رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مها الغيث

mismaha1@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

0

مها الغيث

التاريخ الذي بدأ قبل 1948

31 أغسطس 2026 , 11:00م

رغم ما يوحي عنوان الكتاب من اختصار قد لا يتماشى مع طبيعة صراع راهن بالغ التأزم والتعقيد، إلا أن المؤلف لا يتعامل مع هذا الاختصار من ناحية التقليص الزمني، حيث يختار نقطة بداية يسترسل بعدها مع الأحداث وفق رؤية تتبع جذور الصراع المرتبط بالمشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين منذ أواخر القرن التاسع عشر، والذي أفرز عمليات تطهير عرقي ومقاومة فردية وأخرى مسلحة، انتهت بمشهد الاحتلال الحالي، عبر تحوّلات سياسية كبرى!

يصدر هذا الكتاب (موجز تاريخ الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني) حديثاً، وهو يعيد معه سياقات السابع من أكتوبر 2023 وما تلاه من تصدير عريض للقضية الفلسطينية إلى واجهة العالم، مع إصرار المؤلف العودة إلى ما قبل 1948 و1967 من أجل فهم أكثر واقعية للحاضر.

إنه إيلان بابِه، مؤرخ إسرائيلي وُلد في حيفا عام 1954، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أكسفورد، ويعمل حالياً أستاذاً في جامعة إكستر البريطانية، وقد ارتبط اسمه بالدراسات الفلسطينية وبتيار «المؤرخين الجدد» في "إسرائيل". ومن أشهر أعماله (التطهير العرقي في فلسطين)، وهو الذي اشتهر بقراءته النقدية للحركة الصهيونية، وبموقفه الداعم لحقوق الفلسطينيين.

لا يتردد المؤرخ في اختيار اللحظة التي ينبغي أن يبدأ منها هذا التاريخ، حيث يحددها في عام 1882 الذي شهد وصول طلائع المستوطنين الصهاينة إلى فلسطين العثمانية، وهي اللحظة التي تشهد أيضاً نشأة الصهيونية في السياق الأوروبي العام، والمجتمع الفلسطيني القائم آنذاك. ومن هذه اللحظة المصيرية، ينتقل للحديث عن الحرب العالمية الأولى والانتداب البريطاني ووعد بلفور، متتبعاً نمو حركة الاستيطان الصهيوني، مقابل تشكّل الحركة الوطنية الفلسطينية. ثم يتناول الاضطرابات التي وقعت عام 1929 وقيام الثورة العربية الكبرى بين 1936 و1939 وقمعها، ثم السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وقرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عام 1947 وصولاً إلى نكبة 1948، التي يخصص لها المؤرخ فصلاً كاملاً يتناول فيه تهجير الفلسطينيين وتدمير قراهم والاستيلاء على أراضيهم، وولادة قضية اللاجئين بالتزامن مع قيام دولة إسرائيل.

ومع منتصف الكتاب، يستعرض المؤرخ أحداث ما بعد النكبة التي تتناول أوضاع من بقي من الفلسطينيين داخل "إسرائيل"، إضافة إلى اللاجئين المنتشرين في الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية، ملحقاً بصعود الحركة الوطنية وتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية. ثم يصل إلى حرب حزيران 1967 التي أفضت إلى احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، وما أعقبها من حكم عسكري وتوسع في بناء المستوطنات ومصادرة الأراضي. يتتبع بعد ذلك تحولات المقاومة الفلسطينية وظهور فصائلها المختلفة، قبل الانتقال إلى الانتفاضة الأولى عام 1987 وصعود حماس، ثم اتفاقيات أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية وتقسيم الضفة الغربية إلى مناطق مختلفة أمنياً وإدارياً. عليه، يعرض ما آلت إليه عملية السلام من استمرار الاستيطان وبقاء القدس المحتلة واللاجئين والحدود والسيادة كقضايا بلا تسوية، وصولاً إلى الانتفاضة الثانية عام 2000 وتصاعد المواجهات والعمليات العسكرية على نحو أكثر حدة.

