رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعيش سوريا هذه الأيام منعرجا خطيرا من الفتن اغتنمه الكيان الإسرائيلي ليقصف دمشق ويصنع وحده جبهة إضافية تتولى مقاومته الى جانب جبهات لبنان واليمن والعراق التي تساند فلسطين وتدين حرب الإبادة في غزة حيث تتواصل الاشتباكات في السويداء رغم إعلان وقف النار. وأصبح المستشفى الوطني خارج الخدمة. وتتجدد الاشتباكات في السويداء جنوبي سوريا بعد خرق اتفاق وقف إطلاق النار بالتزامن مع حركة النزوح المستمرة من داخل مدينة السويداء باتجاه ريف درعا الشرقي وأفاد مراسل الميادين في سوريا الأربعاء، أن اتفاق وقف إطلاق النار في السويداء جنوبي البلاد «لم يُنفذ»، مضيفاً أن «الاشتباكات لا تزال مستمرة بوتيرة متصاعدة وتجددت الاشتباكات في مدينة السويداء عقب خروقات نفذتها مجموعات مسلحة بعد اتفاق وقف إطلاق النار، وفق ما أعلنته إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية في سلطة المرحلة الانتقالية وأكدت الوزارة أن قوات الجيش تواصل الرد على مصادر النيران ضمن قواعد الاشتباك، وسط استمرار نزوح المدنيين وتحليق لطيران الاحتلال الإسرائيلي في أجواء المدينة وأفادت وزارة الدفاع السورية بأن «مجموعات خارجة عن القانون استأنفت مهاجمة مواقع الجيش وقوى الأمن الداخلي». ذلك جاء بعد إبرام اتفاق تهدئة مع وجهاء وأعيان المدينة وقال بيان الوزارة: «أكدنا في تعميمات سابقة أحقية قوات الجيش في الرد على مصادر النيران ودعت وزارة الدفاع المدنيين إلى «الالتزام بمنازلهم»، والتبليغ عن عناصر المجموعات الخارجة عن القانون المتبقين داخل المدينة من ناحيتها أفادت مصادر محلية سورية بأن المستشفى الوطني في السويداء أصبح خارج الخدمة حالياً بسبب الحصار الذي يتعرض له وناشد الكادر الطبي «التدخل بعد محاصرته بالآليات الثقيلة وقطع الكهرباء والمياه والغذاء عنه»، مطالباً بتحويل المرضى والمصابين إلى باقي النقاط الطبية من مشافي ومستوصفات المحافظة ونقلت وسائل إعلام سورية أن حركة النزوح مستمرة من داخل مدينة السويداء باتجاه ريف درعا الشرقي، هرباً من الاشتباكات المسلحة وأفادت تقارير إعلامية برصد تحليق لطائرات الاحتلال الإسرائيلي في أجواء السويداء، من دون ورود أنباء عن ضربات جوية مباشرة استهدفت منشآت عسكرية حساسة وعمارات مسكونة بحجة الدفاع عن طائفة الدروز معتبرة الدروز «حلفاء» لها وهو أمر ليس بجديد لأن صورا يحتفظ بها السنة السوريون خلدت مشهد سيد العقل الدرزي يقبل بحرارة مؤسس الكيان العبري (ديفيد بن غوريون) سنة 1958!.
