رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أضافت دولة قطر انجازاً جديدا يضاف لسجلها الحافل بنجاحات دبلوماسية الوساطة وحل النزاعات، لكون قطر وسيط نزيه ومحايد انخرطت من اليوم الأول بوساطة ومثابرة وتصميم لوقف حرب الإبادة التي تشنها آلة القتل الإسرائيلية على قطاع غزة وشعبها النازف والمحاصر والنازح، وذلك برغم العراقيل والصعوبات والعقد التي وضعها نتنياهو وحكومته المتطرفة وتغيير وإضافة شروط ومطالب وشن المزيد من الغارات والقصف لإفشال أي فرصة لنجاح الوساطة. ولكن كل ذلك لم يثن قطر عن التمسك والإصرار على مدى أكثر من 15 شهرا برغم وساطة قطر ومصر ولعب الولايات المتحدة دورا مزدوجا، بدعم واسناد وتغطية حرب إسرائيل على غزة بالمال والسلاح والغطاء السياسي والفيتو في مجلس الأمن، والتوسط لوقف الحرب!!
نجاح الدبلوماسية القطرية مستمد من تطوير ديناميكية دبلوماسية الوساطة المعقدة لحل النزاعات وتحقيق الاختراقات وتوظيف الخبرة لإدارة الصراعات والتوسط بطلب من الأطراف المتصارعة، كما نتابع في حرب إسرائيل على غزة. لذلك نجاح وساطة قطر بوقف إطلاق النار في غزة وتبادل الأسرى والرهائن، يشكل إنجازا مهما وانحياز أخلاقيا وقيميا يعزز ويعضّد دور قطر وسيطاً يلعب دورا حيويا في إدارة وحل النزاعات الإقليمية وحتى دولياً. والقدرة على جمع الأضداد تحت سقف واحد- كما شهدنا خلال العقدين الماضيين بين أمريكا وإيران وأمريكا وأفغانستان وفي السودان ولبنان ومنذ حرب طوفان الأقصى بين حماس وإسرائيل، حتى بين روسيا وأوكرانيا. وتلك شهادات تؤكد نجاح قطر الوسيط النزيه والناجح بكسب ثقة الأطراف المتصارعة. وهذه ميزة لا تملكها كثير من الدول في المنطقة وخارجها.
نجحت مثابرة الوساطة القطرية بدعم من مصر وأمريكا، بتحقيق اختراق كبير نتيجة لجهود وساطتها في نوفمبر 2023- بين إسرائيل وحماس- تستضيف الدوحة قيادتها في الخارج بطلب من الولايات المتحدة الأمريكية. هذه العلاقة والانفتاح منح قطر نفوذاً وثقة قيادة حماس للتواصل والتنسيق. نجحت وساطة قطر بالتوصل لصفقة وقف إطلاق النار في غزة لمدة أسبوع وتبادل 117 رهينة إسرائيلي ومزدوجي الجنسية وخاصة الأطفال والنساء أفرجت إسرائيل عن حوالي 300 أسير وأسيرة فلسطينية بينهم أطفال وشباب -أغلبيتهم لم تُوجه لهم تهم أو تم إدانتهم.
حسب بنود الاتفاق ستفرج إسرائيل في المرحلة الأولى عن أكثر من 2000 أسير فلسطيني، بينهم 290 أسيراً فلسطينيا محكوما بأحكام مؤبدات- و500 من ذوي الأحكام العالية، وحوالي 1000 أسير من الذين اعتقلتهم إسرائيل منذ شن حربها على غزة في 7 أكتوبر الأول 2023، مقابل إفراج حماس عن 33 أسيرا إسرائيليا بينهم وشباب دون 19 عاما وكبار السن فوق 50 عاماً.
وأكد سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عن الاتفاق «أن الدور الدبلوماسي لدولة قطر في الوصول لهذا الاتفاق هو واجبنا الإنساني قبل السياسي»، معربا عن شكره لمصر والولايات المتحدة الأمريكية..».. «ونأمل أن يُسهم الاتفاق «ببدء مرحلة جديدة لا يتم فيها تهميش هذه القضية العادلة، والعمل الجاد على حلها حلا عادلا وفق قرارات الشرعية الدولية».
