رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نحو آفاق جديدة للمسؤولية المجتمعية

​لم تعد المسؤولية المجتمعية للشركات والمؤسسات ذلك النشاط المعتاد أو العمل الخيري غير المستدام الذي يهدف إلى تجميل صورة المؤسسة أو الشركة؛ بل تحول اليوم إلى ركيزة أساسية من صميم هوية الشركات وإستراتيجيتها التشغيلية، فالأثر التنموي لم يعد نتيجة عرضية، بل غاية مقصودة تُبنى بوعي، وتتطلب شراكة حقيقية تتقاسم فيها الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني أعباء التنمية ومكاسبها. ​إن الاستثمار الاجتماعي هو الذي يبدأ من التكلفة إلى القيمة المضافة ويجسد الرؤى الطموحة مع قناعة راسخة بأن المرحلة المقبلة تستوجب الانتقال بالمفهوم التقليدي للمسؤولية الاجتماعية إلى فضاء أكثر شمولاً وعمقاً، يُعرف بـالاستثمار الاجتماعي، وهذا المفهوم لا ينظر إلى الأثر المجتمعي باعتباره عبئاً مالياً أو تكلفة تضاف على كاهل المؤسسة، بل ينظر إليه كقيمة مضافة إستراتيجية تساهم في بناء شراكات مستدامة، تعزيز تنافسية القطاع الخاص، وتحقيق مردود ملموس ومستدام في حياة الأفراد والمجتمعات على حد سواء. ​وفي النسخة السابعة للكونجرس الدولي للمسؤولية الاجتماعية الذي عقد بمدينة صلالة ومن خلال كلمات الافتتاح وورش العمل تتجلى التطبيقات العملية لهذه المفاهيم في إطلاق مبادرات رائدة على مستوى الخليج والدول العربية، لعل أبرزها "الدليل العربي الاسترشادي"، حيث دعت النسخة السابعة للكونجرس الشركات والمؤسسات للالتزام الصادق بدمج مبادئ المسؤولية المجتمعية بصورة تدريجية ومنهجية ضمن منظومة الحوكمة، والاستراتيجيات، وسياسات العمل، والارتقاء بالعلاقة مع أصحاب المصلحة، وأن لا يقف الأمر عند هذا الحد بل يمتد لابتكار نماذج مؤسسية جديدة تجمع بين البعدين الاقتصادي والتنموي، مثل تأسيس شركات استثمار اجتماعي يمتلكها مستثمرون ورواد أعمال، تضع التنمية المستدامة في قلب نموذج أعمالها لتحقيق عوائد مالية للمساهمين بالتوازي مع إحداث فارق حقيقي في المجتمع. ​إن واحدا من أبرز التحولات الاستراتيجية التي فرضتها المرحلة هو طريقة قياس نجاح هذه المبادرات، فلم يعد المعيار الحقيقي محصوراً في حجم الأموال المنفقة أو عدد المشاريع المنفذة، بل في جودة الأثر المستقبلي واستدامته. فعلى غرار معايير حماية حقوق الإنسان، يُقاس الأثر المجتمعي الحقيقي بمدى انخفاض مخاطر المؤسسات، وعدد مرات حماية كرامة الإنسان، وتوفير الإنصاف لبيئة العمل، وربط أهداف المسؤولية المجتمعية بأهداف التنمية المستدامة الأممية. ​وتزخر منطقة الخليج بنماذج مضيئة في هذا السياق؛ وهناك شركات عريقة تقدم دروساً بليغة في الممارسات المستدامة، من خلال تخصيص نسب ثابتة من الأرباح السنوية لتمويل مشاريع استراتيجية وحماية البيئة والمقدرات الطبيعية ببلدانها، لتتحول هذه المبادرات إلى معالم تنموية مستدامة تنبض بالحياة. ​ختاماً.. إن التنمية الحقيقية لا تبنيها الحكومات وحدها، بل يصنعها تضافر الجهود بين القطاع الخاص، والأجهزة الإحصائية المرصدة للتوثيق والقياس، ومؤسسات المجتمع المدني المعنية بحقوق الإنسان. إننا أمام مرحلة فاصلة تتطلب منا جميعاً الإيمان بأن المسؤولية المجتمعية استثمار في الإنسان، وحماية لكرامته، وصناعة واعية لمستقبل أكثر استدامة وازدهاراً لأجيالنا القادمة.

