رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- إعمار غزة بين التصريح الصريح والموقف الصحيح
- دول المنطقة ليست «الممول الرسمي» لمخططات الغرب المنحاز لإسرائيل
- الغرب يطالب روسيا بإعمار أوكرانيا.. ولا يطبق ذلك على إسرائيل التي دمرت غزة!
راق لي جدا، وأعجبني كثيراً، التصريح الصريح، والكلام الفصيح، الذي أطلقه معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، خلال المقابلة التي أجراها مؤخرا، مع المعلق الأمريكي تاكر كارلسون على هامش منتدى الدوحة 2025، بخصوص عدم التزام قطر بدفع فاتورة إعمار ما أحدثته إسرائيل في قطاع غزة، من خراب ودمار.
فهذا التصريح الواضح في مفرداته والظاهر في كلماته يتسم بالواقعية السياسية، بعيداً عن الوقيعة الدبلوماسية، ويعكس موقف القطريين جميعاً شعباً وحكومة.
ويعبر عن الوعي العميق والفهم الدقيق لوقائع الواقع السياسي الحالي المرتبط بالشأن الفلسطيني.
خاصة أن حكومة الاحتلال هي الطرف المعتدي، الذي ينبغي أن يتحمل تكلفة إصلاح الأضرار، وتكاليف الإعمار، وإزالة آثار الدمار، الذي تسبب فيه جيشها الغدار، ولا أقول المغوار، خلال عدوانه على القطاع الفلسطيني المدمر.
ويأتي هذا التصريح، في خضم هشاشة النظام الدولي الفوضوي، الذي يفتقر إلى الانضباط، ويفتقد الضوابط القانونية والأخلاقية، التي تلزم إسرائيل بتنفيذ القرارات الأممية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.
وليس مستغرباً ولا مستهجناً ولا مستعجباً ولا مستنكراً، إطلاق هذا التصريح، الذي يؤكد فيما يؤكد، في فحواه وصداه ومداه، التزام قطر بموقفها الثابت والدائم والداعم للقضية الفلسطينية.
وهذا يعتبر أمراً مسلماً، غير قابل للنقاش أو الانتقاص، وخصوصاً بعد تأكيد معالي رئيس مجلس الوزراء، على استمرارية التمويل القطري للفلسطينيين، الذي سيكون مقتصراً على تقديم المساعدات الإنسانية.
مع التزام الدوحة بمواصلة دعمها الكامل والشامل، للشعب الفلسطيني الشقيق، وبذل قصارى جهدها لتخفيف معاناته.
بالإضافة إلى رفض كافة المحاولات الصهيونية، لتصفية القضية الفلسطينية، سواء عبر مشاريع التهجير القسري، أو التوسع الاستيطاني.
ورفض المساعي الغربية لفرض حلول ناقضة أو ناقصة، تنتقص من الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.
ويأتي التصريح القطري في سياق مواقف دول مانحة أخرى، تصر على أنها لن تقدم أموالاً لإعمار ما دمرته إسرائيل في غزة، في ظل غياب مسار سياسي واضح يؤدي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، ومستقرة، قابلة للحياة، تنبض فيها روح فلسطين الحرة، بكل تاريخها وجميع هويتها، وكافة ثقافتها وسيادتها وسياستها، وحقوقها المشروعة، ولسانها العربي، الذي يلهج بلغة الضاد، ورأسها المرفوع عالياً، وعنقها الشامخ، الذي تلتف حوله «الكوفية» الفلسطينية.
ويؤكد هذا التصريح، فيما يؤكد، أن هناك إدراكاً قطرياً كاملاً، أن الوضع الفلسطيني الواهن والحال الراهن، لا يتحمل أي خروقات إسرائيلية، أو تجاوزات صهيونية، تؤدي إلى توسيع رقعة الفراغ الهائل في قطاع غزة.
وهذا يتطلب وعياً سياسياً أكثر ونضجاً معرفيا أكبر لفهم المتغيرات والمستجدات في العلاقات، من خلال تبني الواقعية السياسية، التي تؤدي إلى تبني القرار المناسب، الذي ينسجم مع مصالح الدولة، ويتوافق مع ما يريده نسيجها الوطني.
وأستطيع القول إن الواقعية السياسية التي تنتهجها قطر تعبر عن المناهج الأساسية، في العلاقات الدولية، التي تستند إلى مواقف عقلانية.
