رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

942

هديل رشاد

الكيان المحتل وفنون ممارسة الـ «صهيونازية»

19 مارس 2025 , 02:00ص

في عالم السياسة، يُفترض أن الاتفاقيات تضمن الحد الأدنى من الالتزام والاحترام بين الأطراف المتنازعة، لكن في فلسطين، لا قيمة لأي اتفاق إذا لم يكن في صالح الاحتلال. هذه ليست المرة الأولى التي يخرق فيها الكيان المحتل وقف إطلاق النار، لكنه ربما الأكثر صراحة ووقاحة، وكأنه يقول للعالم «نحن فوق القانون.»

فبالأمس القريب وبعد شق الأنفس توصلت أطراف كبرى لاتفاق ظن البعض أنه قد يمنح المدنيين في غزة فرصة لالتقاط الأنفاس. لكن إسرائيل، كعادتها، لم تحتج إلى وقت طويل قبل أن تضرب بالاتفاق عُرض الحائط دون حتى أن تكلّف نفسها عناء إخطار الوسطاء أو احترام التزاماتها، وكأنها تقول للعالم بأسره، وللوسطاء الذين سعوا إلى تثبيت الهدنة «لا صوت يعلو فوق صوتنا، ولا ضمانات إلا ما نراه نحن مناسباً.»

كم من مرة جلست الوفود في العواصم المختلفة، تبحث عن حلول، وتقترح مبادرات، وتتحدث عن ضرورة التهدئة؟ وكم من مرة قدمت إسرائيل تعهداتها، ثم حطمتها في اللحظة التي تناسبها؟ هل ما زال هناك من يصدق أنَّ الكيان المحتل يحترم أي اتفاق؟ أم أن الأمر لا يتعدى كونه غطاءً زائفا يوفر الوقت والشرعية لمزيد من الجرائم؟ فالرسالة التي أرسلتها إسرائيل اليوم واضحة تماما وهي أنها لا تعترف بأي صوت سوى صوتها، ولا تخشى عواقب جرائمها، لأن هناك من سينحاز لها وسيخلق لها المسوغات مهما أراقت من دماء.

لم يكن قصف الكيان المحتل مجرد رد فعل أو عملية محدودة، بل كان إعلاناً مدوياً اخترق الأفئدة قبل أن يصم الآذان بأن الاحتلال لا يعترف بهدنة أو تهدئة!، بل كانت له بمثابة استراحة محارب قبل أن يعود ليمارس «صهيونازيته» في قتل الأبرياء، فمنذ اللحظة الأولى، استهدفت الطائرات الحربية الإسرائيلية ما تبقى من المنازل المهدمة والطرقات الوعرة التي رضي بها سكانها رغم دمارها، والمستشفيات التي تئن بسبب الأعداد الهائلة من الشهداء والجرحى المحكوم عليهم بالإعدام، فحتى كتابة هذه الأسطر كان قد بلغ عدد الشهداء 356 شهيدا فضلا عن مئات الجرحى الذين تقف أمامهم المستشفيات عاجزة عن استيعابهم فضلا عن شح الأدوات الجراحية والأدوية الأساسية، حيث أكدَّ الدكتور محمد أبو سلمية مدير مستشفى الشفاء في تصريحات أنَّ أبسط مقومات المنظومة الصحية غائبة في هذا الظرف الحساس، كما أنه لا يمكن لأي منظومة صحية متماسكة التعامل مع هذه الأعداد من المصابين سيما وأنَّ في كل دقيقة يستشهد أحد الجرحى بسبب نقص الإمكانيات.

فقطاع غزة لا يواجه القصف المجنون والمدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية فحسب، بل يواجه كارثة إنسانية متكاملة الأركان، حيث أعلنت سلطة الاحتلال منذ خرق اتفاق وقف إطلاق النار إغلاق معبر رفح بوجه المرضى لمنعهم من العلاج وإمعانا بجريمة الإبادة الجماعية وكأن الموت هو الخيار الوحيد لسكان قطاع غزة، فضلا عن ندرة الدواء والأدوات والمعدات الطبية الأساسية بسبب تعنت المحتل الذي منع إدخال قوافل الإغاثة خلال الهدنة والمحملة بالغذاء أيضا لترتكب جريمة إلى سلسلة جرائمه في استخدام التجويع كسلاح ظنا منه بأنه بذلك سيكسر شوكة سكان القطاع، وسيخضع المقاومين لمطالبه أو سيثنيهم عن أهدافهم في مقاومة الكيان المحتل.

فهذا الخرق لاتفاق وقف إطلاق النار لم يأتِ فجأة، بل بترتيب مسبق، وتنسيق مع الحليف الأمريكي، فالتقارير أكدت أن البيت الأبيض كان على علم بالهجوم قبل وقوعه ولم تحاول حتى خداع العالم بالحديث عن «القلق العميق»، بل باركته علنا بوجه مكشوف دون خجل من الوسطاء، وأعتقد أنَّ هذا ليس مستغربا، فمنذ متى كانت الإدارة الأمريكية طرفا محايدا في هذه الحرب غير المتكافئة الأركان؟

إن دعم أمريكا للكيان المحتل لم يكن يوماً مشروطاَ، ولم يكن مبنياً على اعتبارات أخلاقية أو إنسانية، بل هو تفويض مفتوح بالقتل، يتجدد مع كل إدارة جديدة، فيما تتكدس جثث الأطفال في شوارع غزة كأنها لا تعني شيئا، فبإعلانها إنهاء اتفاق وقف إطلاق النار بشكل منفرد، ومن دون حتى إبلاغ الوسطاء، أثبتت إسرائيل مرة أخرى أنها لا ترى في الفلسطينيين شركاء في أي معادلة، بل مجرد أهداف عسكرية تنتظر دورها في القتل.

ختاما

قد يملك الكيان المحتل القوة والدعم الأمريكي غير المشروط، لكنه لا ولن يملك الحق، ولن يستطيع أن يمحو ذاكرة الشعوب التي ترى هذه الجرائم وتدرك تماماً أن من يقتل الأطفال لا يمكن أن يكون إلا مجرماً، ومن يسانده شريكاً في الجريمة، وغزة لن تُباد، ولن ترفع الراية البيضاء، لأنها لم تفعل ذلك من قبل، ولن تفعل الآن، حتى وإن تخلى الجميع وولوا الدبر.

مساحة إعلانية