رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس حديثي عن الرياضة والأندية وبطولاتها الرياضية المختلفة كما يوحي العنوان بذلك، لكنه عن ذاك النادي الذي حدوده من صنعاء اليمن يبدأ، ونواكشوط موريتانيا ينتهي، أو بلغة الجغرافيا التي رسمها المحتل لنا، يكون النادي العربي المسلم هو عالمنا العربي.
محاولات الأتراك مثلاً الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي منذ عقود، ورفض هذا الاتحاد بشكل غير مباشر، وأحياناً بشكل مباشر واضح للفكرة، أوحى لي هذا العنوان، بعد أن قال بالمعنى نفسه هيلموت كول مستشار ألمانيا الأسبق في تعليق له على محاولات تركيا الانضمام إلى الاتحاد، وقال بأن الاتحاد الأوروبي ناد مسيحي لا مكان للمسلمين فيه !
لا أحد يمكنه منع أو انتقاد الأوروبيين من وصف اتحادهم بالنادي المسيحي. فالاتحاد فعلياً يجمع دولاً أوروبية تجمعهم الديانة المسيحية بفروعها الثلاثة، وتجمعهم الجغرافيا والتاريخ، بالإضافة إلى مصالح مشتركة، وإنَّ رفضهم انضمام آخرين من خارج الديانة والفكر والثقافة، حق مشروع لهم ولا أحد يجبرهم ضم عضو من هنا أو هناك. هذا أمر منطقي لا غبار عليه.
إن جئنا لعالمنا العربي، وأردنا تطبيق المعيار نفسه ووصف منطقتنا العربية بناد عربي مسلم، فسنجد أن الأمر مشروع ومنطقي أيضاً، وللعرب حق في إقامة مثل هذا التجمع - وإن لم يقم بعدُ لأسباب كثيرة ليس المجال ها هنا للتطرق إليها - لكن أقول: من حقنا رفض أي عضو من خارج الملة المسلمة، أو بعيد عن الفكر والتراث العربي المسلم، كما يفعل النادي المسيحي، وبالتالي ليس لأحد الحق في نقد الرفض هذا، لاسيما من الجانب الأوروبي.
النفاق الغربي وازدواجيته
الشاهد من الحديث أعلاه، أن الغرب الذي انكشفت سوءاته كلها بعد السابع من أكتوبر المجيد، يستهجن هذا الأمر ولا يقبله من العرب، في اثبات لعمق ازدواجية المعايير عنده، وهو الذي زرع في نادينا العربي المسلم، جسماً غريباً أشبه بخلية سرطانية تتمدد مع الزمن، ليأتي الآن مستغرباً من عدم قبول الكيان الصهيوني السرطاني ضمن منطقتنا، رغم إدراكه التام بمدى البعد الشاسع بيننا وبين شذاذ الآفاق أولئك، والذين لا تجمعنا بهم لا ديناً ولا فكراً ولا تراثاً ولا قيماً.
بريطانيا كما يعلم الجميع، أساس المشكلة، بعد أن أخذت على عاتقها نيابة عن الأوروبيين، السير بمشروع التخلص من قذارة ومصائب الشراذم اليهودية في غالب أوروبا، عبر مشروع انشاء وطن يجمع الشتات اليهودي في قلب العالم العربي المسلم، أو النادي العربي المسلم، ووقفت بكل قوتها لزرع هذا الكيان الغريب في جسم الأمة حتى يستوي على سوقه، ثم أخذت الراية من بعدها الولايات المتحدة بصورة أكثر تطرفاً في الدعم والتعزيز والتثبيت، حتى أصابت أمتنا أو نادينا، بجرح لم يندمل حتى اليوم، بل يزداد عمقاً وسوءاً ونتانة.
