رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أضافت دولة قطر انجازاً جديدا يضاف لسجلها الحافل بنجاحات دبلوماسية الوساطة وحل النزاعات، لكون قطر وسيط نزيه ومحايد انخرطت من اليوم الأول بوساطة ومثابرة وتصميم لوقف حرب الإبادة التي تشنها آلة القتل الإسرائيلية على قطاع غزة وشعبها النازف والمحاصر والنازح، وذلك برغم العراقيل والصعوبات والعقد التي وضعها نتنياهو وحكومته المتطرفة وتغيير وإضافة شروط ومطالب وشن المزيد من الغارات والقصف لإفشال أي فرصة لنجاح الوساطة. ولكن كل ذلك لم يثن قطر عن التمسك والإصرار على مدى أكثر من 15 شهرا برغم وساطة قطر ومصر ولعب الولايات المتحدة دورا مزدوجا، بدعم واسناد وتغطية حرب إسرائيل على غزة بالمال والسلاح والغطاء السياسي والفيتو في مجلس الأمن، والتوسط لوقف الحرب!!
نجاح الدبلوماسية القطرية مستمد من تطوير ديناميكية دبلوماسية الوساطة المعقدة لحل النزاعات وتحقيق الاختراقات وتوظيف الخبرة لإدارة الصراعات والتوسط بطلب من الأطراف المتصارعة، كما نتابع في حرب إسرائيل على غزة. لذلك نجاح وساطة قطر بوقف إطلاق النار في غزة وتبادل الأسرى والرهائن، يشكل إنجازا مهما وانحياز أخلاقيا وقيميا يعزز ويعضّد دور قطر وسيطاً يلعب دورا حيويا في إدارة وحل النزاعات الإقليمية وحتى دولياً. والقدرة على جمع الأضداد تحت سقف واحد- كما شهدنا خلال العقدين الماضيين بين أمريكا وإيران وأمريكا وأفغانستان وفي السودان ولبنان ومنذ حرب طوفان الأقصى بين حماس وإسرائيل، حتى بين روسيا وأوكرانيا. وتلك شهادات تؤكد نجاح قطر الوسيط النزيه والناجح بكسب ثقة الأطراف المتصارعة. وهذه ميزة لا تملكها كثير من الدول في المنطقة وخارجها.
نجحت مثابرة الوساطة القطرية بدعم من مصر وأمريكا، بتحقيق اختراق كبير نتيجة لجهود وساطتها في نوفمبر 2023- بين إسرائيل وحماس- تستضيف الدوحة قيادتها في الخارج بطلب من الولايات المتحدة الأمريكية. هذه العلاقة والانفتاح منح قطر نفوذاً وثقة قيادة حماس للتواصل والتنسيق. نجحت وساطة قطر بالتوصل لصفقة وقف إطلاق النار في غزة لمدة أسبوع وتبادل 117 رهينة إسرائيلي ومزدوجي الجنسية وخاصة الأطفال والنساء أفرجت إسرائيل عن حوالي 300 أسير وأسيرة فلسطينية بينهم أطفال وشباب -أغلبيتهم لم تُوجه لهم تهم أو تم إدانتهم.
حسب بنود الاتفاق ستفرج إسرائيل في المرحلة الأولى عن أكثر من 2000 أسير فلسطيني، بينهم 290 أسيراً فلسطينيا محكوما بأحكام مؤبدات- و500 من ذوي الأحكام العالية، وحوالي 1000 أسير من الذين اعتقلتهم إسرائيل منذ شن حربها على غزة في 7 أكتوبر الأول 2023، مقابل إفراج حماس عن 33 أسيرا إسرائيليا بينهم وشباب دون 19 عاما وكبار السن فوق 50 عاماً.
وأكد سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عن الاتفاق «أن الدور الدبلوماسي لدولة قطر في الوصول لهذا الاتفاق هو واجبنا الإنساني قبل السياسي»، معربا عن شكره لمصر والولايات المتحدة الأمريكية..».. «ونأمل أن يُسهم الاتفاق «ببدء مرحلة جديدة لا يتم فيها تهميش هذه القضية العادلة، والعمل الجاد على حلها حلا عادلا وفق قرارات الشرعية الدولية».