كما عبّر رئيس الوزراء وزير الخارجية معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بمقابلة مع قناة الجزيرة: «أننا فرحون بالاتفاق كفرح أهل غزة ونأمل أن يطبق الاتفاق وإنهاء المأساة. ونؤكد أهمية حشد الدعم الدولي لغزة ووضع الآليات لدعم الأسر المنكوبة في غزة. وكانت الأيام الأخيرة من المفاوضات حاسمة، والعمل المشترك للإدارتين الأمريكيتين كان له دوره الحاسم بالتوصل للاتفاق. وننتظر من مجلس الأمن إصدار قرار ملزم بتنفيذ الاتفاق. وتم التوصل لبروتوكول انساني بشأن آلية إدخال المساعدات لمنع الابتزاز. وواجبنا كدول عربية دعم الوفاق الفلسطيني وصولا لإنهاء الانقسام». وانتقد رئيس الوزراء «المزايدات والابتزاز الرخيص ضد دورنا...، ولم يقدم منتقدو قطر شيئا سوى الصراخ». وموقف قطر كوسيط واضح بأن إدارة قطاع غزة بعد الحرب هو شأن فلسطيني.
ويبقى التحدي هل سيلتزم نتنياهو وحكومته المتطرفة بالالتزام وتطبيق بنود الاتفاق في مراحله الثلاث أم سيراوغ ويماطل ويخرقه كعادتهم؟!
سبق وأكدت في مقالي في الشرق في أغسطس 2023: بعنوان «تميز قوة قطر الناعمة يعزز وساطة حل النزاعات»-»تؤكد النظرية الواقعية على محدودية دور «الدول الصغيرة في العلاقات الدولية». لكن ذلك لا يمنع صناع قرار دول صغيرة من لعب دور مميز تُعوّض به محدودية القوة السياسية والعسكرية والديموغرافية، بقوة ناعمة مميزة».
وكتبت وناقشت في محاضرات ظواهر تغييرات موازين القوى في النظام العالمي، برغم محدودية دور وقلة خيارات الدول الصغيرة وقدراتها العسكرية- في العلاقات الدولية-لكننا نشهد استثناءات لتلك النظرية-بدأتها دولة الكويت التي لعبت من استقلالها الكامل عن بريطانيا عام 1961، لتنخرط في تحقيق مبدأها صناعة السلام وتوظيف قدراتها المالية لدعم التنمية في الدول العربية عبر الصندوق الكويتي للتنمية منذ عام 1961. لتنتقل الراية إلى دولة قطر بلعب دور يعزز مكانتها وتتجاوز محدودية قدراتها بالانخراط بتطوير قدراتها لإدارة وحل النزاعات بدبلوماسية الوساطة المعقدة، وكُتبت كتب وأطروحات ماجستير ودكتوراه أشرفت على بعضها.
وتستمر قطر بتراكم نجاحاتها بحل النزاعات، وتعزيز قوتها الناعمة بلعب دور بناء ومؤثر بحل الأزمات وإنهاء الصراعات، يتجاوز منطقة الخليج العربي.
وما يعزز مكانة ودور قطر النجاح بمزج قدراتها المتعددة في مجال أمن الطاقة والثقافة، والفنون، والتعليم والثقافة والمدينة الجامعية، والإعلام (شبكة الجزيرة) والرياضة (استضافة كأس العالم كأول دولة خليجية وعربية ومسلمة وبي ان سبورت). وتطوير قدرات الغاز المسال لتصبح قطر بين الدول الأهم المصدرة للغاز المسال في العالم. وترتبط بعقود طويلة الأمد مع الصين ودول آسيوية وأوروبية. وحتى أثناء الأزمة الخليجية (2017-2021) أوفت قطر بالتزاماتها بمسؤولية بعقود الغاز المسال، ما أكسب قطر مزيدا من الثقة والتقدير.
حدود القوة.. كيف تستنزف حروب الحسابات الخاطئة القوى الكبرى؟
دخلت الحرب الأمريكية على إيران شهرها السابع من دون انتصار حاسم، ومن دون تسوية سياسية تقبل طهران بموجبها... اقرأ المزيد
396
| 06 سبتمبر 2026
هل ينجح الوسطاء.. قطر وعُمان وباكستان بمنع عودة الحرب ؟
بانقضاء ستة أشهر على حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران- نشهد مراوحة اللاحرب - واللاسلم - المنهكة والمكلفة،... اقرأ المزيد
180
| 29 أغسطس 2026
أسباب وتوقيت تصعيد نتنياهو المأزوم ضد تركيا
شنت المقاتلات الإسرائيلية للمرة الأولى غارات على مطار "أبو الظهور" العسكري في شمال غربي سوريا في إدلب جنوب... اقرأ المزيد
273
| 22 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5295
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4908
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
2985
| 24 سبتمبر 2026