رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الدكتورة حصة حامد المرواني

مساحة إعلانية

مقالات

120

الدكتورة حصة حامد المرواني

التدريب بين المعايير الدولية وقياس الأثر

18 سبتمبر 2026 , 12:15ص

ينتهي البرنامج التدريبي، وتُجمع الاستبانات، وتُرفع التقارير التي تحتفي بعدد الحضور، واكتمال الساعات، وارتفاع نسبة الرضا، لكن السؤال الأهم غالبًا ما يبقى بلا إجابة: هل عالج البرنامج الحاجة التي صُمم من أجلها؟

من هذا المنطلق، التقت توصيتان قُدّمتا خلال المختبر التشاوري الخليجي لقطاع التدريب والاقتصاد المعرفي حول قضية واحدة: الارتقاء بجودة التدريب، بدءًا من مواءمة المحتوى مع المعايير الدولية، وصولًا إلى قياس أثره والاستفادة من نتائجه.

أما التوصية الأولى، فقد طرحتها الأستاذة جواهر الحنزاب، خبير شؤون منظمات دولية أول، ممثلةً للجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم، ودعت من خلالها إلى مواءمة محتوى التدريب مع المؤشرات والمعايير الدولية، وتطوير محتوى البرامج ومنهجيات تقديمها وقياس نتائجها، بما يتناسب مع الأولويات والاحتياجات الوطنية.

المواءمة مع المعايير الدولية لا تعني استنساخ تجارب الآخرين أو تطبيق نماذج صُممت لبيئات مختلفة من دون تكييف. فالمعيار الدولي ليس قالبًا جاهزًا، بل أداة تساعد المؤسسة على تحديد موقعها، واكتشاف فجواتها، ورفع جودة ممارساتها.

فالمواءمة الفعلية تقوم على الاستفادة من الخبرات العالمية مع مراعاة الخصوصية الوطنية والثقافية والمؤسسية، قد لا تنجح التجربة ذاتها بالطريقة نفسها في كل مكان، لكن منهجيات تصميمها، وآليات قياسها، ومعايير جودتها، يمكن أن تمنحنا أساسًا متينًا لبناء نموذج يناسب واقعنا وأولوياتنا.

المشكلة اليوم ليست نقص البرامج التدريبية، بل وفرة برامج لا ترتبط بمؤشرات واضحة، ولا تستجيب بدقة لاحتياجات سوق العمل، ولا تمتلك أدوات تثبت أثرها، قد يحمل البرنامج عنوانًا لافتًا، ويقدمه مدرب متمكن، وتزدحم مادته بالمعلومات، لكن يبقى السؤال الحاسم: ما الذي تغيّر لدى المتدرب بعد عودته إلى عمله؟

أما توصية المركز العربي للتدريب التربوي لدول الخليج، فقد دعت إلى تعزيز الكفاءة في قياس أثر البرامج التدريبية، من خلال تمكين المدربين والجهات التدريبية من أدوات ومنهجيات تساعد على رصد التغير في المعرفة والمهارات والسلوك والأداء، والاستفادة من النتائج في تحسين جودة البرامج ورفع كفاءتها.

لا تزال بعض المؤسسات تختزل تقييم التدريب في استبانة رضا تُوزع في نهاية البرنامج، ورغم أهمية معرفة انطباعات المشاركين، فإن الرضا لا يثبت تحقق التعلم، ولا يكشف انتقال المعرفة إلى السلوك أو الأداء.

قد يغادر المتدرب راضيًا عن التجربة من دون أن يكتسب مهارة قابلة للتطبيق أو تتغير لديه قناعة، وقد يحصل البرنامج على تقييم مرتفع بفضل أسلوب المدرب أو جودة التنظيم، بينما يظل أثره المهني محدودًا، فقياس الأثر ليس خطوة ختامية تُضاف إلى التقرير، بل جزء أساسي من تصميم التدريب نفسه.

