رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أعاد الإعلام العربي نشر تصريحات "هنري كيسنجر" مستشار اﻷمن اﻷمريكي، ووزير الخارجية السابق في عهد ريتشارد نيكسون، أطلقها منذ عدة أشهر وأنهاها قائلا: "إن طبول الحرب تدق ومن ﻻ يسمعها فهو مصاب بالصمم".أيا كانت أسباب استعادة التصريحات، غير أنه ليس من الحكمة تركها تمر دون محاولة إدراك أبعاد ما يمكن أن تعنيه، خاصة أن حالة الفوضى، وتهديدات الحرب وحركة الأساطيل لم تنقطع عن المنطقة العربية منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، والحديث عن النظام العالمي الجديد، والذي كان يومها أيقونة الحديث السياسي.
ولنر ماذا قال كيسنجر، ثم كيف نضعه في سياق الخيارات الأمريكية الغربية، فمما نقل من تصريحاته: "أن ما يجري حاليا هو تمهيد للحرب العالمية الثالثة التي سيكون طرفاها هما روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى ". وقال كيسنجر "إن الدوائر السياسية والإستراتيجية اﻷمريكية طلبت من العسكريين احتلال سبع دول شرق أوسطية من أجل استغلال مواردها الطبيعية خصوصا النفط والغاز مؤكداً أن السيطرة على البترول هي الطريق للسيطرة على الدول أما السيطرة على الغذاء فهي السبيل للسيطرة على الشعوب".
وأكد "أن العسكريين اﻷمريكيين حققوا هذا الهدف تقريبا أو هم في سبيلهم إلى تحقيقه استجابة لطلباتنا، وبقي حجر واحد علينا إسقاطه من أجل إحداث التوازن وهو المتمثل في إيران".
وأوضح كيسنجر "أنه يدرك أن كلا من الدب الروسي والتنين الصيني لن يقفا موقف المتفرج ونحن نمهد الطريق أمامنا خصوصا بعد أن تشن إسرائيل حربا جديدة بكل ما أوتيت من قوة لقتل أكبر قدر من العرب.وهنا سيستيقظ الدب الروسي والتنين الصيني. وقتها سيكون نصف الشرق اﻷوسط على اﻷقل قد أصبح إسرائيليا". هكذا حرب عالمية ثالثة، أسلحة جديدة لم تكشفها أمريكا، احتلال لسبع دول نفطية لأن البترول وسيلة الاستيلاء على الدول، وإسرائيل تحتل نصف الدول العربية، وحجر العثرة هي إيران، أي أنها مجرد خطوة على الطريق؟!
ليس من السهل القول إن كيسنجر قد بلغ من العمر ما ينفي عن كلماته العقلانية، فهو لا يتحدث من بنات أفكاره، ولكنها نتائج مراكز البحث والتفكير ورسم السياسات والإستراتيجيات في أمريكا، وحكم الكوربوقراط كما ذكر بيركنز ونقلنا عنه في مقالنا السابق، والذي يعلن عنه كيسنجر باسم الحكومة العالمية ذات القوة الأمريكية المطلقة. فهل هي الإستراتيجية الجديدة، الحرب العالمية بكل ما تحمله من صور الدمار، أم هي المزج بين الاقتصاد والحرب، والشرق العربي الإسلامي حطبها؟
من المؤكد أن هناك صراعا اقتصاديا مكتوما بين الصين وأمريكا، وخرج إلى العلن في أزمة الرهن العقاري، واتضح أن للصين يدا عليا، ومن المؤكد أن هناك محاولات روسية للعودة إلى دائرة الضوء الدولية، ومن المؤكد أيضا أن حربا عالمية بين الأطراف الرئيسية تعني فناءهم جميعا، ولكن من المؤكد أيضا أن ساحة الصراع هي نحن "النفط والموقع وإسرائيل"، فهل ندرك هذا؟
التطور لا يمس الرؤية في ضرورة تحقيق سيادة الإمبراطورية الأمريكية أو الكوربوقراطية، ولكن التطور يمس "كيف؟".
من بعد الحرب العالمية انتقلنا إلى كيرميت روزفلت في إيران وإسقاط مصدق.
ومن ثم إلى قراصنة الاقتصاد، ومعركة الإغراق بالديون، للسيطرة الكاملة، وقراصنة الاقتصاد لا يتجاوزون مرحلة إن لم تحقق هدفها، وإلا فيعقبها مرحلة الثعالب من رجال العمليات القذرة بالاغتيالات، وإن لم تنجز هدفها بالسيطرة على الدول جاء دور الجيوش.