138

| 23 أغسطس 2026

قطر وعُمان.. دبلوماسية السلام في زمن الأزمات

في مرحلة عصيبة من تاريخ منطقتنا العربية والإسلامية عامة تتشابك فيه المصالح مع الحسابات الإقليمية، تبرز الحاجة إلى قيادات تؤمن بأن قوة السياسة لا تُقاس فقط بما تملكه من أدوات الضغط، وإنما بقدرتها على فتح أبواب الحوار حين تُغلق الأبواب، وصناعة مساحات للتفاهم حين تضيق الخيارات أمام الأطراف المتنازعة. ومن هنا يمكن قراءة التقارب والتشاور المستمر بين سلطنة عُمان ودولة قطر، باعتباره أبعد من إطار العلاقات الثنائية التقليدية؛ فهو يعكس رؤية مشتركة تقوم على تغليب الحوار والوسائل السلمية، والعمل على احتواء الأزمات قبل أن تتحول إلى مواجهات يصعب التحكم في نتائجها. وقد رسخت مسقط والدوحة، كلٌ بطريقتها وأدواتها الدبلوماسية حضوراً لافتاً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق بسياسة الصدام، وإنما بالتفاهم وبناء الثقة وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة حتى في أكثر اللحظات توتراً. البلدان يلتقيان، في مسار السلام حيث يتمتعان برصيد دبلوماسي متراكم، خلال العقود الماضية، في التعامل مع الأزمات خصوصاً في الملفات المرتبطة بإيران والولايات المتحدة وأمن الخليج، وقد شكلت مسقط على مدى سنوات محطة مهمة للاتصالات والمفاوضات بين أطراف فرقتها الخلافات وجمعتها الحاجة إلى الحوار. وفي المقابل رسخت دولة قطر تجربة واسعة في الوساطات الإقليمية والدولية، وأصبحت الدوحة حاضرة في عدد من الملفات المعقدة، مستفيدة من شبكة علاقاتها وقدرتها على التواصل مع أطراف متباينة. ولذلك فإن التنسيق العُماني القطري يكتسب أهمية مضاعفة في المرحلة الراهنة؛ فالدوران العماني والقطري لا يتنافسان بقدر ما يمكن أن يتكاملا، خاصة عندما تكون المنطقة أمام أزمات تحتاج إلى أكثر من قناة اتصال، وأكثر من وسيط قادر على تقريب المسافات وإعادة بناء الثقة. واليوم يأتي مضيق هرمز في مقدمة الملفات التي تفرض نفسها على أي نقاش حول مستقبل الأمن الإقليمي، فهذا الممر ليس مجرد مساحة جغرافية ضيقة بين ضفتين، بل شريان استراتيجي يرتبط بأمن الطاقة والتجارة والاقتصاد العالمي. ومن هنا، فإن أي تصعيد حول المضيق لن تبقى آثاره محصورة في دول الخليج، وإنما ستمتد إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والاقتصاد الدولي. وهنا تبرز أهمية الدور العُماني بصورة خاصة؛ فالجغرافيا منحت سلطنة عُمان موقعاً استراتيجياً، لكن الظروف السياسية الراهنة حولت هذا الموقع إلى مسؤولية كبرى، وعبر عقود طويلة حافظت مسقط على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، الأمر الذي منحها مساحة للحركة والقدرة على التحدث مع أطراف قد يصعب جمعها مباشرة حول طاولة واحدة. إن المطلوب اليوم ليس إدارة التوتر في مضيق هرمز فحسب، وإنما منع تحوله إلى أزمة مفتوحة، والعمل على إيجاد تفاهمات تحفظ حرية الملاحة والمصالح المشروعة لدول المنطقة، وتمنع أن يصبح هذا الممر الحيوي ساحة للصراع الدولي. ولعل التحدي الأكبر في أزمات المنطقة اليوم لا يكمن دائماً في غياب الحلول، وإنما في غياب الثقة بين الأطراف، فالوثائق يمكن صياغتها، ومذكرات التفاهم يمكن إعدادها، والاجتماعات يمكن تنظيمها، لكن الاتفاقات الكبرى تحتاج أولاً إلى قدر من الثقة يسمح لكل طرف بأن يطمئن إلى أن الطرف الآخر سيحترم ما يتم التوصل إليه، وهنا تظهر القيمة الحقيقية للوساطة. فالوسيط الناجح لا يكتب الاتفاق نيابة عن الأطراف، وإنما يساعدهم على الوصول إلى المساحة التي يصبح فيها الاتفاق ممكناً، وهذا ما يمنح سلطنة عُمان ودولة قطر أهمية خاصة؛ لأن كليهما لديه تراكمات من الخبرة في الحديث مع أطراف تختلف فيما بينها بصورة جذرية. ختاماً.. إن ما يقوم به البلدان الشقيقان في مجال الوساطة والحوار ينطلق في جوهره من فكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه فالازدهار يحتاج إلى أمن، والأمن يحتاج إلى استقرار، والاستقرار يحتاج إلى سياسة عاقلة تعرف متى تتحدث، وكيف تستمع، وأين تجد المساحة المشتركة بين الخصوم. ولطالما مضت مسقط والدوحة في طريق السلام، طريق يقوم على تقريب المسافات، وفتح قنوات الحوار، والبحث عن المشتركات بدلاً من تضخيم الخلافات. وهنا تكمن فلسفة صناعة السلام، ألا تنتظر الحرب حتى تقع لتبحث عن مخرج منها، بل أن تصنع للحوار طريقاً قبل أن يصبح الطريق الوحيد المتبقي هو المواجهة.

330

| 09 أغسطس 2026

النخلة والصاروخ

اليوم تجد دول الخليج العربي نفسها في نقطة ارتكاز استراتيجية فريدة بعد أحداث صاخبة ومستمرة، بلا شك، وإن خفت حدتها، فهي شهدت وستشهد تحديات اقتصادية ورحلة إعادة صياغة للذات في ظل تحديات دولية معقدة، وهذا قد أثار في ذهني التساؤل الذي طرحه الكاتب "توماس فريدمان" في كتابه "اللكزس وشجرة الزيتون": كيف نوفق بينهما؟ ومجاراةً لما كتبه فريدمان، سأقوم بإسقاط رؤيتي بأسلوب يتماهى مع ما طرحه فريدمان، لكن بأسلوب مغاير، وأقول: إن النخلة ليست مجرد تعبير عن إرث فقط، بل يمكننا اعتبارها الجهاز المناعي للمجتمع الخليجي، حيث إن تمسكنا بهويتنا، وديننا، وتقاليدنا، وانتماءنا للأرض، هو الذي يمنحنا الأمان النفسي والقدرة على مواجهة التدفق الهائل من الثقافة الغربية التي تجتاح مجتمعاتنا. وعلى دول الخليج أن تدرك أن التنمية الحقيقية ليست مجرد ناطحات سحاب ومدن فارهة، بل هي مجتمعات متماسكة تعتز بجذورها، وتستمد قوتها من قيمها العربية والإسلامية الأصيلة التي توفر الاستقرار الروحي والنفسي في عصر القلق الوجودي الذي فقد فيه الاستقرار الاجتماعي، وإن الحفاظ على خصوصيتنا الثقافية العربية والإسلامية ليس انغلاقًا، بل هو ثبات يمنحنا الثقة للانفتاح على الآخر دون ذوبان أو تبعية، وفي المقابل لا يمكن لعالم اليوم أن يمنح مكانًا لمن يختار العزلة، لذلك فإن الصاروخ هنا يمثل آليات العصر والتكنولوجيا الفائقة، والتنويع الاقتصادي، والاستثمار في الابتكار، والسرعة في اتخاذ القرار. وعليه، أصبح التكامل الإقليمي الخليجي، ككتلة اقتصادية واحدة قادرة على التأثير في الأسواق العالمية، ضرورة ملحة لتحجز لنفسها مكانة مع التكتلات العالمية القادمة. إن التحديث لا يعني استنساخ نماذج الآخرين، بل يعني امتلاك أدوات العصر لتصدير قيمنا ومبادئنا ومنجزاتنا إلى العالم، ولا شك أن المعادلة الخليجية الصعبة هنا هي وجود رسالة واحدة نتطلع إليها من قياداتنا الحكيمة، مفادها: التوازن الخلاق بين النخلة والصاروخ، مع التحول الذكي في تبني التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فهو ليس رفاهية، بل أصبح صمام أمان لضمان استمرارية الاستقرار الفكري للأجيال القادمة، شرط أن تظل هذه التكنولوجيا مسخرة لخدمة الإنسان الخليجي وقيمه وعاداته وتقاليده ودينه وعقيدته، مع الانفتاح المسؤول وبناء جسور الاقتصاد مع العالم عبر دبلوماسية التوافق، مع الحفاظ على "النخلة" التي تمنح مجتمعاتنا تفردها وتميزها. إن النموذج الخليجي حينها سيقدم درسًا عالميًا في الحداثة المتجذرة، وسنرى أكبر المشاريع التكنولوجية والمدن المستقبلية، في ظل قيم التكافل الاجتماعي، والأسرة، والارتباط بالأرض، وهي الركيزة الأساسية للسياسات العامة. ختامًا.. إن التحدي أمام دول الخليج ليس اختيار النخلة أو الصاروخ، بل في كيفية جعل النخلة تنمو وتزدهر في ظل وجود الصاروخ. نحن لا نبحث عن حداثة منقوصة، ولا عن تقاليد منغلقة، بل نبحث عن طريق ثالث يجمع بين بريق الحداثة وعمق الأصالة. إن دول الخليج، بفضل قياداتها الطموحة، قادرة على أن تثبت للعالم أن التقدم والحداثة ليسا بالضرورة عملية اقتلاع للجذور والانسلاخ من القيم، بل عملية إثمار مباركة، لأجل أن تظل الجذور راسخة في أعماق الهوية الوطنية، محققةً التوازن الذي يضمن للمجتمعات ريادتها وبقاءها.

