رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صار نهجا متعمداً ومكرراً-كلما اقترب الوسطاء والمفاوضون إعلان في بيان مشترك من قادة الولايات المتحد وقطر ومصر يدعو للعودة لمسار المفاوضات في 15 أغسطس الجاري في الدوحة أو القاهرة لسد الثغرات بين الطرفين. وعدم إضاعة مزيد من الوقت وبدون تقديم أعذار من أي طرف لمزيد من التأجيل. لوقف حرب الإبادة الوحشية التي تجاوزت حدود المقبول!
يتلاعب نتنياهو كعادته في التعامل مع مطالبات التفاوض لأنه يرفض وقف حرب الإبادة. وفي الوقت الذي وافق على إرسال وفد مفاوض، يباغت نتنياهو الجميع وكعادته يأمر بتوجيه ضربة اغتيال جديدة بمسيرة بعد أقل من 24 ساعة ويغتال قياديا في حركة حماس في صيداء كبرى مدن جنوب لبنان. ما يؤكد أن نتنياهو هو المعرقل الأول لأي مبادرة أو وساطة تهدف لخفض التصعيد والتوصل لحل توافقي ينهي معاناة الفلسطينيين ويوقف حرب الإبادة الدامية في شهرها الحادي عشر! وفي اليوم التالي يصعد بغطاء وشراكة أمريكية مكشوفة وبدعم المتطرفين في ائتلاف حكومة أقصى اليمين بعمليات نوعية سواء بارتكاب مزيد من المجازر باستهداف مدارس ومأوى النازحين وآخرها إبادة أكثر من 100 بقصف مدرسة التابعين في غزة وهم يؤدون صلاة الفجر فجر يوم السبت! وهذا ما قلته وتوقعته في مقابلتي على قناة الجزيرة مساء الجمعة الماضي.
تجاوز عدد المجازر 3000 مجزرة منذ تفجر حرب الإبادة على شعب غزة النازح والنازف والجائع، يترافق ذلك بعمليات اغتيال نوعية في دمشق وبيروت وميناء الحُديدة وطهران لشخصيات قيادية من محور المقاومة.
تعمد جيش الاحتلال منهجيا بقصف والاعتداء على 13 مركز إيواء للنازحين المدنيين منذ مطلع أغسطس الجاري، ما يشجع نتنياهو والصهاينة على الولوغ بدماء الفلسطينيين. مستقوياً بدعم وتواطؤ إدارة بايدن وتسليحه وتغطيته بدعم من كونغرس الدمى الذي يصفق لجرائمه ومجازره بسلاح أمريكي..
قامت إسرائيل في 30-31 يوليو 2024 بعمليتي اغتيال نوعيتين باغتيال إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في طهران وقبلها اغتيال فؤاد شكر قائد العمليات العسكرية في حزب الله في معقل الحزب في ضاحية بيروت الجنوبية. متجاوزاً خطوط الاشتباك الحمراء على مدى عشرة أشهر. ما يهدد بتوسيع رقعة الحرب كما كانت الخشية منذ انطلاق عملية طوفان الأقصى والرد الإسرائيلي الوحشي وغير المتوازي. وصولا لارتكاب جرائم حرب إبادة وجرائم حرب ضد الإنسانية. وهو ما كان يحذر منه الكثيرون وعلى رأسهم الرئيس بايدن وإدارته. خاصة بعد استهداف إسرائيل بعملية اليد الطويلة على بعد 1800 كلم منشآت نفطية وكهربائية في ميناء الحديدة في اليمن في 21 يوليو الماضي-رداً على استهداف الحوثيين تل ابيب بمسيرة في اختراق أمني للدفاعات الإسرائيلية قبلها بأسبوع.
لا شك أن حسابات نتنياهو الخاطئة تراكم الخسائر باستمرار حرب إبادته الوحشية والعبثية في شهرها الحادي عشر. وباغتيال إسماعيل هنية في طهران ووضع العراقيل والشروط التعجيزية لتعطيل والتوصل لصفقة إطلاق سراح الرهائن والمحتجزين-كما يطالب الرئيس بايدن منذ أشهر.. تُضاف إلى الاعتداء على قنصلية إيران في دمشق مطلع شهر أبريل الماضي واغتيال القائد العسكري والميداني محمد رضا زاهدي، واغتيال القائد الميداني لحزب الله فؤاد شكر في معقل حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت قبل يوم من اغتيال إسماعيل هنية. ليعوض خسائره بعد فشله بتحقيق أي من أهدافه على مدى عشرة أشهر من حرب استنزاف وبلا أفق.