وشهد الجنوب السوري ليل الثلاثاء-الأربعاء تصعيداً عسكريا في محيط السويداء ودرعا تزامناً مع توتر داخلي غير مسبوق بين الحكومة الانتقالية في دمشق ومرجعيات جبل العرب واندلعت اشتباكات في السويداء وريفها بين مقاتلين من الطائفة الدرزية من جهة وعشائر بدوية ومسلحين تابعين لوزارة الدفاع السورية من جهة ثانية قبل أيام في اشتباكات لا تزال مستمرة أدت إلى سقوط عديد القتلى الذين يستحيل تحديد عددهم أو هوياتهم وسط جحيم فوضوي من إطلاق النيران في كل الاتجاهات بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، ولعلنا نتساءل عن موقف دولة قطر من أحداث سوريا وتداعياتها المحلية والإقليمية وهي الدولة التي يوجه حضرة صاحب السمو أميرها دبلوماسية بلاده إلى تحمل رسالتها في تجنيب المنطقة ويلات العنف وأشباح الحروب الأهلية ولا ننسى أن قطر تميزت بموقفها الثابت المتمثل في الاعتراف بشرعية ما قبل انقلاب بشار الأسد عليها وإداناتها للممارسات الوحشية لنظام بشار الذي رد بالحديد والنار على مظاهرات شعبه السلمية والمطالبة فقط ضمن الربيع العربي بمزيد الحريات والحقوق المدنية لا غير.
وفي هذا السياق أعلن الديوان الأميري القطري في منتصف الشهر الحالي أن أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أجرى اتصالًا هاتفيًا مع الرئيس السوري أحمد الشرع أكد خلاله موقف قطر الثابت في دعم وحدة سوريا وسلامة أراضيها، وذكر البيان أن أمير قطر أعرب عن إدانته الشديدة للاعتداءات التي ينفذها الاحتلال على الأراضي السورية واصفًا إياها بانتهاك صارخ لسيادة سوريا ومخالفة واضحة لميثاق الأمم المتحدة وتهديدًا مباشرًا لأمن واستقرار المنطقة. ومن جانبه عبّر الرئيس السوري أحمد الشرع عن شكره لأمير قطر على هذا الموقف مشيدًا بدور الدوحة في دعم سوريا وتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي. ولعلم القراء كانت قطر أول دولة تعترف بالشرعية الجديدة لسوريا واستقبلت دمشق أول مسؤول قطري كبير غداة فرار الطاغية الى موسكو تاركا وراءه جبلا من المعضلات أولاها ابتزاز الشعب السوري بالانقسامات الطائفية وتغذية الفتنة بين الطوائف التي كانت من قبل متعايشة في سلام يظللها جميعا علم سوريا. نحن نخشى على سوريا كوطن وكتاريخ وكموقع استراتيجي في المشرق الإسلامي أن يقع رجل الدولة المحترم الرئيس أحمد الشرع في فخ تعاونت على إعداده قوى معادية للعرب والمسلمين وفي طليعتها دولة الاحتلال التي يهدد استقرار سوريا وعودتها قوية معافاة هيمنة الكيان المحتل ومخططاته الشريرة لمواصلة حرب الإبادة واستعمال التجويع سلاح حرب.
وتطلعنا قناة الجزيرة البطلة يوميا على مشاهد الأطفال الشهداء قتلى وجوههم على مواعينهم التي جلبوها لالتقاط لقمة عيش! ونرى اليوم كيف يتحالف أعداء سوريا على «تضخيم دور هيئة تحرير الشام» في مخطط شيطاني بهدف تذكير الغرب أن الهيئة كانت مصنفة «تنظيما إرهابيا». في هذا الجو المشحون بالأزمات تتمسك الدبلوماسية القطرية برسالتها في العبور بسوريا الى شاطئ الأمان وجاء نور أمل يوم الأحد الماضي بنجاح حكومة الشرع في توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الشامل مع ممثلي أهل السويداء أعقبه في نفس اليوم انتشار قوات الجيش والأمن السوري في كل أرجاء السويداء وتأمين جميع الطرق المؤدية اليها ومنها. كما لم تتخل الدبلوماسية القطرية عن وساطتها في حل أزمة الكونغو، حيث تم في الدوحة توقيع اتفاق بين حكومة الكونغو وحركة 23 مارس التي تقود الفصائل المسلحة المحاربة لحكومة الكونغو منذ ثلاثين عاما، وبهذه الوساطة الخيرة قامت قطر بإطفاء فتيل عنف يهدد قلب القارة الأفريقية المحتاجة للأمن والسلام والتنمية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
6885
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2793
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2526
| 02 يونيو 2026