رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تواجه دول مجلس التعاون الخليجي فرصاً وتحديات عديدة هذا العام - بعد نجاح دولنا الست مجتمعة بلعب دور قيادي في النظام السياسي والأمني العربي، تمثل باستضافة قمم عربية وخليجية وإسلامية استضافتها المملكة العربية السعودية ودولة الكويت- وحتى الوساطة بين روسيا وأوكرانيا لإطلاق سراح متبادل للأسرى. ووساطة قطر المستمرة لوقف حرب الإبادة على غزة برغم جميع العراقيل والشروط التعجيزية التي يضعها نتنياهو وحكومته المتطرفة. إضافة للتحولات الكبيرة والسريعة التي شهدها عام 2024 من الخليج إلى المتوسط وضرب إيران ومحورها وسقوط نظام الأسد وتوسع عدوان واحتلالات إسرائيل، وصولاً لدخول اليمن حلبة الصراع والمواجهة وأمن البحر الأحمر وبحر العرب. وانتهاء بالترقب والقلق من عودة ترامب إلى الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية.
ومع ذلك وبالرغم من زلازل منطقتنا بحرب إبادة إسرائيل على غزة في شهرها الخامس عشر، والانتكاسات المتلاحقة لمحور المقاومة وإيران قائدة المحور وحلفائها في غزة ولبنان واليمن - واغتيالات قادة حماس وحزب الله وتوجيه ضربات داخل إيران نفسها، وسقوط نظام الأسد في سوريا يضرب نفوذ إيران بخسارة استراتيجية، كما يعترف قادة الحرس الثوري الإيراني، ويعمق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.
ونجاح دفع مقاربات وضغوط الولايات المتحدة وفرنسا وأوروبا والطرف الخليجي بانتخاب الرئيس جوزيف عون بعد 25 شهرا من الفراغ الرئاسي في لبنان-وتأكيد الرئيس الجديد بخطاب التنصيب على الحياد الإيجابي ووجوب احتكار الدولة السلاح في لبنان، ما يعني تجريد سلاح حزب الله برغم صعوبة وعدم وضوح كيفية تحقيق ذلك، وعزمه تطوير أفضل العلاقات مع «الأشقاء العرب». ما يعني انتزاع لبنان من نفوذ حزب الله وإيران ولو بشكل تدريجي وعودة لبنان إلى الحضن العربي، وهذا تطور لافت يقوض من نفوذ إيران محورها ويضعف محورها.
كما أن فوز وعودة ترامب للرئاسة في الولايات المتحدة وتوعده بفرض المزيد من العقوبات على إيران وحتى التماهي مع ضغوط ومطالب نتنياهو بتحجيم قدرات وبرنامج إيران النووي يزيد الضغط المتزايد على إيران.
فاز الرئيس دونالد ترامب، برغم ملاحقته بـ 34 تهمة جنائية فيدرالية وفي ولايتي نيويورك وجورجيا بالتدخل بانتخابات الرئاسة عام 2020-وتحريض أنصاره على اقتحام الكونغرس في موقعة الكونغرس الشهيرة لتعطيل المصادقة وتثبيت الرئيس المنتخب بايدن حينها، وصفها البعض بأشبه بأول انقلاب سياسي في أمريكا والديمقراطيات الغربية، وإدانته بتهمة التحرش بالكاتبة الصحفية جي ايه جي كارول قبل عقود في نيويورك، وقضية التلاعب والاحتيال المالي بمؤسسة ترامب ومنعه التعامل المالي والاستثماري ورئاسة شركات في نيويورك...وأصبح ترامب أول رئيس منتخب مدان لكن دون عقوبة السجن، بقضية «شراء الصمت» بدفع أموال للممثلة الإباحية ستورمي دانليز لعدم فضح العلاقات معها في انتخابات الرئاسة عام 2016. لتلك الأسباب كانت التوقعات استحالة فوزه، بل سينتهي به المطاف بالسجن، لكنه خالف توقعات الكثيرين وفاز بالرئاسة ثانية.
تعلّم ترامب من تجربته الرئاسية الأولى مكانة ودور وأهمية استقرار وأمن الدول الخليجية. فلا مجال للمخاطرة بحالة الاستقرار الخليجي، برغم الأعاصير والزلازل المحيطة بنا. وكذلك يدرك ترامب نفسه، ورغبة دول الخليج، وكذلك إيران للحاجة وأهمية عدم الإخلال بالأمن والابتعاد عن التصعيد غير المدروس والمجدي، الذي لا يرغب فيه أحد سوى نتنياهو ووزرائه المتشددين. ولتهديده الاستقرار وأمن الطاقة وانعكاساته السلبية على الاقتصاد العالمي. وكان لافتا استنكار وتنديد دول مجلس التعاون الخليجي بالاعتداءات الإسرائيلية على «سيادة إيران ومخالفتها للقوانين والأعراف الدولية».