186

| 05 أغسطس 2026

الأمير الوالد صاغ خريطة طريق لأمة تبتغي المجد

​في دروب الزمان، ثمة قامات لا يطويها النسيان، ولا يغيب حضورها بغياب الشخوص؛ أولئك الذين أودعوا في ذاكرة التاريخ نقوشاً عصيّة على المحو، كأنهم في شموخهم جبال راسيات، لا تنال منها عوادي الأيام. نقف اليوم عند سيرة رجل استثنائي، هو صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني-رحمه الله- لا لنرثيه بالكلمات الباكية، بل لنقرأ في أثر يدٍ لم تكتفِ بتدبير الشأن العام، بل صاغت من طموح لا يهدأ، وعزيمة لا تلين، خريطة طريق لأمة تبتغي المجد. ​لم يكن الشيخ حمد بن خليفة- رحمه الله- مجرد حاكم أدار دولة، بل كان "مشروع نهضة" امتلك الرؤية قبل أن يمتلك الأداة، فحوّل صمت الصحراء إلى موطن إنجاز، وراهن على الإنسان فكسب الرهان، لقد قرأ بعين البصير أن الثروة الحقيقية ليست في جوف الأرض، بل في عقول تنهل من معين العلم، فبنى صرحاً حضارياً جعل من الدوحة قبلة للفكر وعاصمة للمعرفة، ومركزاً للحوار الذي لا يغيب عنه المنطق ولا يغلبه الهوى. ​إن المتأمل في مسيرة هذا القائد، يجد أمام عينيه نهضة وُلدت من رحم اللحظة الفارقة. لقد تسلم الأمانة في وقت كانت فيه الحكمة أغلى من الذهب، فاستنهض الهمم، وأسس لدولة المؤسسات، جاعلاً من التعليم والبحث العلمي ركيزة لا تحيد، حتى صارت مؤسسة قطر منارة تشعُّ ضياء، تستقطب من عيون الجامعات ما يُزهر في عقول الأجيال، ليقودوا السفينة إلى بر الريادة. ​لقد كان الأمير الوالد- رحمه الله- مدرسة في القيادة؛ يجمع في شخصيته بين حزم القائد، وتواضع الحكيم، وانفتاح السياسي الواثق، ولقد عُرف عنه قُربه من النبض الشعبي، فصار جسراً من الثقة، لا يفرق بين ابن البلد والمقيم على أرضه، فغدت قطر-دوحة الخير- ملاذاً للآمنين، ومنصة للوساطات الدولية التي لا تبتغي إلا حقناً للدم وتأليفاً للقلوب. ​أما في ميزان الاقتصاد، فقد كان الشيخ حمد- رحمه الله- ربّانَ طفرة تاريخية، استثمر في الغازِ بحكمة من يعي قيمة المستقبل، فجعل قطر منارة للخير بين الأمم، وعزز ذلك بصوت إعلاميٍ جريء؛ إذ أسس قناة الجزيرة لتصبح نقلة نوعية في فضاء الكلمة، أيقظت الوعي العربي، ولم يفته أن يجعل من الرياضة جسراً حضارياً، فاستنبط حلم المونديال، وحققه بجرأة من لا يخشى المستحيل، ليغدو الواقع شاهداً على طموح تجاوز حدود المألوف. ​ثم تجلت ذروة حكمته، وأسمى آيات تجرده، حينما سلم الراية طوعاً لنجله صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني-أطال الله عمره- في سابقة حضارية، لتكون شاهداً على أن بناء الأوطان معراج يتواصل فيه العطاء، وتتكامل فيه الرؤى بين الأجيال. ​لقد رحل الشيخ حمد- طيب الله ثراه- وبقيت بصماته في تفاصيل الدوحة، في عمرانها، وفي هويتها، وفي روحها الوثابة. رحم الله الأمير الوالد؛ فقد ترك إرثاً يخبرنا أن الدول تُشيد بالرؤية الصادقة، والعمل الدؤوب، والإرادة التي لا تعرف للسقف حدوداً، فالسلام على روح ما غابت، وعلى سيرة ستبقى في دفتي الزمان شاهداً على قائد أدرك معنى الاستدامة في خدمة الأوطان.

