رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محمد رامس الرواس

 كاتب عماني

مساحة إعلانية

مقالات

309

محمد رامس الرواس

قطر وعُمان.. دبلوماسية السلام في زمن الأزمات

09 أغسطس 2026 , 11:05م

في مرحلة عصيبة من تاريخ منطقتنا العربية والإسلامية عامة تتشابك فيه المصالح مع الحسابات الإقليمية، تبرز الحاجة إلى قيادات تؤمن بأن قوة السياسة لا تُقاس فقط بما تملكه من أدوات الضغط، وإنما بقدرتها على فتح أبواب الحوار حين تُغلق الأبواب، وصناعة مساحات للتفاهم حين تضيق الخيارات أمام الأطراف المتنازعة.

ومن هنا يمكن قراءة التقارب والتشاور المستمر بين سلطنة عُمان ودولة قطر، باعتباره أبعد من إطار العلاقات الثنائية التقليدية؛ فهو يعكس رؤية مشتركة تقوم على تغليب الحوار والوسائل السلمية، والعمل على احتواء الأزمات قبل أن تتحول إلى مواجهات يصعب التحكم في نتائجها.

وقد رسخت مسقط والدوحة، كلٌ بطريقتها وأدواتها الدبلوماسية حضوراً لافتاً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق بسياسة الصدام، وإنما بالتفاهم وبناء الثقة وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة حتى في أكثر اللحظات توتراً.

البلدان يلتقيان، في مسار السلام حيث يتمتعان برصيد دبلوماسي متراكم، خلال العقود الماضية، في التعامل مع الأزمات خصوصاً في الملفات المرتبطة بإيران والولايات المتحدة وأمن الخليج، وقد شكلت مسقط على مدى سنوات محطة مهمة للاتصالات والمفاوضات بين أطراف فرقتها الخلافات وجمعتها الحاجة إلى الحوار.

وفي المقابل رسخت دولة قطر تجربة واسعة في الوساطات الإقليمية والدولية، وأصبحت الدوحة حاضرة في عدد من الملفات المعقدة، مستفيدة من شبكة علاقاتها وقدرتها على التواصل مع أطراف متباينة.

ولذلك فإن التنسيق العُماني القطري يكتسب أهمية مضاعفة في المرحلة الراهنة؛ فالدوران العماني والقطري لا يتنافسان بقدر ما يمكن أن يتكاملا، خاصة عندما تكون المنطقة أمام أزمات تحتاج إلى أكثر من قناة اتصال، وأكثر من وسيط قادر على تقريب المسافات وإعادة بناء الثقة.

واليوم يأتي مضيق هرمز في مقدمة الملفات التي تفرض نفسها على أي نقاش حول مستقبل الأمن الإقليمي، فهذا الممر ليس مجرد مساحة جغرافية ضيقة بين ضفتين، بل شريان استراتيجي يرتبط بأمن الطاقة والتجارة والاقتصاد العالمي.

ومن هنا، فإن أي تصعيد حول المضيق لن تبقى آثاره محصورة في دول الخليج، وإنما ستمتد إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والاقتصاد الدولي.

وهنا تبرز أهمية الدور العُماني بصورة خاصة؛ فالجغرافيا منحت سلطنة عُمان موقعاً استراتيجياً، لكن الظروف السياسية الراهنة حولت هذا الموقع إلى مسؤولية كبرى، وعبر عقود طويلة حافظت مسقط على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، الأمر الذي منحها مساحة للحركة والقدرة على التحدث مع أطراف قد يصعب جمعها مباشرة حول طاولة واحدة.

إن المطلوب اليوم ليس إدارة التوتر في مضيق هرمز فحسب، وإنما منع تحوله إلى أزمة مفتوحة، والعمل على إيجاد تفاهمات تحفظ حرية الملاحة والمصالح المشروعة لدول المنطقة، وتمنع أن يصبح هذا الممر الحيوي ساحة للصراع الدولي.

ولعل التحدي الأكبر في أزمات المنطقة اليوم لا يكمن دائماً في غياب الحلول، وإنما في غياب الثقة بين الأطراف، فالوثائق يمكن صياغتها، ومذكرات التفاهم يمكن إعدادها، والاجتماعات يمكن تنظيمها، لكن الاتفاقات الكبرى تحتاج أولاً إلى قدر من الثقة يسمح لكل طرف بأن يطمئن إلى أن الطرف الآخر سيحترم ما يتم التوصل إليه، وهنا تظهر القيمة الحقيقية للوساطة.

فالوسيط الناجح لا يكتب الاتفاق نيابة عن الأطراف، وإنما يساعدهم على الوصول إلى المساحة التي يصبح فيها الاتفاق ممكناً، وهذا ما يمنح سلطنة عُمان ودولة قطر أهمية خاصة؛ لأن كليهما لديه تراكمات من الخبرة في الحديث مع أطراف تختلف فيما بينها بصورة جذرية.

ختاماً.. إن ما يقوم به البلدان الشقيقان في مجال الوساطة والحوار ينطلق في جوهره من فكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه فالازدهار يحتاج إلى أمن، والأمن يحتاج إلى استقرار، والاستقرار يحتاج إلى سياسة عاقلة تعرف متى تتحدث، وكيف تستمع، وأين تجد المساحة المشتركة بين الخصوم.

ولطالما مضت مسقط والدوحة في طريق السلام، طريق يقوم على تقريب المسافات، وفتح قنوات الحوار، والبحث عن المشتركات بدلاً من تضخيم الخلافات.

وهنا تكمن فلسفة صناعة السلام، ألا تنتظر الحرب حتى تقع لتبحث عن مخرج منها، بل أن تصنع للحوار طريقاً قبل أن يصبح الطريق الوحيد المتبقي هو المواجهة.

مساحة إعلانية