وتخلل ذلك أسلمة الحرب في أفغانستان، عندما أعلنت السي أي إيه الجهاد بالمسلمين في مواجهة الاتحاد السوفييتي الملحد، وليخرج بعد ذلك ما أسماهم العالم بالمجاهدين الأفغان، وأغلبهم من العرب، ولكن الأخطر من حمل السلاح وفكرة الجهاد، فالسؤال كان جهادا ضد من؟، وكان الأقرب والأيسر هو الجهاد ضد المجتمعات التي خرجوا منها، ليصبح ميدان عملهم "عقيدة وفعلا" هي الأرض العربية، والأقطار العربية، والتي كانت معاناتها من أنظمة الاستبداد تفتح الباب على مصراعيه لبيئة عمل مواتية لهم.
ثم كانت رؤية كونديليزا رايس في الفوضى الخلاقة، وكان مشروع الشرق الأوسط الجديد.
لم تكن المجتمعات العربية مجرد أرض جرداء من الإرادة، واقعة تحت الفساد والاستبداد والتخلف في الداخل، وتتعرض لاغتيال التاريخ والانتقال من دعوة التحرر الوطني والقومي والتقدم، إلى الانقسام الطائفي والمذهبي، ويتفشى الفساد ليطال النخب السياسية والفكرية التي استطابت مجرد الكلام دون محاولة العمل والاجتهاد والبناء، ففقدت المجتمعات طليعتها الفاعلة، ولكن كانت هناك إضاءات، تمثل واحد منها في حرب 2006 بجنوب لبنان عندما كشف صمود المقاومة اللبنانية إمكانية كسر إرادة العدو العسكرية والسياسية، ولكن لم يكد يمضي 50 يوما حتى كانت الضربة الإسرائيلية لشمال سوريا في 6 سبتمبر 2006، لم تتحرك سوريا للرد على تلك الضربة، وتكفلت الطيور المهاجرة القادمة من الشمال عبر إسرائيل بإثارة الرعب بأجهزة الإنذار الإسرائيلية، ومضت إسرائيل لتصنع منظومة القبة الحديدية لمواجهة صواريخ الكاتيوشا وما دون الصواريخ الباليستية.
وتتجسد هزيمة عربية جديدة في انفصال الجنوب السوداني عن السودان، وتشتعل حروب الانفصال في السودان، ومازال مرشحا لمزيد من الانقسام.
وتتجمد المقاومة الفلسطينية على يد فتح وحماس، ويتحول الصراع مع إسرائيل إلى اقتتال بارد بين طرفي وأد القضية في فتح وحماس، ويدفع الشعب الفلسطيني الثمن من حياته ومن أرضه التي تضيع بهدوء وكأن الغد ملك للغافلين عن أمرهم اليوم، وليثبت أن مشروع المقاومة الإسلامية لا يحمل ما يؤهله لمواجهة حقيقة الوجود الصهيوني فوق أرض فلسطين.
وتتجسد الإضاءة الثانية في الثورات العربية في تونس ومصر في مواجهة أنظمة الفساد، ويخرج الملايين إلى الشوارع، في ظاهرة فاجأت العالم وفاجأت الشعوب ذاتها أنها تستطيع ويمكنها، وتنتقل حركة الشعوب إلى ليبيا واليمن، ويطلق الغرب عليها الربيع العربي، ويقول أحد الأصدقاء إن الربيع الغربي تسقط فيه الثلوج عن الأشجار لتنكشف عن جذوع سوداء، وكأن الغرب عبر عن مكنون ذاته أنه الربيع الأسود على العرب، هذا ما أرادوه ويسعون إليه.
ويكشف الربيع العربي حقيقة التردي والاهتراء الذي أصاب الحياة السياسية العربية ومدى التصحر الذي أصابها، فالملايين التي خرجت دون قيادة أو تنظيم، عندما عادت إلى بيوتها، وجدت نفسها عرضة لقراصنة الاستيلاء على إرادتها، ووجدت ذاتها تحت سيطرة لخداع تحت عباءة الدين المطلق الراسخ في وجدانها وثقافتها، ولكنه خداع لا يحمل مشروعا سياسيا يحفظ لها هويتها وأمنها ويبني لها نظاما يتيح لها التقدم والتحرر وإزالة الفساد والاستبداد.
وكأننا خلال الأسبوع الماضي أمام بداية لطور جديد مما أطلقوا عليه الربيع العربي.
عرض فيلم أساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقلت أجزاء منه إحدى الفضائيات الدينية في مصر، فكأنه زناد جرى الضغط عليه لينفجر حجم السخط العربي والكراهية المتراكمة ضد أمريكا، ويبزغ نجم العنف مسلحا كان أو عاصفا بالحناجر ضد أمريكا، في ذات يوم ذكرى 11 سبتمبر 2011.
