رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. موضي مبارك ناصر البوعينين

- دكتوراه في العلاقات الدولية

مساحة إعلانية

مقالات

0

د. موضي مبارك ناصر البوعينين

من الإجراء إلى القرار.. فجوة المتابعة والتصعيد الإداري في دورة المعاملة

30 أغسطس 2026 , 11:04م

لا تُقاس كفاءة الإدارة بعدد المعاملات التي تستقبلها، ولا بسرعة تسجيلها وإحالتها فحسب، وإنما بقدرتها على إيصال كل معاملة إلى نهاية واضحة: قرار، أو إجراء مكتمل، أو رد مسبب يمكن لصاحب العلاقة أن يفهم من خلاله ما تم بشأن طلبه.

وقد تمتلك المؤسسة أنظمة إلكترونية متقدمة، وقنوات واضحة لاستقبال الطلبات، وأرقامًا لمتابعة المعاملات، وتسلسلًا إداريًا منظمًا، ومع ذلك قد تظهر إشكالية مختلفة لا تتعلق بغياب الإجراء، وإنما بما يحدث بعد بدء الإجراء.

فقد يُسجل الطلب، ويُحال من مستوى إداري إلى آخر، ويبقى لفترة طويلة “تحت الإجراء”، ثم ينتقل بين أكثر من جهة أو مسؤول، دون أن يعرف صاحبه أين وصل تحديدًا، وما الإجراء الذي اتُخذ بشأنه، ولماذا تأخر، ومتى يتوقع أن يصدر القرار النهائي، وقد تمتد دورة المعالجة أشهرا أو تتجاوز دورة إدارية كاملة ثم يجد صاحب الطلب نفسه أمام إعادة تقديمه والبدء من جديد دون أن يكون واضحا ما انتهى إليه الطلب السابق أو عند أي مرحلة توقف وهنا تظهر إشكالية يمكن وصفها بـ فجوة التصعيد والتغذية الراجعة، والمقصود بالتصعيد هنا "انتقال المعاملة المتعثرة وفق مسار مؤسسي محدد إلى المستوى الإداري القادر على حسمها وليس تجاوز التسلسل الإداري"، وتتفاوت طبيعة هذه المعاملات والطلبات؛ فقد تتعلق بطلب توظيف، أو نقل، أو ندب، أو إعارة، أو طلب مقابلة، أو غير ذلك من المسارات الإدارية التي تتطلب انتقال الطلب بين أكثر من مستوى أو جهة لاتخاذ القرار المناسب، تزداد أهمية التتبع في هذا النوع من الطلبات حين يرتبط القرار بالمسار المهني للموظف أو بالاستفادة من مؤهلاته وخبراته أو باحتياجات الجهة من الكفاءات، إذا قد لا تكون تكلفة التأخر هنا زمنية فحسب وإنما قد تمتد إلى فقدان فرصة للاستفادة من مورد بشري مؤهل. فالمشكلة ليست بالضرورة في إمكانية الوصول إلى المسؤول الأعلى؛ فقد تصل بعض الموضوعات بالفعل إلى مستويات قيادية، وقد يصدر بشأنها توجيه، إلا أن السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا يحدث بعد التوجيه؟ ومن يضمن انتقاله من مستوى إلى آخر حتى يتحول في النهاية إلى إجراء أو قرار أو نتيجة؟ إن صدور التوجيه لا يمثل نهاية الدورة الإدارية، بل بداية مرحلة تنفيذية تحتاج بدورها إلى المتابعة، وإذا لم توجد آلية تضمن استمرارية الملف عبر المستويات المختلفة، فقد تتسع المسافة بين القرار والتنفيذ، ويصبح صاحب المعاملة مضطرًا إلى المتابعة الشخصية المتكررة لمعرفة أين توقف طلبه، وهنا لا ينبغي أن يكون الحل في تجاوز التسلسل الإداري أو فتح باب المسؤول الأعلى لكل معاملة؛ فذلك قد يخلق عبئًا إداريًا جديدًا، وإنما تكمن الحاجة في بناء نظام تتبع ومساءلة إدارية يجعل المؤسسة نفسها قادرة على اكتشاف التعثر قبل أن يضطر صاحب المعاملة إلى اكتشافه، ويمكن أن يقوم هذا النظام على رقم موحد للمعاملة يستمر معها حتى إغلاقها، وسجل إلكتروني يوضح مراحل انتقالها والجهة المسؤولة عن كل مرحلة، ومدد معيارية للمعالجة، وتنبيهات عند تجاوزها، إلى جانب مسار واضح للتصعيد عندما تتوقف المعاملة مدة غير مبررة أو تنتقل بصورة متكررة دون حسم، ولا تعني المساءلة هنا البحث عن المخطئ بقدر ما تعني الإجابة عن أسئلة إدارية بسيطة: أين توقفت المعاملة؟ لماذا توقفت؟ من الجهة المختصة باتخاذ الإجراء التالي؟ وما الذي يمنع انتقالها إلى القرار النهائي؟