348

| 16 يوليو 2026

المعلّم أحمد بن ماجد.. حين قاد العُمانيون العالم فوق الأمواج

عندما يأتي ذكر البحّار العُماني أحمد بن ماجد، لا يمكن للذاكرة العُمانية إلا أن تُبحر عائدةً إلى ذلك الزمن الذي لم يكن فيه "نظام تحديد المواقع" سوى نجومٍ تتلألأ في أديم الليل، وقلوبٍ لا تعرف الخوف، وعقولٍ فذّةٍ صاغت قوانين البحر من حكايا الأمواج. إنه الزمن الذي بزغ فيه نجم المعلّم أحمد بن ماجد، فسطع اسمه في المشرق والمغرب، وأصبح مرجعًا في علوم الملاحة البحرية، وطوّر الأسطرلاب البحري، واشتهر بابتكار أداةٍ ملاحية عُرفت باسم "الخشبات الثلاث" (الكمال)، وهي وسيلة هندسية دقيقة لقياس ارتفاع النجم القطبي عن أفق البحر، مما مكّن البحّارة من تحديد مواقع سفنهم أثناء الرحلات الطويلة عبر المحيطات. ومنذ أن كنت صغيرًا، كنت مولعًا بهذه الشخصية العُمانية العظيمة. فقد كانت سيرة ابن ماجد راسخةً في ذاكرتي، تتجدد كلما ذُكر اسمه أو أحد مؤلفاته، وفي مقدمتها كتابه الشهير «الفوائد في أصول علم البحر والقواعد»، الذي يُعد من أهم المؤلفات البحرية في تاريخ الملاحة. ومرت السنوات، حتى جاء معرض مسقط الدولي للكتاب عام 2019م، فبادرت بالتعاون مع جريدة الشبيبة العمانية إلى إعداد كتيب صغير بعنوان «المعلّم»، وهو أحد الألقاب التي اشتهر بها أحمد بن ماجد. وقد طُبع منه 500 نسخة ووزعت مجانًا في المعرض، وكانت محافظة البريمي ضيف شرف تلك الدورة، فسعدت بتقديم 100 نسخة إلى جناح المحافظة مساهمةً متواضعة في التعريف بهذه القامة العُمانية الخالدة. عندما نستحضر سيرة «أسد البحار» أحمد بن ماجد، فإننا لا نستحضر ربّانًا يقود سفينةً فحسب، بل مهندسًا للملاحة حوّل البحر من مجهولٍ مخيف إلى طرقٍ واضحة المعالم، وأرسى قواعد علمية بقيت قرونًا تهدي البحّارة في أسفارهم. لقد كان إرث ابن ماجد العلمي خلاصة تجارب طويلة، سُطّرت بحبر الأسفار، وحُفظت على ألسنة البحّارة، حتى أصبحت كتبه مرجعًا لكل من أراد أن يشق طريقه في لجج البحار، وأسهمت في كتابة أحد أعظم الفصول في تاريخ الملاحة البحرية العالمية، حيث التقت المعرفة بالتجربة، والعلم بالشجاعة. وفي اليوم الخامس والعشرين من يونيو، يوم البحّارة العالمي، نستحضر هذا الرمز العُماني الكبير، ونستلهم من سيرته روح الريادة والتحدي؛ فقد علّم البشرية أن البحر ليس حاجزًا يفصل بين الشعوب، بل جسرًا يصل الحضارات، ويصنع ازدهار الأمم على أكتاف رجالٍ آمنوا بالعلم، وواجهوا المجهول بشجاعة وإيمان. رحم الله المعلّم أحمد بن ماجد، وجزاه عن عُمان والإنسانية خير الجزاء، وسيظل اسمه شاهدًا على أن هذه الأرض أنجبت رجالًا كتبوا أسماءهم في صفحات التاريخ بأشرعة العلم، لا بضجيج القوة.

489

| 25 يونيو 2026

الطريق نحو المدينة

​"قم فأنذر" هكذا جاء النداء الرباني من ذي الجلال والإكرام، فاستجابت الروح التي تم تأهيلها لمدة أربعين عاماً لنداء رب السماء، لم تكن الهجرة مجرد انتقالٍ من مكانٍ إلى مكان، أو فراراً من سيف الطغيان إلى أرض أكثر أمان، بل كانت نقلة بناء مرتكزات الدولة الإسلامية، وإيذاناً بميلاد عصرٍ جديدٍ لا يغرب فيه ضياء الحق أبداً. ​لقد أطبقت الدنيا جفونها على غشاوةٍ من الجهل والوثنية، كأنما هي كائنٌ ميتٌ في جوف القبر، وحين أزفَّ الموعد الحق، صعد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ومعه الصديق الصدوق؛ ذاك الرفيق الذي كان كظله لا يفارقه، يقطعان طريق الحق في مسرى لا يعرف خباياه وأسراره إلا المولى رب السماء. ​​حين وطئت أقدامهما جبل ثور، لم تكن الخطوات مجرد حركةٍ على صخورٍ صماء، بل كانت بصمات سيشهد لها الكون قريبا بالعرفان والامتنان، لأنها خطوات ستفتح مغاليق القلوب والأفئدة، فمن غار حراء الذي شهد اللحظات الأولى للوحي إلى غار ثور، ها هي البشرية تستعد لاستقبال بشارات أنوار المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام وخروجه من مكة إلى فضاء أوسع ليغمر البشرية والكرة الأرضية بالعدل والرحمة. ​في تلك اللحظة، كان الغار شاهداً على ميلادِ أمةٍ من رحمِ الخلوة، وكان الصمتُ الذي يغلف الجبل يصدح بالوعد الإلهي: "إنَّ مع العسر يسراً". ​ فاللحظات اقتربت والخليقة ستفتح عينيها عن قريب وستخرج من الظلام الدامس الذي تعيشه، إنها الخطوات التي ستنهض فيها الدنيا من سباتها، وتخلع عنها رداء الغشاوة الحالكة. تخيلوا معي ذلك المشهد؛ العالم يغط في سبات من الوثنية، ثم فجأةً، تشرقُ الرسالة المحمدية، كفجرٍ لا يكذب، يمزق خيوط الليل، ويغسل وجه الكون بماء الوحي الطهور، فلم يعد الوجودُ في صمت مطبق، بل أصبح نغماً يرتلُ التوحيد، لم تعد الأرضُ موحشةً بل مبتهجة بالنور القادم، لقد أصبح الكون بفضل المولى عز وجل ثم بفضل تلك الخطوات المحمدية المباركة سبيلاً للهدى، منيراً بالبصيرة، ينتهي بكلِّ حائرٍ إلى ساحةِ الحقِّ الأبلج الذي لا يزيغ عنه الا هالك. ​إنَّ الهجرة النبوية الشريفة بمثابة مشكاة نور وإعلان كرامة للإنسان عندما يربط مصيره بخالقه، فلقد خرج الرسول صلى الله عليه وسلم ليجعل الدنيا تفتح عينيها، لا لترى نور الشمس فهي معتادة على ذلك كل يوم، بل لترى نور التوحيد يضيءُ ما بين الخافقين، ويبدد ظلمة الجهل. ​ كانت الخطوات تتسارع نحو يثرب لأجل أن تضيء بنور المصطفى عليه الصلاة والسلام وبفجر الرسالة المحمدية للأمم وللأجيال، كانت الخطوات كأنها لا تخطو فوق التراب والصخور، بل تكتبُ آيات من النور على أديمِ الثرى، لتقرأها البشريةُ في كلِّ زمان وتتذكرها "قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبين" المائدة 15. نعم.. نور أضاء المولى عز وجل به ظلمات الشرك والجهل، وهدى به البشرية إلى طريق الحق، وقرآن كريم أنزله الله وهدى به من اتبع رضوانه سبل السلام.