ثم يخصص المؤرخ الفصول الأخيرة للوضع الفلسطيني-"الإسرائيلي" في القرن الحادي والعشرين، بدءاً من الانسحاب "الإسرائيلي" من مستوطنات غزة عام 2005، ثم فوز حماس في انتخابات 2006 وسيطرتها على القطاع مع ما صاحبه من انقسام فلسطيني، إلى الحصار والحروب المتعاقبة على القطاع بالتوازي مع استمرار الاستيطان والتحولات التي شهدتها الضفة الغربية على الناحية الأخرى.

وفي الفصل الأخير، يتعرض المؤرخ للسياق التاريخي والأخلاقي المتعلق بأحداث السابع من أكتوبر 2023، حيث وهو يتطرق إلى هجوم حماس وما أعقبه من حرب "إسرائيلية" شاملة على غزة، يربطه بالتاريخ الذي أشار إليه في أواخر القرن التاسع عشر، كمرحلة لاحقة، فيختم حديثه بمناقشة مستقبل الصراع وقضية اللاجئين، وتراجع إمكانية تطبيق حل الدولتين في ظل الواقع الجغرافي والاستيطاني القائم، ويقترح تأسيس دولة ديمقراطية مشتركة تقوم على مساواة الحقوق بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين"، مؤكداً على معالجة الحقوق الفلسطينية التاريخية.

يعتمد المؤرخ "الإسرائيلي" في كتابه خط تحليلي-موضوعي يرفض معه معالجة الصراع القائم كسلسلة متلاحقة من الأخطاء المتبادلة، حيث يركز على اختلال موازين القوة، وكثافة حركة الاستيطان مع ما يلحق بها بالضرورة من تهجير وعنف وتدمير واحتلال...، وذلك كمنظومة متصلة ببعضها. إن هذا التسلسل الموضوعي يمنح الأحداث المترابطة والمتزاحمة وضوحاً أكبر مما قد تظهر عليه كأحداث مبهمة أو منفصلة في نشرات الأخبار. كذلك، يبرع المؤرخ في ضغط تاريخ يتجاوز القرن من الزمان ضمن حيّز محدود لا يحشر فيه رتل من أرقام وتواريخ، حيث تتجلى أهمية طرحه في ربط السياسة الدولية بالتحولات الاجتماعية، والمحافظة على مركزية التجربة الفلسطينية، لا سيما حين يتطرق إلى النكبة واللجوء والاستيطان والحصار.

في الختام، لم ينأَ الوجدان العربي يوماً عن قضية فلسطين التي لم تزل كالجرح المفتوح خلّفه المعتدي، في الوقت الذي جاء فيه أحد أبناء جلدته لينقّب عن تلك الجذور التي تصل ماضي العدوان بحاضر ينبغي أن يكون أكثر صدقاً.. ماض وحاضر يسطران تاريخ أرض، فيما دماؤها لم يُكتب لها أن تجفّ بعد!

اقرأ المزيد

عندما يخاف الطبيب: البعد الإنساني في الطب الحديث عندما يخاف الطبيب: البعد الإنساني في الطب الحديث

يتزامن هذا الكتاب مع لحظة ثقافية يتصدّر فيها النقاش كفاءة الطب، في الوقت الذي يهمل حقيقة ما يعتمل... اقرأ المزيد

219

| 11 يونيو 2026

معرض الدوحة للكتاب كما رأيته معرض الدوحة للكتاب كما رأيته

"لطالما تخيلت الفردوس على هيئة مكتبة". لا يبدو الأديب الأرجنتيني لويس بورخيس مفرط الخيال وحسب في فردوسه المتخَيل،... اقرأ المزيد

522

| 01 يونيو 2026

هندسة الذات روحياً (2-2) هندسة الذات روحياً (2-2)

..... نواصل الحديث حول كتاب « Inner Engineering: A Yogi's Guide to Joy» لمؤلفه/ Sadhguru هنالك أيضاً كليشيه... اقرأ المزيد

396

| 08 مايو 2026

مساحة إعلانية