وتزداد أهمية هذا النظام عندما لا تكون المشكلة حالة فردية. فإذا كشف التتبع أن نوعًا معينًا من المعاملات يتأخر بصورة متكررة، أو أن الطلبات تعود باستمرار إلى نقطة سابقة، أو أن مرحلة محددة تمثل موضع التعثر في عدد كبير من الحالات، فإن الأمر يتحول من مشكلة صاحب معاملة إلى مؤشر مؤسسي يستحق الدراسة وتصحيح المسار، ومن هنا يمكن أن يصبح نظام التتبع نفسه أداة للتطوير الإداري؛ إذ توفر البيانات المتراكمة خريطة للاختناقات الإجرائية، وتساعد القيادات على معرفة أين تتباطأ الإجراءات، وأين تتكرر الإحالات، وأي المراحل تحتاج إلى إعادة تصميم أو توضيح للصلاحيات، وهذا يقود إلى مبدأ مهم في الحوكمة التنفيذية: لا تنتهي مسؤولية النظام الإداري بإحالة المعاملة، وإنما بإغلاقها بقرار أو نتيجة واضحة قابلة للتتبع والتفسير، فالتحول الرقمي الحقيقي ليس تحويل المعاملة الورقية إلى رقم إلكتروني فحسب، وإنما بناء دورة إدارية تستطيع تتبع القرار من بدايته إلى نهايته، وتوفر تغذية راجعة مستمرة، وتكتشف التعثر، وتفعّل التصعيد عند الحاجة، وهنا يصبح السؤال الذي يستحق أن تطرحه المؤسسات على نفسها: متى ينتهي الإجراء ويبدأ القرار؟ وماذا يحدث للمعاملة بين الاثنين؟

إن تطوير آليات التصعيد والتغذية الراجعة والتتبع لا يخدم أصحاب المعاملات وحدهم، بل يخدم المسؤول وصانع القرار أيضًا؛ لأنه يمنحه صورة أكثر دقة عن أداء المنظومة التي يديرها، ويكشف له المشكلات التي قد لا تصل إليه من خلال التقارير الاعتيادية.

فالغاية ليست أن تصل كل معاملة إلى الوزير أو المسؤول الأعلى، وإنما أن يصل كل ملف إلى مستوى القرار المناسب، وأن يصل كل توجيه إلى نتيجة، وألا يعود صاحب المعاملة إلى نقطة البداية لأن النظام فقد استمرارية مسارها، وهنا تتحول المتابعة من جهد فردي يبذله صاحب الطلب إلى مسؤولية مؤسسية تتحملها المنظومة نفسها.

اقرأ المزيد

دبلوماسية التكامل الإستراتيجي دبلوماسية التكامل الإستراتيجي

في العقود الأخيرة شهد العالم تحولات متسارعة في طبيعة العلاقات الدولية فلم يعد التعاون التقليدي بين الدول كافيًا... اقرأ المزيد

699

| 25 أبريل 2026

الاتحاد الخليجي.. الأمن والتكامل الإقليمي الاتحاد الخليجي.. الأمن والتكامل الإقليمي

في ظل التهديدات الأمنية المتصاعدة التي تواجهها دول منطقة الخليج نتيجة التصعيد العسكري في الإقليم، تبرز الحاجة إلى... اقرأ المزيد

786

| 07 مارس 2026

عندما تتحول المسؤولية إلى سلطة ويهمش الحق عندما تتحول المسؤولية إلى سلطة ويهمش الحق

في الأنظمة الإدارية الحديثة، لا تُقاس العدالة بوجود القوانين فقط، بل بمدى الالتزام بتطبيقها على الجميع دون استثناء،... اقرأ المزيد

573

| 09 فبراير 2026

مساحة إعلانية