كما أن قياس الأثر لا ينبغي أن يتحول إلى عبء إجرائي جديد أو مجموعة نماذج تُستكمل لأغراض التوثيق. قيمته الحقيقية تكمن في استخدام نتائجه لاتخاذ قرارات واضحة: ماذا نستمر في تقديمه؟ ما الذي نحتاج إلى تطويره؟ وما البرامج التي لم تعد تحقق الغاية المرجوة منها؟

وهنا تتكامل التوصيتان؛ فلا قيمة لمعايير دولية نعلن الالتزام بها من دون أدوات تكشف مدى تحققها، كما أن قياس الأثر لن يكون دقيقًا إذا لم يستند البرنامج منذ البداية إلى مؤشرات قابلة للقياس.

لا يمكن لمحتوى التدريب أن يبقى ثابتًا في عالم تتغير فيه الوظائف والمهارات والأدوات بوتيرة متسارعة، فالذكاء الاصطناعي، وتحولات الاقتصاد المعرفي، وتطور أنماط العمل، كلها تفرض مراجعة مستمرة لما نقدمه، وكيف نقدمه، ولمن نقدمه.

لم يعد تحديث العنوان أو إضافة فقرة عن التقنية كافيًا لوصف البرنامج بأنه مواكب للعصر، التطوير الحقيقي يبدأ بتحليل الاحتياج، وقراءة المؤشرات، وفهم التحولات في سوق العمل، ثم إعادة بناء المحتوى والمنهجية وأدوات القياس على هذا الأساس.

كما أن متابعة التجارب الرائدة ينبغي ألا تظل نشاطًا موسميًا مرتبطًا بمؤتمر أو زيارة، بل تتحول إلى ممارسة مؤسسية دائمة: نرصد، ونقارن، ونختبر، ونقيس، ثم نراجع برامجنا ونطورها وفق ما تكشفه النتائج.

إن مواءمة محتوى التدريب مع المؤشرات والمعايير الدولية، وتعزيز الكفاءة في قياس أثر البرامج، مسؤولية مشتركة بين الجهات المنظمة، ومؤسسات التدريب، والمدربين، وخبراء المحتوى، والجهات المستفيدة، وهيئات الاعتماد والتقييم، وعندما تتفق هذه الأطراف على معايير واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، يصبح تطوير التدريب عملًا مؤسسيًا مستمرًا، لا اجتهادًا فرديًا.

الغاية ليست أن نعلن توافق برامجنا مع المعايير الدولية، بل أن نمتلك الدليل على ذلك: محتوى يستجيب للحاجة، ومنهجية تحقق التعلم، وأدوات تقيس التغير، ونتائج تثبت القيمة المضافة.

لذلك، آن الأوان أن نغيّر السؤال من: كم برنامجًا قدمنا؟ إلى، ماذا غيَّرت هذه البرامج؟ وما المهارات التي انتقلت إلى بيئة العمل؟ وما التحسن الذي يمكن إثباته؟ وإلى أي مدى أسهم التدريب في تحقيق أولوياتنا الوطنية؟

اقرأ المزيد

المختبر التشاوري الخليجي للتدريب.. الحوار مدخلًا لتطوير المنظومة المختبر التشاوري الخليجي للتدريب.. الحوار مدخلًا لتطوير المنظومة

يشهد قطاع التدريب في دول الخليج مرحلة متسارعة من التطور، تتغير معها الاحتياجات، وتتجدد الأدوات، وتتسع مساحة التدريب... اقرأ المزيد

483

| 12 أغسطس 2026

التنوع الاقتصادي.. هل آن الأوان لإعادة تموضع منظومة التدريب؟ التنوع الاقتصادي.. هل آن الأوان لإعادة تموضع منظومة التدريب؟

قراءة في دور التدريب المهني في دعم الاقتصاد المعرفي ضمن إستراتيجية التنمية الوطنية الثالثة. منذ إطلاق رؤية قطر... اقرأ المزيد

429

| 03 أغسطس 2026

هل تنظم اللائحة مراكز التدريب أم تصنع مستقبل القطاع؟ هل تنظم اللائحة مراكز التدريب أم تصنع مستقبل القطاع؟

عندما تصدر لائحة تنظيمية، فإنها لا تضع مجموعة من الإجراءات والاشتراطات فحسب، بل ترسم ملامح القطاع الذي تنظم... اقرأ المزيد

516

| 29 يوليو 2026

مساحة إعلانية