رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

726

د. أحمد المحمدي

سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم

19 مارس 2025 , 02:00ص

ما زال الإنسان، مذ كان، مبتلى بتقلّب الأمور، تتغير عليه السنن، وتبدّل عليه الأحوال، حتى كأنما هو في بحر هائج، لا يثبت له قرار، ولا يأمن فيه السكون. وما كانت الدنيا إلا دار ابتلاء، تفتن فيها القلوب، ويميز بها الخبيث من الطيب، ومن ذلك ما أراده الله لعباده في تحويل القبلة، إذ كان لهذا التحول شأن عظيم، أظهر الله به أهل اليقين من أهل الشك، وأهل الطاعة من أهل العناد، وجعل منه فرقانًا بين من يعبد الله حقًّا، ومن يعبد عاداته وألفه. لقد كان المسلمون يتوجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، امتثالًا لأمر الله، وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يودّ لو أن الله يوجّهه إلى الكعبة، بيت الله الحرام، الذي رفعه إبراهيم وإسماعيل على التوحيد، فكان يتطلع إلى السماء، تضرعًا واستبشارًا، وكأنما ينتظر الفرج، حتى جاء الأمر الإلهي، وحُسمت المسألة، فكان التحول من الشام إلى الحجاز، ومن بيت المقدس إلى البيت الحرام.

وهنا كانت الفتنة، وبدأت الألسنة الخبيثة تهمس همس السمّ الزعاف، تقول: «ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟» كأنما يريدون أن يلقوا في القلوب قلقًا، وفي النفوس شكًّا، فجاء الرد الإلهي قاطعًا، لا يدع لمتشكك سبيلًا، ولا لمن في قلبه مرض مخرجًا: «قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم». لقد كان في تحويل القبلة امتحان عظيم، امتحان للقلوب، وابتلاء للعقول، حتى يُنظر من يكون إيمانه ثابتًا راسخًا، لا يغيّره تبدل الأحكام.

أما اليهود، وقد ركبهم الحسد، وأكلهم الغيظ، فقد رأوا في هذا التحول إعلانًا لاستقلال الأمة الإسلامية، وانفصالها عن قبلتهم التي كانوا يعدّونها ميزان الحق والباطل، فشقّ عليهم أن يروا الإسلام يخرج عن دائرتهم، وينفصل عن تراثهم، فكان لا بد لهم أن يثيروا الشبهات، وأن يحاولوا زلزلة الصفّ الإسلامي، ولكن هيهات!

لقد كان في ردّ الله عليهم «وما كان الله ليضيع إيمانكم»، تثبيتًا للمؤمنين، وتطمينًا لقلوبهم، ليعلموا أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وأن صلاتهم التي كانت إلى بيت المقدس محفوظة عند الله، مقبولة منه، فإنما القبول على نية الطاعة، لا على جهة المكان.

مساحة إعلانية