الفلسطينيين ويرهبونهم في مدن الضفة الغربية-ووصل الأمر إلى قتلهم!!
ناهيك عن مصادرة أراضي الضفة الغربية وتهويد القدس والاعتداءات الروتينية المتكررة واستباحة ساحات المسجد الأقصى وتلويح بن غفير ببناء هيكل في المسجد الأقصى!! وذلك كله بإيعاز وتواطؤ وغطاء من نتنياهو ودون تنديد أو فرض عقوبات من الولايات المتحدة وأوروبا-بل يفرضون على استحياء عقوبات على بعض قادة المستوطنين!! لذر الرماد في العيون!! ما يشجع المتطرفين على تطرفهم وإمعانهم بالاعتداءات السافرة بلا عقاب! ما يهدد بتفجير الأوضاع.
وسكب نتنياهو الزيت على النار بعملية واسعة في مدن ومخيمات شمال الضفة الغربية شملت قتل وتدمير وتجريف البنى التحتية في عقاب جماعي وحشي أدى لمقتل العشرات وجرح واعتقال المئات!! ووصل الأمر إلى قتل قوات الاحتلال ناشطة أمريكية من أصل تركي يوم الجمعة الماضي-تتضامن مع الفلسطينيين ضد اعتداءات جيش الاحتلال والمستوطنين في بيتا جنوب نابس كبرى مدن الضفة الغربية. ماذا عسى بايدن ووزير خارجيته ودفاعه عمله؟ وسيبرر نتنياهو أن ذلك تم بالخطأ ويذهب دمها هدراً كما ذهب دم راشيل كوري الناشطة الأمريكية بتصديها لجرافة حاولت منع هدم منزل فلسطيني في رفح جنوب قطاع غزة عام 2003 وبرأت محكمة إسرائيلية القاتل! وكذلك ذهب دم مراسلة قناة الجزيرة شيرين أبو عاقلة هدرا على يد قناص مجرم في مخيم جنين قبل عامين ونصف!!
وفوق ذلك في تزلف وانحياز كلي من الكونغرس تطوع السيناتور لندسي غراهام تابع ترامب بتهديد يحيى السنوار-زعيم حماس بالقتل في حال فوز ترامب بالرئاسة!! كما قتل قاسم سليماني في مطار بغداد في يناير 2020! لا فرق بين غراهام ونتنياهو!!
كما تحول وزير الخارجية بلنيكن لناطق رسمي باسم نتنياهو مدعياً في زيارته الأخيرة موافقة نتنياهو المقترح الأمريكي. برغم رفضه ونسفه للمقترح بإصراره على بقاء قواته على معبر فيلادلفيا مع مصر- وفي محور نتساريم.
والمحبط والمعيب هو تبنى بايدن وحكومته سردية نتنياهو ومتطرفي حكومته باتهام حماس بقتل الرهائن الستة. فيما تؤكد حماس أن قصف جيش الاحتلال المسؤول عن قتلهم!! كما قتل قبلهم وسيقتل أسرى. وهذا ما أشارت إليه شرائط الفيديو للمحتجزين بثتها حماس في حرب نفسية تم تسجيلها قبل قتلهم تنتقد مراوغة وتخلي نتنياهو عنهم.
أحدثت فيديوهات الأسرى صدمة وخرجت أكبر مظاهرات غاضبة منذ حرب الإبادة. وتصاعدت المطالبات بإقالة حكومة نتنياهو المحرج والقلق مع عتاة اليمين المتطرف-لرفضهم وقف الحرب والنكوص عما وافقوا عليه. اضطر نتنياهو لعقد مؤتمرين صحفيين منفرداً- باللغتين العبرية والإنجليزية حطم فيهما مستوى الكذب والتدليس وتحدى وهاجم بايدن والمعارضة واشتبك مع أهالي الأسرى!! مشيراً مع وزرائه البقاء في محور فيلادلفيا أهم من الأسرى! ونفى نتنياهو موافقته على 90% من اتفاق وقف إطلاق النار- في تكذيب للناطق الرسمي باسم مجلس الأمن الوطني الأمريكي- وكذلك وزير الخارجية انطوني بلنيكن- اللذين دحضا في خلاف علني نادر ادعاءات نتنياهو!
فيما تتمسك حماس بما تم التوصل إليه بوقف حرب الإبادة-وانسحاب جيش الاحتلال من كامل قطاع غزة وصفقة تبادل الرهائن والمحتجزين وعودة السكان لمناطقهم في شمال غزة.
ثبت أن نتنياهو يتعمد إفشال جميع المقترحات والوساطات وتحدي وإحراج بايدن وحكومته علنا، وإطالة أمد المفاوضات العبثية، وتعيين حاكم عسكري لإدارة قطاع غزة، وتسريب سيناريوهات لاحتلال القطاع وإعادة الاستيطان. وبعد التدمير الممنهج للبنى التحتية والخدمات-ومدن ومباني ومنازل ومدارس ومستشفيات ومراكز إيواء تابعة للأونروا-ما يُصعّب الحياة ويجعل البقاء في القطاع مستحيلاً. وبالتالي يتحقق مخطط الترحيل الطوعي لإفراغ قطاع غزة كليا وبناء مستوطنات وإحلال المستوطنين اليهود مكان 2.3 مليون فلسطيني. وكل ذلك لشراء الوقت لموعد انتخابات الرئاسة الأمريكية في 5 نوفمبر القادم. على أمل فوز ترامب-الذي سيمنحه الضوء الأخضر لاستمرار حرب إبادته-وبقائه في الحكم!
برغم دعم بايدن اللا محدود، ومفاخرته بصهيونيته-إلا أن بايدن وإدارته بدأوا يظهرون انزعاجهم من تعنت وتعطيل نتنياهو جميع مقترحات الوسطاء. وصل الأمر ببايدن لاتهام نتنياهو علنا-»بعدم القيام بما هو مطلوب منه للتوصل لاتفاق الإفراج عن الأسرى». في انتقاد مباشر يحمّله فشل التوصل لاتفاق. وكجزء من حملة الضغط-سرُبت أنباء عن تفكير بايدن بعقد اتفاق ثنائي مع حماس للإفراج عن أربعة أسرى أمريكيين عبر الوسطاء!
فهل يصحح بايدن بوصلته وينتفض لإرثه، ولهزيمة ترامب-أم سيُخلّد بالتاريخ بأنه شريك حرب الإبادة، بإرثه الملطّخ؟!
مستقبل المظلة الأمريكية والأمن الخليجي بعد حرب إيران
تساءلت في عدة دراسات أكاديمية ومقالات تحليلية ومقابلات تلفزيونية في السنوات الماضية عن مستقبل الدور الأمريكي في تأمين... اقرأ المزيد
294
| 13 سبتمبر 2026
حدود القوة.. كيف تستنزف حروب الحسابات الخاطئة القوى الكبرى؟
دخلت الحرب الأمريكية على إيران شهرها السابع من دون انتصار حاسم، ومن دون تسوية سياسية تقبل طهران بموجبها... اقرأ المزيد
414
| 06 سبتمبر 2026
هل ينجح الوسطاء.. قطر وعُمان وباكستان بمنع عودة الحرب ؟
بانقضاء ستة أشهر على حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران- نشهد مراوحة اللاحرب - واللاسلم - المنهكة والمكلفة،... اقرأ المزيد
195
| 29 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4617
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1278
| 28 سبتمبر 2026