رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ختمت مقالي الأسبوع الماضي في الشرق بالتساؤل «إلى متى يتحمل الوسطاء وخاصة الوسيط القطري الذي يبذل جهوداً جبارة للتوصل لوقف حرب الإبادة، بسبب تصعيد وتعنت نتنياهو بعرقلته المتكررة لإفشال جميع مبادرات الوساطات لخفض التصعيد والتوصل لوقف نزف ومعاناة ومآسي الفلسطينيين في غزة». وحذّرت «التصعيد يُفِشل مفاوضات وقف حرب إبادة عتاة اليمين المتطرف، ويجر المنطقة لحرب شاملة».
وكان لافتا تعليق رئيس الوزراء الشيخ محمد بن عبدالرحمن بعد اغتيال إسماعيل هنية: «نهج الاغتيالات السياسية والتصعيد المقصود ضد المدنيين في غزة في كل مرحلة من مراحل التفاوض، يدفع إلى التساؤل. كيف يمكن أن تجري مفاوضات يقوم فيها طرف بقتل من يفاوضه في الوقت ذاته»؟.
في الشهر الحادي عشر من حرب نتنياهو وعتاة اليمين الفاشي-وزير الأمن الداخلي بن غفير الذي دنس باحات المسجد الأقصى في ذكرى دمار المعبدين الأول والثاني المزعوم، مع قطعان المستوطنين يؤدون الصلوات التلمودية-بحماية الشرطة ليكرسوا واقعا جديدا على الأرض بتثبيت حق توزيع المكان والزمان في استفزاز لملياري مسلم-وخرقاً لوصاية إشراف الأوقاف الأردنية على الأماكن المقدسة في القدس المحتلة. الخطورة في حال تصاعد وتفاقم هذا الواقع الكارثي تفجير حرب دينية تترافق مع حرب إبادة الصهاينة بتجاوز حصيلته 40 ألف شهيد و10 آلاف آخرين شهيد قضوا تحت الأنقاض. ما يرفع عدد الشهداء لأكثر من 50 ألفا و100 ألف مصاب. إضافة إلى إبادة أسر بأكملها تم شطبهم من سجل النفوس الرسمي! إضافة لآلاف الأيتام والأرامل في نزوحهم المتكرر ما يعمق أكبر مأساة إنسانية وغير مسبوقة بحجمها وآثارها وتداعياتها.
كما تساهم القبضة الحديدية وسياسة القتل والاقتحامات الممنهجة بقتل أكثر من 630 فلسطينيا في الضفة الغربية منذ تفجر طوفان الأقصى. وتعمق سياسات سموترتش وزير المالية المتطرف المسؤول عن تهويد الضفة الغربية ومصادرة أراضي الفلسطينيين ورفض تحويل أموال الضرائب للسلطة الفلسطينية ما يقوض دورها وقدرتها، بالإضافة لخوضه حرب تطهير عرقي ومصادرة آلاف هكتارات الأراضي وبناء وتوسيع المستوطنات وتغطية وحماية اعتداءات قطعان المستوطنين وحرق منازل وممتلكات ومزارع وسيارات الفلسطينيين في الضفة الغربية باعتداءات يومية وترهيب بغطاء من حكومة نتنياهو.
ترتكب قوات الاحتلال قتل وعدوان ممنهج في القدس والضفة الغربة-واعتقال الاحتلال الإسرائيلي تعسفياً وإدارياً وبلا محاكمات حسب احصائيات نادي الأسير الفلسطيني أكثر من 10 آلاف فلسطيني- في الضفة الغربية والقدس المحتلة منذ عملية طوفان الأقصى-بينهم 345 امرأة و700 طفل و94 صحفياً وحتى 15 أغسطس الجاري. في تصعيد خطير ويصرف الأنظار عن جرائمه في حرب منسية يستغلها الاحتلال الإسرائيلي بحرب إبادته على غزة لفرض واقع جديد يضاف لمآسي الصهاينة في غزة.