ذلك التصعيد والتطرف دفع حماس بالرد على حرب الإبادة وتعنت ومراوغات وافشال نتنياهو المتعمد للمفاوضات لتقلب الطاولة وتفاجئ وتصفع نتنياهو وتنتخب أكبر صقورها يحيى السنوار رئيسا لحركة حماس الذي يوصف بالمتشدد خليفة لإسماعيل هنية الذي كان يوصف بالبراغماتي صاحب الرأي الفصل والأخير داخل غزة والمفاوضات… كما يصفه بلنكين!
والسؤال كيف يؤثر تصعيد إسرائيل وانتخاب السنوار على مفاوضات وقف الحرب؟ خاصة وأن السنوار على قائمة اغتيال إسرائيل منذ سنوات وفشلوا مرات باغتياله ويمثل عقدة لنتنياهو وعصابته. بينما ترى شخصيات مثل عاموس يدلين رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (آمان) الأسبق: «إن إستراتيجية نتنياهو لتحقيق «النصر المطلق» تخدم إستراتيجية إيران بسحق إسرائيل بواسطة حرب استنزاف».
وبانتظار شكل وحجم رد محور المقاومة المشترك على عدوان إسرائيل المتكرر ولإعادة فرض معادلة الردع أكثر من الانتقام لاغتيال إسماعيل هنية وفؤاد شكر وقصف ميناء الحديدة، تنشط مساعي العودة للمفاوضات بعد شهر من توقفها بسبب تعنت ومماطلة وفرض نتنياهو شروطاً وعراقيل لإجهاض التوصل لوقف الحرب والتوصل لصفقة تبادل الأسرى والمحتجزين.
كعادته يستفز نتنياهو الجميع ويغتال بعد يوم من مطالبة بيان أمريكا وقطر ومصر باستئناف المفاوضات-ويغتال سامر الحاج القيادي في حركة حماس في مخيم عين الحلوة جنوب لبنان! ويرتكب مجزرة وحشية على مدرسة في حي الدرج في غزة. ويستمر بالتصعيد حتى يدفع الطرف الآخر لرفض المشاركة بالمفاوضات التي يزيد في كل جولة مطالبه لتعقيد الحل، ثم يتهم حماس والفصائل الفلسطينية بالتعنت ويحملها المسؤولية بإفشال المفاوضات، بينما الواقع والحقيقة هي العكس تماماً.
السؤال المهم إلى متى يتحمل الوسطاء وخاصة الوسيط القطري الذي بذل جهوداً جبارة الاستمرار في وساطتهم التي من الواضح أنها تدور في حلقة مفرغة نتيجة التصعيد وتعنت ونهج نتنياهو وعرقلته المتكررة لإفشال جميع مبادرات الوساطات لخفض التصعيد والتوصل لحل توافقي يُوقف حرب إبادته الدامية ومعاناة ونزف الفلسطينيين في غزة! وفضح بالاسم إسرائيل التي تتعمد نسف المفاوضات!
للأسف التصعيد يجر المنطقة لحرب شاملة، ويُفشل وقف حرب إبادة عتاة اليمين المتطرف المهووس بجنون الانتقام وإجهاض مفاوضات السلام، للبقاء في السلطة بتواطؤ الغرب وعجز العرب وفشل لجم نتنياهو وعصابته الفاشية!
مستقبل المظلة الأمريكية والأمن الخليجي بعد حرب إيران
تساءلت في عدة دراسات أكاديمية ومقالات تحليلية ومقابلات تلفزيونية في السنوات الماضية عن مستقبل الدور الأمريكي في تأمين... اقرأ المزيد
297
| 13 سبتمبر 2026
حدود القوة.. كيف تستنزف حروب الحسابات الخاطئة القوى الكبرى؟
دخلت الحرب الأمريكية على إيران شهرها السابع من دون انتصار حاسم، ومن دون تسوية سياسية تقبل طهران بموجبها... اقرأ المزيد
414
| 06 سبتمبر 2026
هل ينجح الوسطاء.. قطر وعُمان وباكستان بمنع عودة الحرب ؟
بانقضاء ستة أشهر على حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران- نشهد مراوحة اللاحرب - واللاسلم - المنهكة والمكلفة،... اقرأ المزيد
198
| 29 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3345
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
1371
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1212
| 01 أكتوبر 2026