بعيداً عن «الدوغمائية»، التي تعني الجمود السياسي المؤدي إلى تمرير مواقف، تتعارض مع المصلحة الوطنية والقومية.
ولأنهم في الغرب الأوروبي المنحاز لإسرائيل، يلجؤون إلى مجالسهم التشريعية لإقرار قوانينهم، المتعلقة بشؤون وقضايا الشرق الأوسط.
ولأن إسرائيل تقوم بتمرير قراراتها المثيرة للجدل عبر «الكنيست»، وهو مجلسها النيابي، لإضفاء الصيغة الإلزامية على مواقفها المتعلقة بانتهاك الحقوق الفلسطينية.
أدعو مجلس الشورى الموقر، لتأكيد وتوثيق تصريح معالي رئيس مجلس الوزراء، بشأن عدم التزام قطر، بدفع فاتورة إعمار ما دمرته إسرائيل في قطاع غزة.
للتأكيد أمام الرأي العام العالمي، بأن ذلك يعكس موقفاً وطنياً جامعاً، يمثل جميع مكونات الشعب القطري.
وأقولها بكل الوضوح والصراحة والشفافية، لا ينبغي النظر إلى دول المنطقة، على أنها «الممول الرسمي» لمخططات الغرب المستنكرة، ومشاريعهم المستهجنة.
ولا ينبغي التعامل معنا، بأننا «الدافع الرئيسي» لفاتورة إعمار الحواجز والمناطق الفلسطينية، التي دمرتها إسرائيل في قطاع غزة، بسبب انحياز الغرب لها ودعمهم لعدوانها.
ولا يمكن القبول بذلك، قطرياً، وخليجياً، وعربياً وقانونياً، وسيادياً، وسياسياً، ومنطقياً.
والغريب، العجيب، المريب، أن دول الغرب الأوروبي تطالب روسيا بدفع فاتورة إعمار أوكرانيا،
لكنها لا تطبق هذا المبدأ على إسرائيل، التي دمرت قطاع غزة تدميراً ساحقاً ماحقاً، بدعم أمريكي وإسناد أوروبي.
ولا يخفى على أحد أن الدول الأوروبية قدمت لإسرائيل أنواعا متعددة، وأشكالاً متنوعة من الدعم المباشر وغير المباشر، تم توزيعه على القطاعات السياسية والعسكرية، والاستخبارية، والاقتصادية، والتكنولوجية، في الكيان الصهيوني.
وهي بهذا الموقف غير الأخلاقي تعتبر شريكا أساسيا في جريمة تدمير قطاع غزة، وينبغي أن تساهم بالنصيب الأكبر لإعادة إعماره.
ولا أنسى وجود مؤسسات غربية حكومية ساهمت بشكل مباشر في تمويل العدوان الصهيوني على قطاع غزة، عبر شراء السندات الحكومية الإسرائيلية، التي تحولت إلى أداة وآلية مباشرة لتمويل الإبادة، ضد أكثر من مليوني فلسطيني.
وتظهر هذه الحقيقة التناقض الفاضح ولا أقول الواضح فحسب، بين الخطاب الأوروبي المناهض للعدوان الروسي على أوكرانيا، ومطالبة روسيا بتسديد فاتورة الإعمار.
وتطبيقات هذا القرار على أرض الواقع عندما يتعلق الأمر بالعدوان الصهيوني على قطاع غزة، مما يؤكد ازدواجية المعايير الأوروبية، بعيداً عن القيم الأخلاقية، والضوابط القانونية، والالتزامات الإنسانية.
وفي سياق مقالي عن قواعد الإعمار، لا أكشف سراً من الأسرار، عندما أوجه أصابع الاستنكار إلى دول أوروبية، تصدرت المشهد الدرامي الدامي، الذي يغطي القطاع الفلسطيني.
وفي مقدمتها ألمانيا التي يقتضي الواجب الأخلاقي، والإنساني، والسياسي، أن يكون لها دور رئيسي، في إعادة إعمار ما دمرته، شريكتها التجارية، وحليفتها الاستراتيجية في قطاع غزة، بحجة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها.
والمعيب أنها تتباهى بأن دعم إسرائيل يشكل مبدأ راسخاً في سياستها، منذ عقود وعهود.
وتتفاخر بأن الوقوف إلى جانب إسرائيل ودعمها سياسياً وعسكرياً، يشكل النواة الأساسية لسياستها في المنطقة.
