رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس حديثنا اليوم عن حيوان الماعز – أعزكم الله – ولا لي دراية بحياتها وكيف تعيش حتى أتحدث عنها. لكن بالطبع أزعجني وربما الكثير منكم، ذلكم الضجيج المثار حول الفيلم الهندي السينمائي «حياة الماعـز» الذي تم إنتاجه بناء على رواية صدرت قبل سنوات عدة لم ينتبه لها كثيرون إلا بعد أن تحولت إلى فيلم درامي سينمائي، وخصوصاً بعد أن تم عرض نسخة مترجمة منه على منصة « نتفليكس « فجذب الاهتمام والأنظار، بل زاد من شعبيته!. الفيلم، وإن حكى قصة حقيقية وقعت بالسعودية قبل سنوات مضت لا تخلو أرقى المجتمعات منها، لم أجد أنه يحتاج لكل هذا التفاعل من الجانب العربي المسلم، سوى ما كان بالشكل الذي يتم عبره توضيح حقائق وخفايا أمور، لكن دون رفض محتوى الفيلم جملة وتفصيلاً في الوقت نفسه، باعتبار أن الجانب الإنساني في الفيلم والمتعلق بظلم الإنسان لأخيه الإنسان، قضية أزلية مستمرة منذ قصة قابيل وهابيل، وبالتالي لابد من الوقوف ضد الظلم في كل زمان ومكان. هذه نقطة أولى.
نقطة ثانية مهمة في هذه المقدمة وهي أن الفيلم، وإن أظهر الجوانب الإنسانية في مشاهد العامل وهو بالصحراء، تناسى عن عمد وقصد، جوانب إنسانية لدى أهالي حفر الباطن، حيث جرت أحداث القصة بجزء بعيد في عمق صحرائها، الذين تكاتفوا وسعوا إلى جمع مبلغ 170 ألف ريال دية المقتول، وهو ها هنا الظالم، أو الكفيل كما سماه الفيلم، وذلك بعد أن تم اعتقال العامل وسجنه لخمس سنوات بسبب القتل الخطأ. ولم يتطرق الفيلم كذلك إلى إنسانية أبناء الظالم، وتنازلهم عن الدية، بل ومنحها للعامل كاملة مع عشرين ألفا أخرى، كنوع من التعويض على سنوات عشر أمضاها العامل في السعودية بدون أجر. إضافة إلى ما سبق، لم يتم التطرق في الفيلم عن قصد أيضاً، إلى العامل غير المسلم وهو يرى إنسانية الأهالي، ومن ضمنهم أبناء ظالمه الجاهل، وتأثره بتلك الأخلاقيات الإسلامية، ما دفعه إلى إعلان إسلامه بعد أن رأى وعاين بنفسه سماحة هذا الدين التي ظهرت في سلوكيات الأهالي، والذين أظهرهم الفيلم على أنهم عديمو رحمة وقساة غلاظ في أحد مشاهد العامل وهو داخل المدينة، مع خلفية لصوت مؤذن ينادي الله أكبر، مع لقطة خاطفة لمئذنة مسجد، من أجل ترسيخ وربط فكرة القسوة والغلظة بالإسلام في ذهنية المشاهد!.
لو نظرنا كنقطة ثالثة مهمة في هذه المقدمة، وبشكل أوسع إلى مسألة الظلم كما يريد الفيلم أن يظهرها، ودققنا النظر في الواقع نحو ما يجري في الهند نفسها من اعتداءات الهندوس الممنهجة والمستمرة على المسلمين، فربما احتجنا مئات الأفلام وآلاف الروايات للحديث عنها، هذا بفرضية رغبتنا الدخول في سباق مع الآخر وبيان ما عنده من مساوئ ومظالم وشرور أيضاً. لكن ما هكذا تورد الإبل - كما تقول العرب - لأن المسألة تحتاج منهجية وعملا واضحا منظما لا يعتمد على ردود أفعال، وهذا هو محور حديثنا اليوم. لكن قبل أن نتعمق أكثر، هناك نقطة أخرى أخيرة مهمة في هذه المقدمة الطويلة، ومن باب تأكيد المؤكد ليس أكثر، هي أنه لا يوجد مجتمع ملائكي الصفات بين البشر، والظلم بأنواعه موجود في أرقى المجتمعات والأمم، وليس عند العرب فقط كما يريد أن يقول هذا الفيلم، كواحدة من رسائله غير المباشرة. ثم إن الفيلم لن يكون آخر الأفلام في سلسلة الإنتاجات الفنية الموجهة والمغرضة، سواء الهندية أو غيرها من تلك التي تسير على درب هوليوود، والتي فعلت بنا أكثر من بوليوود ونظيراتها آلاف المرات.
