رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله بندر العتيبي

• أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قطر

aaletaibi@qu.edu.qa

مساحة إعلانية

مقالات

717

د. عبدالله بندر العتيبي

عالم مترابط... لكنه هش

11 مايو 2026 , 11:02م

في عالم اليوم، لم تعد الأزمات تُفهم بوصفها أحداثاً محلية معزولة، ولم تعد المصالح الوطنية قادرة على التحرك داخل حدودها التقليدية كما كان الحال في العقود السابقة. نحن نعيش مرحلة غير مسبوقة من تشابك المصالح العالمية، حيث أصبح أي اضطراب سياسي، أو أمني، أو اقتصادي، في منطقة معينة، قادراً على إنتاج تأثيرات تمتد إلى قارات وأسواق ومجتمعات بعيدة آلاف الكيلومترات. لقد دخل العالم مرحلة الاعتماد المتبادل المعقد، لكن بصورة أكثر هشاشة واضطراباً من أي وقت مضى.

الحروب لم تعد تخص أطرافها المباشرين فقط، وأسعار الطاقة لم تعد قضية تخص الدول المنتجة وحدها، والأمن البحري لم يعد شأناً إقليمياً، وحتى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لم يعودا مجرد أدوات تنموية، بل تحولا إلى عناصر تؤثر في توازنات القوة العالمية والاقتصاد والسيادة والأمن القومي. العالم اليوم أقرب إلى شبكة مترابطة، بحيث إن أي اهتزاز في جزء منها ينعكس سريعاً على بقية الأجزاء.

ما يحدث في مضيق هرمز، على سبيل المثال، لا يهم دول الخليج فقط، بل ينعكس مباشرة على أسعار الوقود في أوروبا وآسيا، وعلى معدلات التضخم، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة العالمية. وما يجري في البحر الأحمر يؤثر على موانئ المتوسط وأسواق الشحن العالمية. وحتى الحرب في أوكرانيا لم تبق داخل حدودها الجغرافية، بل امتدت آثارها إلى الأمن الغذائي والطاقة والتحالفات السياسية حول العالم.

هذا التشابك خلق مفارقة معقدة: العالم أصبح أكثر ترابطاً، لكنه في الوقت نفسه أكثر هشاشة. فكلما زادت المصالح المشتركة، زادت أيضاً قدرة الأزمات على الانتشار السريع. الاقتصاد العالمي اليوم يشبه نظاماً عصبياً حساساً؛ أي خلل في نقطة معينة يمكن أن ينتج سلسلة من الارتدادات السياسية والاقتصادية والأمنية في أماكن مختلفة.

لكن الأهم أن هذا التشابك أعاد تعريف مفهوم القوة ذاته. في السابق، كانت القوة تُقاس غالباً بالجيوش أو المساحة أو الموارد الطبيعية. أما اليوم، فأصبحت القدرة على التأثير في الشبكات العالمية لا تقل أهمية عن القوة العسكرية. دولة تسيطر على ممر بحري، أو تمتلك موقعاً في سلاسل الطاقة، أو تؤثر في التكنولوجيا، أو تمتلك دوراً دبلوماسياً محورياً، باتت تملك وزناً يتجاوز حجمها التقليدي.

ومن هنا نفهم كيف أصبحت دول صغيرة نسبياً قادرة على لعب أدوار عالمية مؤثرة، لأن العالم لم يعد يتحرك بمنطق الأحجام فقط، بل بمنطق العقد الاستراتيجية داخل الشبكات الدولية. فالدول التي تستطيع الربط بين الأطراف، أو ضمان تدفق الطاقة، أو لعب أدوار الوساطة، أو توفير الاستقرار المالي والاستثماري، أصبحت عناصر لا يمكن تجاوزها في النظام الدولي.

في المقابل، أدى هذا التشابك أيضاً إلى تراجع فكرة العزلة. لم يعد بإمكان أي دولة أن تنأى بنفسها بالكامل عن أزمات العالم. حتى الدول التي تحاول تبني الحياد تجد نفسها متأثرة بتقلبات الأسواق، أو التوترات الأمنية، أو اضطرابات التجارة، أو التحولات التكنولوجية. لذلك، أصبحت إدارة العلاقات الدولية اليوم تقوم بدرجة كبيرة على إدارة الترابطات وليس فقط إدارة الصراعات.

كما أن هذا الواقع فرض تحدياً جديداً على صانع القرار السياسي: كيف يمكن حماية المصالح الوطنية دون الإضرار بالمصالح المشتركة؟ وكيف يمكن تحقيق الاستقرار الداخلي في عالم تتداخل فيه الأزمات الخارجية بشكل يومي مع الاقتصاد والأمن والإعلام وحتى الرأي العام المحلي؟

الأرجح أن العالم يتجه نحو مرحلة تصبح فيها القدرة على إدارة التشابك أهم من القدرة على فرض الهيمنة. فالقوة الحقيقية لن تكون فقط في امتلاك الموارد، بل في القدرة على فهم الترابطات المعقدة، والتحرك بمرونة داخلها، ومنع الأزمات من التحول إلى موجات عالمية يصعب احتواؤها.

ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول اليوم ليس فقط الصراع المباشر، بل سوء تقدير حجم الترابط القائم بين المصالح العالمية. لأن أي قرار محلي بات قادراً على إنتاج تداعيات عالمية، وأي أزمة بعيدة قد تتحول في لحظات إلى أزمة تمس الجميع.

اقرأ المزيد

ستة أشهر من الحرب.. ماذا تعلمنا وكيف نستعد للجولة القادمة؟ ستة أشهر من الحرب.. ماذا تعلمنا وكيف نستعد للجولة القادمة؟

بعد مرور ستة أشهر على اندلاع الحرب، ربما لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو ما الذي حدث خلالها؟،... اقرأ المزيد

306

| 01 سبتمبر 2026

من يخاف من سوريا مستقرة؟ من يخاف من سوريا مستقرة؟

ربما لم يعد السؤال الأهم في سوريا اليوم هو: من سينتصر فيها؟ بقدر ما أصبح: من يريد لها... اقرأ المزيد

303

| 25 أغسطس 2026

انتهت الستون يوماً.. فهل نبدأ التفاوض على التفاوض؟ انتهت الستون يوماً.. فهل نبدأ التفاوض على التفاوض؟

انتهت مهلة الستين يوماً التي وضعتها مذكرة تفاهم إسلام آباد للوصول إلى اتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران،... اقرأ المزيد

375

| 17 أغسطس 2026

مساحة إعلانية