رغم حملة الإبادة التي مارستها وتمارسها حكومة التطرف الصهيوني ضد أهالي غزة.
ورغم القتل والقمع والاعتقال الذي يستهدف الأبرياء ويتعارض مع حقوق الإنسان.
ورغم سلوك الجيش الإسرائيلي المشين وعمله المهين، الذي يخرج عن إطار القانون الدولي اللاإنساني، ويشكل انتهاكاً لحقوق الإنسان.
ورغم عرقلة إسرائيل لمبدأ حل الدولتين وقيامها بتوسيع مشاريع الاستيطان، الذي يعتبر واحداً من أعمال الشيطان الصهيوني.
ولأن معظم دول الغرب الأوروبي لم تفعل ما يمكن فعله، لتجنب المدنيين الفلسطينيين ويلات العدوان الصهيوني.
ولأنها لم تتحرك ميدانياً لوقف الدمار الهائل الذي أحدثته الآلة العسكرية الإسرائيلية، في القطاع الفلسطيني.
ولأنها لم تقدم ما يمكن فعله، لوقف الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، ولم تستخدم الأدوات القانونية المتاحة دولياً، لوقف الدمار.
ولأنها كانت متواطئة، قولاً وفعلاً وتفاعلاً مع إسرائيل، في عدوانها المشين على الفلسطينيين.
ولكل هذا، وذاك، وهذاك، من ذلك النوع الأبشع والأقذر، بين كل أنواع الانحياز الغربي لإسرائيل،
ينبغي على دول الغرب الأوروبي، التي دعمت حكومة الإرهابي نتنياهو، في عدوانه الوحشي على أهالي غزة، وساهمت بشكل مباشر وغير مباشر، في تدمير حواضرهم وبيوتهم ومدارسهم ومستشفياتهم، وأبراجهم، و«بياراتهم»، وقدمت السلاح، والعتاد العسكري، والغطاء السياسي، والدعم اللوجستي والاستخباراتي، الذي ساهم في تدمير القطاع الفلسطيني.
أقول بملء فمي وبأعلى صوتي: ينبغي على هذه الدول مجتمعة أن تتحمل تكلفة الإعمار، وإزالة آثار الدمار، وإصلاح كافة الأضرار، في قطاع غزة المنهار.
«أحياء عند ربهم».. يرزقون من ثمار الجنة ونعيمها
- شـهـــداء قطــر.. شرفــاً.. ومجــداً.. وفخــراً -صاحب السمو.. قائد بحكمته.. زعيم بحنكته.. أمير بإنسانيته - سقوط المروحية.. جعلنا... اقرأ المزيد
7020
| 30 مارس 2026
إيران.. وإستراتيجية العدوان على الجيران
-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة الإيجابية -قطر بادرت عام 2007 بدعوة نجاد كأول رئيس إيراني... اقرأ المزيد
2736
| 07 مارس 2026
تحية مطرزة بالفخر.. لمنظومتنا الدفاعية
-الفخر بقيادتنا الحكيمة.. والشكر لحكومتنا الرشيدة - دفاعاتنا الجوية نجحت في إسقاط صواريخ العدوان ومسيرات إيران - الاستهداف... اقرأ المزيد
1560
| 02 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8892
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4791
| 22 سبتمبر 2026
بين تعميمين أسبوع واحد. في الثالث من سبتمبر 2026 عمّمت إدارة شؤون المدارس والطلبة بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي حظر استخدام العقاب مع الطلبة بكل أشكاله: البدني واللفظي والنفسي، وكل ممارسة تُسيء إلى الطالب أو تؤثر سلبًا في سلامته وتكيفه مع البيئة المدرسية. وفي العاشر منه دشنت الوزارة سياسة إدارة سلوك الطلبة بالمدارس ورياض الأطفال الحكومية ودليلها التنظيمي. الخطوتان صحيحتان، والأسبوع الفاصل بينهما هو المشكلة: كان كافيًا ليستقر في الأذهان أن الحظر جاء بلا بديل، فامتلأ النقاش العام بعبارة «من أمن العقوبة أساء الأدب» قبل أن يصل خبر البديل. والحظر ليس مستجدًّا حتى يُفهَم هكذا. قرار وزير التربية والتعليم رقم (3) لسنة 1993 يمنع العقاب البدني، والقرار رقم (57) لسنة 2001 يحظر أي شكل من أشكال العنف ضد الأطفال والطلبة، وقد ذكرت الوزارة بهما في تعميم سابق عام 2024. أي أن عمر الحظر ثلاثة عقود، وأن الجديد في سبتمبر هو البديل لا المنع. لكن البديل، كما أُعلن، يرتب سلوك الطالب ولا يُعلن ما يقابله: الإجراء الذي يحمي المعلم حين تُرفع في حقه شكوى غير صحيحة. وهذه بعينها الثغرة التي دفعت كوريا الجنوبية ثمنها. حظرت العقاب البدني المباشر في مدارسها في مارس 2011 بتعديل اللائحة التنفيذية لقانون التعليم الابتدائي والثانوي، وتركت المعلم وحده أمام الشكوى. وبعد اثنتي عشرة سنة، وعقب احتجاجات واسعة للمعلمين في صيف 2023، أقرّ البرلمان في 21 سبتمبر 2023 أربعة تعديلات عُرفت بقوانين استعادة حقوق المعلم: تشدد معايير مساءلته بتهمة إيذاء الطفل، وتمنع إيقافه تلقائيًّا عند مجرد الاتهام، وتمنع مدير المدرسة من التهوين أو الإخفاء. وكانت الكلفة قد ظهرت في الأرقام قبل ذلك: 1133 معلمًا تعرضوا لمضايقات من هذا النوع بين 2018 و2022، و589 معلمًا خدمتهم أقل من خمس سنوات تركوا المهنة في عام واحد مقابل 303 في العام السابق. ثم ألغى مجلس سول لائحة حقوق الطلاب بعد اثنتي عشرة سنة من سنّها، لأنها أُخذت على إغفالها المعلم. والمسألة عندنا مقاسة لا متوهَّمة. في تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن نتائج قطر في برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA) لعام 2022، أفاد نحو 26% من الطلبة بأنهم لا يستطيعون العمل جيدًا في معظم الحصص أو كلها، و33% بأنّ الطلبة لا يستمعون إلى ما يقوله المعلم. فالمعلم يواجه مشكلة ضبط حقيقية، وحين يُسحب منه أسلوبٌ قديم ولا يُسلَّم إجراءً مضمونًا، فأقصر الطرق أمامه أن ينسحب من التدخل أصلًا: لا يُقوّم ولا يوثق ولا يبلّغ. وهذا الانسحاب أضرّ من العقاب، لأنه لا يُرى ولا يُحصى. وقد تردد في الأيام الماضية على ألسنة المعلمين والمعلمات ومديري المدارس قلق من تلاشي صورة المعلم المهيب، وأن يحل محلها موظف يؤدي ولا يربي. والخاسر الأكبر في هذه المبادلة هو التعليم نفسه. والمطلوب أن يُستكمل الدليل التنظيمي بطرفه الثاني، في ثلاث خطوات متسلسلة: أن تُنقل الشكوى من عاتق المعلم إلى فريق مدرسي مختص يتلقاها ويحقق فيها، فلا يبقى المعلّم خصمًا وشاهدًا في الوقت نفسه. وأن يُنص صريحًا على أن التوجيه التربوي المنضبط الموصوف في السياسة نفسها ليس إساءةً بحكم التعريف، وأن الاتهام وحده لا يترتب عليه إجراء في حق المعلم قبل التحقيق. وأن يُدرب الأخصائيون النفسيون والاجتماعيون على تشغيل السياسة لا على تلقّي نصها، فهم من ستُحال إليهم الحالات. وهذه الخطوات مجتمعةً تُقيم التوازن في الإجراءات والتوجيهات الإدارية، فلا تُكتب لطرف على حساب طرف. ويبقى أن تُفتح هذه الزاوية الحساسة على الشفافية. فعدد حالات السلوك المسجلة، ومتوسط زمن معالجتها، وعدد الشكاوى المرفوعة على المعلمين وما ثبت منها، مؤشرات ثلاثة إن أُعلنت سنويًّا قومت المسار وحفظته. فما لا يُقاس لا يُدار. أسبوع واحد فصل بين المنع والبديل، ولو صدرا معًا لاستُغني عن هذا كله. والأصل أن يخرج الحظر وطرفه المقابل في وثيقة واحدة، يستقيم بها التوازن في المحيط المدرسي فلا يطغى طرف على طرف. فحماية الطالب وحماية المعلم ليستا خطوتين متعاقبتين، بل وجهان لإجراء واحد.
3321
| 16 سبتمبر 2026