279

| 18 يونيو 2026

السر قطر.. عبقرية الزمان والمكان والإنسان

​لقد غرست بطولة كأس العالم 2022 التي أقيمت بالدوحة في ذاكرة التاريخ أثراً لا يندثر، حيث ارتقى التنظيم القطري ليحاكي دقة المبدع في رسم لوحته، في انسجامٍ فريدٍ بين التخطيط المُحكم والروح الوثابة بمسؤولية كبرى، وها هي الأيام تمضي، لتظل تلك البطولة نبراساً يُهتدى به في كل محفل، وشاهداً حياً على أنَّ من يخلصُ العمل، ويُحكِمُ البنيان، ومن يريد أن يتربع على عرش الريادة، ويصبح علامةً فارقةً في سجلِّ الأمم التي تُبهرُ الدهرَ بإنجازاتها. ​مع صافرة انطلاق مونديال 2026 م في الملاعب الأمريكية والمكسيكية والكندية، يجد عشاق كرة القدم الساحرة أنفسهم في حالة من المقارنة التلقائية التي تفرضها الذاكرة؛ فبين دفءِ الحكاية التي كُتبت بروح عبقرية التنظيم الفريدة في الدوحة قبل أعوام فائته، والأحداث الكروية التي تُصاغ هذه الفترة فصولها في القارة الأمريكية، تتشكل ملامح جديدة للعبة الأكثر شعبية في العالم. ​إن الاختلاف الجوهري بين النسختين لا يكمن في جودة التنظيم فحسب، بل في فلسفة المكان والزمان، كان تنظيم قطر 2022 بمثابة عرس عربي حمل رسائل عديدة في تشكل رؤية العالم للإنسان العربي المسلم، هذا بجانب ثقافة وجودة التنظيم شبه المثالي، مع سهولة التنقل بين الملاعب، وكرم الضيافة العربية والكثير من المفردات الجميلة في إيجاد روح التآلف والتناغم والمحبة بين المنتخبات والمشجعين وزوار الدوحة عامة. لقد كان التقارب الجغرافي للملاعب بالدوحة يمنح المشجع ترف الحلم بحضور مباراتين في يوم واحد، دون أن يتكبد عناء السفر عبر القارات، فكانت بطولة انفردت بالرفاهية للمشجعين حيث لا مسافات تفصل بين الحلم والحقيقة، كل ذلك وغيره تحت أجواء قطرية تمنح اللاعبين فرصة تقديم أفضل ما لديهم في مناخ مثالي. ​أما نسخة 2026، فهي تعكس طموح الانتشار الكبير بتوسيع القاعدة لتشمل 48 منتخباً و104 مباريات، تتحول البطولة إلى مهرجان كروي مترامي الأطراف، ولم يعد التحدي في تقارب المسافات بل في قدرة الجماهير على مواكبة التنقلات الشاسعة بين مدن لا يجمعها مناخ واحد ولا توقيت زمني موحد، مما يجعل من المتابعة رحلة استكشافية تتطلب نفساً طويلاً وتخطيطاً دقيقاً ومرهقاً.​ ​وعلى الرغم من هذا التباين في الأسلوب، يظل جوهر كأس العالم ثابتاً لا يتغير؛ إنه ذلك الخيط السحري الذي يربط شعوب الأرض، ويجعل من الكرة لغة عالمية تتجاوز الحدود. وفيما تبتكر 2026 في إدماج تقنيات جديدة وتحديات مناخية فرضتها العودة للصيف، وتظل اللعبة هي صاحبة الكلمة الأولى، وتظل الجماهير هي الوقود الذي يحرك هذا الحدث العالمي الضخم. ​نحن اليوم في قلب صخب مونديال 2026، لا يسعنا إلا أن نشيد بتقدير وامتنان تلك النسخة الاستثنائية التي قدمتها قطر للعالم بكل ود واحترام وتفانٍ وطموح قل مثيله، لقد نجحت دولة قطر في تقديم نسخة معيارية يصعب تكرارها، ليس فقط في جودة البنية التحتية والملاعب المبهرة، بل في تلك الروح التي أضفتها على الحدث، حيث امتزجت الأصالة العربية بحداثة التنظيم، فخرج العالم من الدوحة بقصة إنسانية ملهمة ستظل محفورة في ذاكرة الأجيال. ​لقد علمت قطر العالم أن المونديال ليس مجرد أرقام ومباريات، بل هو قدرة وعطاء المكان والزمان والإنسان على صنع الدهشة وقوة الرسالة، وهو ما سيظل دائماً نقطة المقارنة التي تعود إليها الذاكرة كلما انطلقت صافرة الحكم في أى مونديال عالمي.