وإذا جاز للأمريكيين أن يسألوا ببراءة منهم، أو بخبث، لماذا تكرهوننا؟، فالأخطر أن يتساءل أحد منا لماذا هذا العنف؟، وكأن العرب قطعان من الثيران البرية دخلت ساحة الكريستال النقي الأمريكي الثمين، وأن كل هذا العنف ليس صناعة أمريكية، سواء بمواقفها المعادية لأي حق عربي، أو بما زرعته من مناهج وأساليب وتدريبات للعنف قامت بها أجهزتها السرية، وبما مارسته من ترتيبات مع تنظيمات الإسلام السياسي التي اعتلت السلطة في الأقطار العربية، تلك التنظيمات التي بدأت التحريض والتظاهر، لتنسحب من بعد تاركة الفعل لما يعتري البشر من انفعال.
مشهدان يوحيان بأن منعطفا يقترب من الحالة الجزائرية في المواجهات التي دارت بين الجيش والتنظيمات الإسلامية المسلحة وأودت بحياة الآلاف تكررا في بنغازي وسيناء، عنف مسلح وأسلحة تقتل وتحرق، ولا تتجاوز غير إعلان عن الذات والمنهج، وأساطيل تتحرك، وحكومات ومسؤولون أكلت القطط ألسنتهم، بل وأكلت العقول، ليس هناك من يخرج إلى شعبه بحديث سياسي.
إن أخطر ما يصم أي قيادة سياسية بالنفاق والعجز، هو أن تنافق القيادة شعبها، ولا تحادثه بالحقائق. وحملت تغريدات متبادلة بين نائب مرشد الإخوان بمصر وبين السفارة الأمريكية، رفض الأمريكيين لما كتبه لهم بالإنجليزية غير ما تحدث به بالعربية، وقالوا له إنهم يمكنهم قراءة ما يكتب بالعربية، ليسقط قناع جديد عن أن الكذب عندهم بكل اللغات ومع كل الأطراف وليس مع مجتمعهم حيث النسيان سببا لاستمرارهم السياسي.
إن ما جرى في بنغازي هو مقدمة للمستقبل الذي ينتظر ليبيا، فهل ليبيا باتساعها الجغرافي وتنوعها ذاهبة بالسلاح والأساطيل وأطماع البترول وعمقها الصحراوي إلى حالة من التقسيم؟، وليس هناك ما يحول دونها غير أن يشملها الله برحمة من عنده.
ويتزايد الخطر في وقائع ما يجري في سيناء، فلم يعد الأمر هجوما مسلحا عارضا، ولكنه عدة هجمات في توقيت واحد، وتتعدى الكمائن إلى مديرية أمن شمال سيناء ذاتها ومن محيطها السكني ولمدة تجاوزت ساعة يجري تبادل الرصاص، وموقع "الريسة" يتعرض للهجمة السادسة والثلاثين، ويجري اقتحام لمعسكر "الجورة" لقوات المراقبة الدولية وأغلبها من الأمريكيين ويصاب بها اثنان من جنود القوة.
وتتحول سيناء إلى مادة لبيانات عسكرية، ومتحدث عسكري، وهي أرض حبلى بأسباب الانفجار الذاتي، وتتداخل احتياجات المواطنين هناك، مع أسلحة الإمارة الإسلامية وأعلامها السوداء، على مرمى حجر من العدو الصهيوني، بينما يجري الحديث عن أن الأنفاق بين غزة المحاصرة وبين سيناء يجب أن تبقى، بل ما يبعث على الاستغراب رفض حكومة حماس تسليم عناصر مطلوبة لمشاركتها في هجوم رفح الذي استشهد فيه 16 جنديا وضابطا مصريا، إلا إذا سمح لمندوبي حماس بحضور التحقيقات معهم؟!
حالة الفوضى المنتشرة فوق الأرض العربية، وخلط الخطط الأمريكية بخطط التنظيمات المتأسلمة، وغياب رؤية عربية مستقلة لحقيقة ما يجري، تزيد من العبء الداخلي في الأقطار العربية، بينما تعاني تلك الأقطار من غياب توازن للقوى لصالح الثورة.
قال الأستاذ هيكل إن العراق ميدان ضرب نار، والهدف أن تصل أصوات الانفجار إلى أسماع الصين، وها هو كيسنجر يربط مباشرة ذات الهدف ولكن لا يكتفي بالعراق، بل يتجاوزه إلى سبع دول نفطية، ونصف الأرض العربية، وإيران، فهل هناك من بلغ به الرشد كي يعيد ترتيب البيت، إقليميا، ومصر هنا يجب أن تكون أولا، وعربيا، حتى نحول دون "سايكس بيكو" جديدة تقسم الأمة العربية مرة أخرى على هوى الغرب المعاصر مع غياب كامل للإرادة العربية؟.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
889
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
652
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
564
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11562
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
6849
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3708
| 22 أكتوبر 2026