كما عبّر رئيس الوزراء وزير الخارجية معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بمقابلة مع قناة الجزيرة: «أننا فرحون بالاتفاق كفرح أهل غزة ونأمل أن يطبق الاتفاق وإنهاء المأساة. ونؤكد أهمية حشد الدعم الدولي لغزة ووضع الآليات لدعم الأسر المنكوبة في غزة. وكانت الأيام الأخيرة من المفاوضات حاسمة، والعمل المشترك للإدارتين الأمريكيتين كان له دوره الحاسم بالتوصل للاتفاق. وننتظر من مجلس الأمن إصدار قرار ملزم بتنفيذ الاتفاق. وتم التوصل لبروتوكول انساني بشأن آلية إدخال المساعدات لمنع الابتزاز. وواجبنا كدول عربية دعم الوفاق الفلسطيني وصولا لإنهاء الانقسام». وانتقد رئيس الوزراء «المزايدات والابتزاز الرخيص ضد دورنا...، ولم يقدم منتقدو قطر شيئا سوى الصراخ». وموقف قطر كوسيط واضح بأن إدارة قطاع غزة بعد الحرب هو شأن فلسطيني.
ويبقى التحدي هل سيلتزم نتنياهو وحكومته المتطرفة بالالتزام وتطبيق بنود الاتفاق في مراحله الثلاث أم سيراوغ ويماطل ويخرقه كعادتهم؟!
سبق وأكدت في مقالي في الشرق في أغسطس 2023: بعنوان «تميز قوة قطر الناعمة يعزز وساطة حل النزاعات»-»تؤكد النظرية الواقعية على محدودية دور «الدول الصغيرة في العلاقات الدولية». لكن ذلك لا يمنع صناع قرار دول صغيرة من لعب دور مميز تُعوّض به محدودية القوة السياسية والعسكرية والديموغرافية، بقوة ناعمة مميزة».
وكتبت وناقشت في محاضرات ظواهر تغييرات موازين القوى في النظام العالمي، برغم محدودية دور وقلة خيارات الدول الصغيرة وقدراتها العسكرية- في العلاقات الدولية-لكننا نشهد استثناءات لتلك النظرية-بدأتها دولة الكويت التي لعبت من استقلالها الكامل عن بريطانيا عام 1961، لتنخرط في تحقيق مبدأها صناعة السلام وتوظيف قدراتها المالية لدعم التنمية في الدول العربية عبر الصندوق الكويتي للتنمية منذ عام 1961. لتنتقل الراية إلى دولة قطر بلعب دور يعزز مكانتها وتتجاوز محدودية قدراتها بالانخراط بتطوير قدراتها لإدارة وحل النزاعات بدبلوماسية الوساطة المعقدة، وكُتبت كتب وأطروحات ماجستير ودكتوراه أشرفت على بعضها.
وتستمر قطر بتراكم نجاحاتها بحل النزاعات، وتعزيز قوتها الناعمة بلعب دور بناء ومؤثر بحل الأزمات وإنهاء الصراعات، يتجاوز منطقة الخليج العربي.
وما يعزز مكانة ودور قطر النجاح بمزج قدراتها المتعددة في مجال أمن الطاقة والثقافة، والفنون، والتعليم والثقافة والمدينة الجامعية، والإعلام (شبكة الجزيرة) والرياضة (استضافة كأس العالم كأول دولة خليجية وعربية ومسلمة وبي ان سبورت). وتطوير قدرات الغاز المسال لتصبح قطر بين الدول الأهم المصدرة للغاز المسال في العالم. وترتبط بعقود طويلة الأمد مع الصين ودول آسيوية وأوروبية. وحتى أثناء الأزمة الخليجية (2017-2021) أوفت قطر بالتزاماتها بمسؤولية بعقود الغاز المسال، ما أكسب قطر مزيدا من الثقة والتقدير.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
7494
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4566
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2373
| 01 أغسطس 2026