585

| 14 يونيو 2026

التنمر والمناعة الأسرية

الجميع مشغولون بلقمة العيش، الأب والأم والإخوة الكبار مشغولون بالعمل بجد واجتهاد لتأمين سبل الراحة لأبنائهم وإخوانهم الصغار، لكن المعضلة تكمن عندما يغيب عن هؤلاء الصغار تأمين الرقابة ضد معركة صامتة قد تبدأ من المدارس او الحواري أو حتى اللقاءات العائلية الكبيرة، إنها معركة "التنمر"، هذا السلوك المشين الذي سببه ثقة الأطفال والمراهقين بمن هم اكبر منهم ثم يخلف وراءه ندوباً نفسية لا تتعافى بسهولة بمرور الأيام والسنين، بل قد تستمر لتشكل شخصيتهم لعقود قادمة. ​دعونا نبدأ من جذور المشكلة؛ حقيقة الأمر أنه لا يولد الطفل متنمرا او متنمرا عليه، بل يحدث ذلك من غياب التوجيه الأسري وغياب الحوار العائلي، من هنا يبدأ ناقوس الخطر الذي يشير إلى أن هناك خللاً في المناعة التربوية الداخلية بالأسرة الذي كان يجب أن يتلقاها الطفل في بيته قبل أن يكون عضواً في المجتمع. ​أقولها وبالفم المليان أيها الأب ويا أيتها الأم ويا أيها الاخ الاكبر إن أعظم درع واقية لأبنائكم وجود سور الثقة الذي تبنونه معهم، فإذا لم تكن أنتم الملاذ الآمن الذي يلجأ إليه ابنكم عند الضيق والشعور بما يزعجه، فمن سيلجأ إليه؟ إن الكثير من الناس يظن أن الصداقة مع الأبناء تكمن في سلطة الأمر والنهي وكثرت النصائح وتوجيههم، هذا أمر جيد لكن الصداقة الحقيقية مع الأبناء هي أن تستمع إليهم أكثر مما تتكلم معهم، من خلال حوار مستمر ومتصل، اسأله عن تفاصيل يومه، لا تستجوبه بل لتطمئن عليه حين يعتاد الابن الحديث معك عن صغائر الامور التي تحدث معه عندها سيجد الشجاعة ليصارحك بأمور معاناته ان وجدت. ​أما في مجال بناء الشخصية يقول علماء الاجتماع، علّموا أبناءكم أن "قوة الحق" لا تقل شأناً عن "حق القوة"، عرّفوهم بحدودهم الشخصية، وعلموهم كيف يقولون "لا" بوضوح وثقة حينما يتعدى الآخرون على مساحتهم الخاصة. ​وكونك أبا أو ولي أمر عندما تستشعر ان هناك خطرا من المدرسة تواصل مع الإدارة والأساتذة، ووثق حالات التنمر، فالمدارس مسؤولة قانوناً وأخلاقاً عن سلامة الطلاب، بينما مع الأقارب لا تجامل على حساب نفسية ابنك، واجه أسرة المتنمر بصدق وشجاعة، فالمؤمن كيس فطن يسارع بإزالة الخطر قبل وقوعه. ​ولنعلم جميعاً أن سلطة القانون ليست للخصومة فحسب، بل هي تأديب لمن لا أدب له عندما تستنفد الحلول التربوية والحوار، لا تتردد في تفعيل القوانين والتشريعات التي تحمي طفلك من التحرش النفسي أو البدني، إن كرامة ابنك ونفسيته تستحقان أن تقف في وجه أي متجاوز بلا هواده. ​كن واعياً ومنتبهاً إذا عاد ابنك من المدرسة صامتاً، فاقداً للشهية، أو رافضاً للذهاب للمدرسة؛ فهذه اعراض لحدوث التنمر عليه، عندها لا تعنفه على ضعفه، بل قل له: أنا هنا لأسمعك، ولا شيء في هذا العالم يستحق أن يجعلك تشعر بالخوف. ايضاً إذا كان التنمر يمارس من احد الاقارب أو الجيران مثلاً، يجب أن تجلس مع ولي أمره على انفراد، وتضع النقاط على الحروف وتقول أنا حريص على صلة الرحم والجيرة، وحريص أكثر على سلامة ابني، ولا أسمح بأن تكون هذه الصلة مصدراً لأذى نفسي وتبدأن بمعالجة الأمر. ​ختاماً.. إن التربية أمانة، وحماية الأبناء من تنمر الآخرين هي اختبار حقيقي لوعينا وادراكنا بما يدور حولنا، فلنكن الحصن المنيع، والملجأ الصادق لهم، فالمجتمع السوي يبدأ بطفل آمن، والجيل القوي يبدأ بولي أمر عرف كيف يحتضن ابنه قبل أن يفتش عن أخطائه، ولن ننسى هنا الاشارة بأهمية مواجهة التنمر الإلكتروني الذي يمارسه المتنمرون خلف الشاشات الذي هو الخطر الادهى الذي يحدث بصمت عميق. وللحديث بقية

369

| 11 يونيو 2026

الدوحة تحتفي بالكتاب

​لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. ​لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ​ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ​ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.