لذلك منطقيا وعقلانياً سيمتنع ترامب عن التصعيد العسكري ضد إيران، وذلك لتداعياته الخطيرة على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وعلى المنشآت النفطية والحيوية على الحلفاء الخليجيين، التي هددت إيران بضربهم، على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، وحتى على استثمارات ومصالح ترامب وشركاته ومؤسساته التي توسع حضورها في دول مجلس التعاون الخليجي!.
خاصة أن تركيز وأولويات دول مجلس التعاون الخليجي تقديم الجيو-اقتصادي على الجيو-سياسي لتحقيق رؤى دول مجلس التعاون لعام 2030 و2035 و2040-بتنويع مصادر الدخل وتقليص الاعتماد على عوائد النفط والاندماج أكثر في الاقتصاد العالمي-وذلك يتطلب الاستقرار والالتفات لتعزيز التحالفات والامتناع عن التصعيد. ما سيعزز أمن منطقة الخليج العربي بضفتيه. ويمكّن جميع الأطراف بالخروج بمعادلة رابح-رابح.
كتبت قبل شهر في الشرق عن مكانة دول مجلس التعاون الخليجي موضحا بأرقام واحصائيات المكانة الرائدة التي تحتلها دول المجلس ما يؤهلها لقيادة النظام العربي. أبرزها: بتجاوز مجمل الناتج الإجمالي لدول المجلس الست 1.2 تريليون دولار، يجعل اقتصادات المجلس في المركز 12 عالميا. وتجاوزت أصول صناديق الثروات السيادية الخليجية مجتمعة للإمارات والسعودية وقطر والكويت 4.4 تريليون دولار أمريكي، وتشكل أكثر من ثلث مجموع أصول أكبر 100 صندوق ثروة سيادية في العالم. ويبلغ مجمل الإنتاج النفطي الخليجي 16.7 مليون برميل نفط يومياً، الأول عالميا. وتحتل دول مجلس التعاون الخليجي المرتبة الأولى عالمياً باحتياطات النفط بواقع 511 مليار برميل نفط. والأولى باحتياطات الغاز الطبيعي بـ 44.2 مليار قدم مكعبة، والمرتبة الثانية في تسويق الغاز المسال عالميا 463.5 مليون متر مكعب. ووقعت دول مجلس التعاون الخليجي اتفاقيات تجارة حرة مع 10 شركاء تجاريين أبرزها الصين-ثاني أكبر اقتصاد عالمي، والمملكة المتحدة والهند وكوريا الجنوبية..
ومع بداية عام 2025 رسخت دول مجلس التعاون الخليجي مكانتها اللاعب الأكثر تأثيرا ومركز الثقل في النظام العربي وتشكيل وصياغة الموقف العربي. شهدنا ذلك في مواقف ومناسبات وفي القمم والمواقف خلال الأعوام الماضية. صارت دول مجلس التعاون الخليجي في موقع مميز يمنحها كثيرا من الفرص، لكن يرافق ذلك كثير من التحديات والتهديدات التي تفرض علينا التعامل معها بتوازن وحكمة.
مستقبل المظلة الأمريكية والأمن الخليجي بعد حرب إيران
تساءلت في عدة دراسات أكاديمية ومقالات تحليلية ومقابلات تلفزيونية في السنوات الماضية عن مستقبل الدور الأمريكي في تأمين... اقرأ المزيد
294
| 13 سبتمبر 2026
حدود القوة.. كيف تستنزف حروب الحسابات الخاطئة القوى الكبرى؟
دخلت الحرب الأمريكية على إيران شهرها السابع من دون انتصار حاسم، ومن دون تسوية سياسية تقبل طهران بموجبها... اقرأ المزيد
414
| 06 سبتمبر 2026
هل ينجح الوسطاء.. قطر وعُمان وباكستان بمنع عودة الحرب ؟
بانقضاء ستة أشهر على حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران- نشهد مراوحة اللاحرب - واللاسلم - المنهكة والمكلفة،... اقرأ المزيد
195
| 29 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4617
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1278
| 28 سبتمبر 2026