وآخرها اعتداء المستوطنين وإحراق منازل وسيارات وعربات الفلسطينيين على قرية «جيت» في الضفة الغربية-أدت لاستشهاد فلسطيني وإصابات برصاص المستوطنين-انتقد نتنياهو الاعتداء دون ردع وعقوبة المستوطنين. وتهدد أمريكا وأوروبا بفرض عقوبات على المعتدين وليس على إسرائيل التي تغطي جرائمهم! في تبادل فج للأدوار ومسرحيات مفضوحة!.
استنكر نتنياهو الأسبوع الماضي مرتين: هجوم المستوطنين المدعومين والمغطين من وزرائه المتطرفين، وحرق وإتلاف وقتل فلسطينيين في الضفة الغربية وتنديده قبل أيام اقتحام مستوطنين مع وزيرين من حكومته لباحات المسجد الأقصى وسط تنديد عربي وإسلامي وحتى انتقادات لا تقدم ولا تؤخر من حكومات أوروبية والولايات المتحدة الأمريكية.
اللافت هو تحرك بايدن للجم نتنياهو واستخدام العصى للمرة الأولى بتأكيده «لا ينبغي لأحد في الشرق الأوسط تقويض التوصل لاتفاق وقف أطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن» بينما يستمر نتنياهو بالمراوغة والتظاهر بالتفاوض لوقف إطلاق النار كما يضغط بايدن والمفاوضون وخاصة الوسيط القطري.
لكن لا يبدو هناك اختراق حول مبادرة الرئيس بايدن بالانسحاب من المناطق المأهولة في غزة ومعبري نتساريم وفيلادلفيا ومعبر رفح الحدودي وعودة المهجرين الفلسطينيين إلى شمال قطاع غزة.
ويبذل الرئيس بايدن والوسطاء جهوداً مضنية لمنع تمدد المواجهات لحرب إقليمية- سعّرها نتنياهو باغتيال إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في طهران نهاية شهر يوليو، في تعد على سيادة إيران وهز صورة مكانتها وإحراجها مع محورها بصفتها قائدة «محور المقاومة». واغتيال قائد حزب الله الميداني فؤاد شكر في معقل حزب الله في بيروت. وسبق ذلك قصف بيد إسرائيل الطويلة ميناء الحديدة في اليمن منتصف يوليو الماضي.
يسطر القلق بانتظار رد إيران وحلفائها على الاعتداءات والاستفزازات المستمرة من نتنياهو ووزرائه المتطرفين. الذين يهددون نتنياهو بالانسحاب واسقاط حكومته في حال صادق على صفقة وقف إطلاق النار مع حماس ويصفون ذلك بالتنازل غير المقبول! وهكذا بات نتنياهو رهينة لليمين المتطرف! لذلك يراوغ ويتحدى بايدن ويضيف شروطا جديدة لجولات التفاوض. وفي المقابل يصعد باستفزازات واعتداءات بارتكاب مجازر-وآخرها المسجد الملحق بمدرسة التابعين- واستشهاد أكثر من100 مصل أثناء صلاة الفجر في غزة، واغتيالات لقيادات في الخارج، في سعي دائم ودؤوب لإفشال المفاوضات.
بدأت قبل يومين جولة جديدة من المفاوضات في الدوحة بمشاركة الطرفين الأمريكي دون مشاركة حماس، ويبدو أن الرئيس بايدن يضغط هذه المرة بشكل غير مسبوق ويرفض أن يعمد أي طرف لتقويض مساعي التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار في تلميح واضح لنتنياهو. وانتقلت جولة المفاوضات إلى القاهرة وسط تفاؤل حذر بتحقيق اختراق.
لكن برغم إصرار وحسن نوايا الوسطاء، ما لم يمارس بايدن ضغوطاً ويفضح عبث نتنياهو ويتهمه علناً بإفشال المفاوضات، ويضغط لتفكك تحالفه، وتدفيعه كلفة تعنته ومماطلاته، سيبقى الدوران في حلقة مفرغة، وتستمر مآسي حرب الإبادة!.
نجاح المفاوضات سيوقف حرب الإبادة وينهي عبث وصلف نتنياهو ويمنع حربا إقليمية واسعة وينقذ بايدن إرثه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4665
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3318
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1179
| 01 أكتوبر 2026