1374

| 21 مايو 2026

وقف سرديات الفرقة

تُعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات رقمية ذات حدين إن صح التعبير، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى منصات لصناعة "سرديات" تتسلل إلى عمق البيت الخليجي. ومنذ فترة، ونحن نرصد ما يطرحه ويُطلقه فئة ممن يسمون أنفسهم بالمؤثرين في إعلامنا الخليجي، فالمشهد لم يعد مريحاً، بل بات يبعث على القلق المشروع، حيث تحولت بعض هذه الحسابات إلى معاول هدم صامتة، تنخر في عظام التماسك الاجتماعي الخليجي الذي تم بناؤه على أسس من المودة والمصير المشترك. ​إن ما نتابعه اليوم من محتويات لبعض هؤلاء يتجاوز العفوية ليصل إلى حد التغلغل في وعي الأجيال الشابة، بعض هذه السرديات تتبنى لغة الإقصاء أو تضخيم الصغائر، وهي في جوهرها تستهدف تمزيق النسيج الواحد، إنها فتنة تستخدم الكلمة المسمومة والصورة الموجهة، مما يضعنا أمام استحقاق وطني مشترك لحماية الجسد الخليجي من اختراق يهدد وحدته الخليجية، ويجعل من الاختلاف الطبيعي مادة للصراع غير المحسوبة نتائجه. ومن هنا يصبح صوت الحكمة مطلباً ملحاً لا يقبل التأجيل من حيث وضع حد لهذه المنصات التي تقتات على إثارة الفتن، مع وضع ضوابط أخلاقية ومهنية صارمة لهؤلاء الفئة الباحثين عن الضلال والفتنة، فلا يمكن أن تترك الساحة لمن يدفع أكثر، أو لمن تُسيره أجندات لا يُعرف مصدرها تحاول تحويل التنوع الخليجي الثري إلى صراع متخاصمين في فترة نحن في احوج الوقت للتآزر ؛ فمن يملك المال اليوم قد يملك الصوت الأعلى، لكنه حتماً لا يملك الحق في تهديد مستقبل استقرار الخليج الاستراتيجي. ​إن الخليج، كوحدة جغرافية وتاريخية ومصيرية، يمثل اليوم ثقلاً استراتيجياً لا يحتمل مثل هؤلاء المغرضين، وإذا كانت هناك أخطاء أو تباينات في وجهات النظر، فمكانها طاولات الحوار العاقل ودروب النقاش البنّاء، لا ساحات "التريند" ومنصات التحريض الرقمي، إن البيئة الخصبة للاختراق تبدأ عندما نترك الفراغ لهواة الشهرة والمستأجرين ليعبثوا بمكونات الهوية الوطنية، بينما يجب أن تظل الوحدة هي الخط الأحمر الذي تتكسر عنده كل المآرب الضيقة. ختاماً.. إن الحفاظ على السلم المجتمعي واللحمة الخليجية هو مسؤولية جماعية تبدأ من وعي الفرد وتنتهي بصرامة القانون، إننا بحاجة إلى "إعلام بناء" يجمع ولا يفرق، يبني جسور الثقة بدلاً من جدران الكراهية. فليكن وعينا هو الدرع الواقي ضد كل من يحاول تسميم أفكار مجتمعاتنا، ولتظل الحكمة الخليجية هي البوصلة التي تقودنا نحو مستقبل آمن، بعيداً عن ضجيج الأجندات المأجورة وسرديات الفرقة.

984

| 07 مايو 2026

معجم الدوحة.. الصندوق الأسود لحفظ الهوية العربية

في لحظة فارقة من تاريخ الضاد لغة القرآن ولغة سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام، ومن قلب الدوحة التي باتت منارةً للحوار المعرفي، يبرز «معجم الدوحة التاريخي للغة العربية» ليس كمجرد مشروع لغوي، بل يعتبر إعلانا حضاريا عن استعادة الأمة لذاكرتها العظيمة التي لا يمكن أن يمحيها الزمن. إن هذا المشروع الذي تبناه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بدعم ورعاية سخية من دولة قطر، يمثل اليوم أضخم إنجاز معرفي عربي في العصر الحديث، واضعاً اللغة العربية في مكانتها الطبيعية بين لغات العالم الحية التي تمتلك معاجم تاريخية. لعقود مضت، كانت المكتبة العربية تفتقر إلى معجم يرصد «سيرة الكلمة»؛ أي متى وُلدت، وكيف تطورت دلالاتها عبر العصور، وهنا تكمن عبقرية «معجم الدوحة»؛ فهو لا يكتفي بتعريف الكلمات، بل يمنحنا «الجيولوجيا اللغوية» لكل مفردة، متتبعاً أثرها في النقوش والوثائق والأشعار والنصوص منذ ما قبل الإسلام ويرصد ألفاظ اللغة العربية منذ بدايتها عندما كانت نقوشاً وحتى يومنا هذا.لقد نجحت الدوحة في جمع مئات العلماء والخبراء من مختلف الأقطار العربية، متجاوزة الحدود الجغرافية والسياسية، لتصهر الجهود في بوتقة واحدة أنتجت إرثاً تاريخياً للأمة جمعاء، حيث إن هذا الاستثمار يأتي في خانة القوى الناعمة للأمم في مجال الثقافة، هو ما يجعل من المعجم هدية قطرية للأجيال القادمة وللأمة جمعاء، وحائط صدٍ منيعاً أمام ذوبان الهوية العربية في عصر العولمة. إن معجم الدوحة التاريخي ليس مجرد سرد للكلمات، بل هو سجل للحضارة العربية. فكل تحول دلالي في الكلمة يعكس تحولاً في فكر الأمة، وفلسفتها، وعلومها. بدءا بحماية الهوية في ظل العولمة، يُعد المعجم درعاً يحفظ للأمة أصول تفكيرها، ومن ثم الريادة المعرفية حيث تم تقديم مرجع عالمي لا يستغني عنه أي باحث في الاستشراق أو اللسانيات أو التاريخ. ​إن معجم الدوحة ليس مجرد كتاب، بل هو محرك بحث في عقل الأمة العربية. واليوم بإنجاز هذا المشروع، تكون دولة قطر قد أهدت للأمة «مرآة» ترى فيها تطور عقلها الجمعي وفكرها عبر التاريخ، إنه بحق، الإرث الذي سيذكره التاريخ كواحد من أعظم الفتوحات الثقافية في القرن الحادي والعشرين، واللبنة الأساسية في بناء النهضة العربية القادمة باذن الله تعالى. ختاماً.. إن معجم الدوحة التاريخي هو «الصندوق الأسود» غطى 2000 عام وشارك فيه ما يزيد على 300 عالم ولغوي ويشمل 300 ألف مدخل لغوي وأكثر من 10 آلاف جذر لغوي، إنه بحق محتوى للحضارة العربية يحُفظ فيه كل تحول فكري واجتماعي عرفه العرب عبر لغتهم عبر التاريخ.