صناعة السينما
ليس المهم ها هنا الحديث عن الفيلم بقدر أهمية تأمل السؤال الذي يفرض نفسه دوماً في مثل هذه المناسبات والأحوال:
أين السينما العربية؟
وأين الإنتاج الفني الإعلامي العربي المسلم الذي يكشف الحقائق دون مبالغات أو إساءات؟ ستجد أنه لا أثر أو إجابة مقنعة، وإن وجدت بعض أعمال فنية هنا وهناك، فهي غالباً لا تجد ذلكم الدعم الذي يوصلها للعالمية أو إلى الساحات التي يمكن عبرها توصيل رسالتنا للعالم، وهو الأمر الذي يدعونا للتساؤل المستمر أو المتكرر في كل حين: لماذا لا تنشط المؤسسات الفنية والإعلامية في إنتاج دراما فنية هادفة تخدم قضايا الأمة، ولماذا لا تنشط في الوثائقيات وتكشف المستور في تلك المجتمعات التي تتفنن منذ عقود طويلة في الإساءة لنا كعرب ومسلمين، كالمجتمع الأمريكي أو الغربي بشكل عام، ومعهم الآن المجتمع الهندوسي والصهيوني وغيرها من مجتمعات معادية؟ الفن السينمائي أو إن صح التعبير، صناعة السينما، تحتاج إلى كثير رعاية واهتمام في عالمنا الإسلامي. لا أقصد بالسينما الترفيهية العبثية، إنما تلك التي تحمل رسالة واضحة، وتسير وفق رؤى ومنهجية محددة ضمن عمل إعلامي واسع. هذا الفن الإعلامي ما زال مدار بحث ونقاش طويل مفصل يتجدد بين الحين والحين في أوساط علماء الشرع، منذ أن عرف العالم الإسلامي فن التمثيل وإنتاج المسلسلات والأفلام. وما خرجنا من نقاش تلك المسألة بإجماع أو على أقل تقدير، برأي يتفق عليه عدد لا بأس به من العلماء، يكون موجهاً أو معياراً لهذا العمل المهم في زمن الإعلام والمعلومات.
التخلف السينمائي غير مقبول
نعود للموضوع مدار البحث، ونحن نعيش عصراً متسارعاً في أفكاره وعلومه وتقنياته، والفن السينمائي واحد من المجالات التي اختلفنا عليه فتأخرنا، لنؤكد أن التخلف في هذا المجال أمر غير مقبول البتة - ونحن كما أسلفنا - نعيش زمن الإعلام والمعلومات ومنها السينما، فيما غيرنا مستمر في إبداعاته وإتقانه في هذا المجال حتى ساروا بعيداً بعيدا. وصار هذا الفن سلاحاً فاعلاً بأيديهم لا يقل فعالية وكفاءة وأثراً عن الأسلحة العسكرية والاقتصادية وغيرها. هذا الفن أو هذه الصناعة، إيجابياتها تفوق سلبياتها. وليس لأن البعض يستخدمها في الشر فهي بالتالي شر كلها، فنترك جلها. لا، الأمر أوسع من هذا بكثير. إن الكاميرات السينمائية التي تصور الأفلام الهابطة، هي نفسها التي تصور أفلام الاستقامة. إنها آلات صماء تأتمر بأمرك، وأنت من يحركها ويديرها كما تريد وليس العكس. إنها هي نفسها الكاميرات التي قام المخرج السينمائي مصطفى العقاد - رحمه الله - باستخدامها لتصوير فيلمي الرسالة وعمر المختار، واستخدمها تلفزيون قطر لإنتاج أروع المسلسلات التاريخية مثل مسلسل عمر الفاروق والإمام ابن حنبل وغيرهما الكثير النافع.
السينما سلاح مؤثر
ختام القول إنه لا شيء يمنع في استخدام فن السينما في تحقيق المقاصد الطيبة والأهداف الإنسانية النبيلة، وأن نقدم أنفسنا للعالمين بالصورة التي أرادها الله وأرادها رسوله الكريم محمد ﷺ. هذا فن وصناعة، ونحن من يسيطر ويحدد الأطر والضوابط لها، أو هكذا المفترض أن يكون. إن إنتاجاً فنياً على غرار مسلسل عمر، أو فيلم الرسالة وعمر المختار ومحمد الفاتح كأبرز نماذج سينمائية مسلمة، يمكنها فعل الكثير من التأثير في الآخرين. ومطلوب بالتالي على غرارها، أن يستمر الإنتاج السينمائي أو صناعة السينما بذلكم المستوى وأفضل، وفق رؤى واضحة وأهداف محددة. وبها كذلك يمكننا أن نواجه المخالف الراغب في التشويه والإساءة بنفس السلاح الذي يستخدمه، ليس بالتشويه طبعاً، لكن عبر إنتاج أعمال راقية بديعة تكون قادرة على كشف رداءة بضاعة المهاجم حين يأتي وقت المقارنة.
بمثل هذا التفكير وهذه المنهجية نخدم ديننا، دون أن نشتت ونهدر مواردنا وجهودنا على شكل ردود أفعال قد تصيب، أو تخيب غالب الأحيان. والله دوماً كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مناورات العدالة الصينية حول تايوان
في نهاية ديسمبر الماضي أجرى الجيش الصيني مناورات عسكرية حول تايوان هي الأضخم منذ 2022 انطلقت تحت مسمى... اقرأ المزيد
57
| 13 يناير 2026
بهجة الإنسان
تقول الدراسات إنه لكي يعيش المرء حياة مُرضية يجب أن يتوافر له ثلاثة أمور، هي المعنى والإنجاز والبهجة.... اقرأ المزيد
27
| 13 يناير 2026
التفاصيل.. قلب المعنى الإنساني !
قد نظن أحياناً أن الأثر يُصنع فحسب بالأفعال الكبيرة ! وأن المشاعر تُروى فقط بخطواتٍ مدوية، ونغفل عن... اقرأ المزيد
36
| 13 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1275
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1074
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
1002
| 07 يناير 2026