حين يرفض النادي العربي المسلم، غالبيته أم بعضه، هذا المشروع أو الزراعة الخبيثة هذه، فلأن دخول هذه الشرذمة للنادي سيكون سبباً لصداع مزمن مؤلم، ودخولهم سيكون عامل تفرقة بين أعضاء هذا النادي، بل خطر استراتيجي وجودي، مثلما كانت أوروبا تعاني طويلاً معها. وما دعوات بعض العرب لقبول هذا الكيان بيننا وتطبيع العلاقات معه، إلا دعوات نفاق انهزامية باطلة، لا أساس لها من الدين ولا الثقافة ولا القيم، ومقاومتها لا تقل أهمية عن مقاومة الاحتلال.
لهذا كله، حين يرفض وما زال يرفض الأوروبيون انضمام جار جغرافي مسلم لهم وهي تركيا، باعتبار أن ناديهم مسيحي لا مكان للمسلمين فيه، رغم البون الشاسع بين تركيا والكيان الصهيوني في الاستراتيجيات والمخاطر، فإننا أولى إذن برفض الكيان الصهيوني المحتل أن يكون موجوداً بيننا، الذي لا هو يهودي على هدى موسى – عليه السلام – كي نقبل به في نادينا العربي المسلم باعتبار ايماننا بكل رسل وأنبياء الله الكرام، ولا فكره وتاريخه وتراثه مماثل لنا أو قريب منا حتى يمكن قبوله، فهو كيان خليط مشوه من شذاذ آفاق من علمانيي اليهود مع متطرفين كُثُر، والأكثر منهم ملحدون بلا دين ولا أخلاق ولا قيم، وبالتالي رفض وجود هذا الكيان بيننا أمر منطقي وقانوني لا يثير استغراباً، بل ليس لأحد الحق في استهجان هذا الرفض أو الحث على تغيير فكرة الرفض إلى القبول تحت أي مبرر كان، لاسيما الغرب المنافق.
الطوفان وهدم السردية الصهيونية
من هنا أجد أن أحداث السابع من أكتوبر أو طوفان الأقصى، فرصة تاريخية ثمينة تفرض علينا ضرورة استثمارها بشكل صحيح فوري، عبر قيامنا نحن أعضاء النادي العربي المسلم بتعريف العالم حقيقة هذا الكيان، وما هو إلا صنيعة أوروبية استعمارية استخباراتية متقدمة، قامت على أكتاف بريطانيا، ثم تولت الولايات المتحدة أمر الرعاية و الدعم بعد أفول نجم وتأثير الأولى، وأن هذا الكيان في الأساس ما هو إلا جسم غريب وسط عربي مسلم له دينه وفكره وثقافته وتراثه، ولا علاقة لهذا الكيان بكل تلك الأمور لا من قريب أو بعيد، وبالتالي منطقياً، لا مكان له في هذه البقعة.
جميل جداً كخاتمة لهذا الحديث أن نشيد بشعوب أوروبا وأمريكا وغيرهم في العالم، الذين استعادت نسبة مهمة منهم وعيهم، لاسيما الجيل الشاب منهم، فبدأت في إدراك حقيقة هذا الكيان، وأيقنت بعد بحث ومتابعة لتاريخ القضية، أن الكيان الصهيوني عمل استخباراتي للغرب، وأن شذاذ الآفاق ليس لهم حق في فلسطين، لا دينياً ولا تاريخياً، وبدأت الشعوب الغربية من تلقاء ذاتها بالتحرك لكشف هذه الحقائق المُغيّبة طويلاً للآخرين، وبالتالي أرى أننا أولى بمثل هذه التحركات، ونسف الروايات الصهيونية التي دامت وعششت كثيراً في أذهان العالمين، وتعزيز تحركات الشعوب الحرة في نصرة القضية، قبل أن يتمكن الغرب من جديد لملمة أموره والبدء في إعادة السيطرة على الروايات الداعمة لحق وجود الكيان السرطاني الصهيوني بيننا..
إنها واحدة من التحديات الكبيرة التي تنتظرنا للبدء بالمبادرة تلو الأخرى إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1281
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1089
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
1011
| 07 يناير 2026