441

| 07 يناير 2026

من القلب..شكرا قطر

"باسم كل قطري نرحب بالجميع في دوحة الجميع" صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني لم تكن "كأس العرب" في الدوحة مجرد روزنامة مباريات أو صراع على الألقاب، بل كانت تجسيدا للهوية العربية، وميدانا أثبتت فيه قطر أن الرياضة هي اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة لتصل إلى أعماق الوجدان العربي، عشنا اياما رائعة اجتمعت فيها الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، لم نكن نشاهد كرة قدم فحسب، بل كنا نشاهد أيقونة تلاحم ثقافي صاغتها قطر باقتدار، لتمزج الثقافات وتصهرها في بوتقة واحدة، فكانت النتيجة لوحة تاريخية لن تمحوها الأيام. هذا النجاح الباهر لم يأتِ من فراغ، بل وقفت خلفه كوادر قطرية مبدعة، سواء حكومية ورسمية وإعلامية امنت بالهدف ورسمت رؤيته واستعانت بالفيفا كشريك، أو مؤسسات خدمية نفذت بدقة واحترافية العمل والتنظيم الباهر، بجانب شعب أصيل غمر الضيوف بكرمه وحسن تعامله فلم يكدر صفو التجمع بالمباهاة، لقد أثبتت قطر أن الإنسان العربي قادر على إدارة أعقد المحافل العالمية بأعلى المعايير، حيث تحول كل متطوع وكل قطري إلى سفير يعكس صورة حضارية مشرقة، تليق بتاريخنا العربي المشرف وتطلعات العرب نحو المستقبل. لقد نجحت دولة قطر في أنسنة التنظيم، فدمجت الثقافات العربية ومزجتها بأساليب مبتكرة ؛ رأينا التراث يتحدث لغة العصر بكتارا وميناء الدوحة القديم ومشيرب وسوق واقف، والحداثة بلوسيل ودرب الساعي واللولوة وغيرها من الأماكن الجميلة. لقد شاهدنا الملاعب تتحول إلى مسارح للتعريف بجماليات حضارتنا وتآلف قلوبنا بتعرفنا على بعضنا البعض من خلال مباريات كرة القدم، لقد استطاعت دولة قطر أن تجمع ما فرقته السياسة، وأن تخلق "أيقونة" واحدة تجمع بين الفلكلور المغربي، وشموخ النيل، وعراقة بلاد الشام، وأصالة الجزيرة العربية، في تناغمٍ فريد جعل من البطولة عيداً لكل العرب. وبرغم أن المباريات أفرزت فائزين وخاسرين فوق العشب الأخضر، إلا أن الرابح الأكبر كان الوعي العربي، فلقد أفرزت البطولة ثقافة جديدة للتفاعل، قوامها الروح الرياضية العالية رأينا الجماهير تهتف لبعضها البعض، ورأينا الاندماج الثقافي يتجلى في أبهى صوره، لتبقى هذه البطولة علامة فارقة في تاريخ التجمعات الرياضية الكبرى. وفي قلب هذه الملحمة، كانت المشاركة الفلسطينية هي النغمة الأكثر شجناً وتأثيراً في البطولة، فلم يكن "المنتخب الفدائي" يلعب وحيداً، بل كان خلفه شعبٌ عربي كامل يرتدي "الكوفية" نبضاً وفخراً، إن الترحاب الكبير والاحتفاء الذي لاقته فلسطين في ملاعب قطر، من الجماهير القطرية والعربية على حد سواء، أكد للعالم أن فلسطين هي "بوصلة القلوب" التي لا تُخطئ طريقها وفي كل هتاف، كان علم فلسطين حاضراً والهتافات حاضرة، لتتحول المشاركة الرياضية إلى رسالة صمود ووحدة، جسدت أسمى معاني الروح الرياضية والتلاحم القومي. ختاماً.. تعجز الكلمات ولم تستطع ان تعبر في نهاية هذه الملحمة العربية الكروية التي استضافتها أرض قطر الا بقول شكراً قطر من القلب. كاتب عُماني

693

| 21 ديسمبر 2025

غلاء هرمز.. بين كلفة الأزمة واستغلالها
غلاء هرمز.. بين كلفة الأزمة واستغلالها

لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو...

4869

| 13 سبتمبر 2026

الحكم بين النقد والإنصاف
الحكم بين النقد والإنصاف

ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ...

3771

| 10 سبتمبر 2026

خطيب الجمعة وين؟
خطيب الجمعة وين؟

اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات...

2619

| 08 سبتمبر 2026

فقد الأم
فقد الأم

ألا إن أعظم الفقد فقد الأم، ولن يسد...

1008

| 10 سبتمبر 2026

إنك ضعيف وإنها أمانة
إنك ضعيف وإنها أمانة

خلال عملي في أجهزة الرقابة المالية، أدركت أن...

987

| 09 سبتمبر 2026

الشراكة التعليمية في أجمل صورها
الشراكة التعليمية في أجمل صورها

استوقفني مشهد تربويّ جليل لثلاثة أطفال يركضون في...

936

| 11 سبتمبر 2026

التقاعد.. حين يصبح الوقت لك
التقاعد.. حين يصبح الوقت لك

- العمل بمعناه الإنساني أوسع كثيراً من الوظيفة...

822

| 07 سبتمبر 2026

المعلم مُرب قبل أن يكون مدرساً
المعلم مُرب قبل أن يكون مدرساً

وما وراء جدران الفصول يقف إنساناً عظيماً تُبنى...

801

| 09 سبتمبر 2026

وزير كل الوزارات.. الله حفظه من التخصص!
وزير كل الوزارات.. الله حفظه من التخصص!

لا أعرف إن كان قد مرّ عليكم هذا...

735

| 08 سبتمبر 2026

طموح المتقاعد ليس بالراتب التقاعدي فقط
طموح المتقاعد ليس بالراتب التقاعدي فقط

على الرغم من تميز الهيئة العامة للتقاعد من...

672

| 11 سبتمبر 2026

المرأة والرجل.. وصك البراءة!
المرأة والرجل.. وصك البراءة!

بين المجمعات التجارية الكثيرة المنتشرة، يبرز أحد المجمعات...

657

| 07 سبتمبر 2026

«عصى مقديشو».. من ذاكرة الانكسار إلى أفق الإعمار
«عصى مقديشو».. من ذاكرة الانكسار إلى أفق الإعمار

في الثالث من سبتمبر الجاري، نظمت مكتبة كتارا...

582

| 10 سبتمبر 2026

أخبار محلية