رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هاشم عبدالله مستريحي

مساحة إعلانية

مقالات

90

هاشم عبدالله مستريحي

حوكمة صور الذكاء الاصطناعي

23 فبراير 2026 , 07:19ص

في زمنٍ كانت فيه الصورة "شاهدًا"، أصبحت اليوم "سؤالًا". منصات التواصل تمتلئ بصور وفيديوهات مولَّدة أو مُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي إلى درجة تُربك الحسّ العام وتُضعف ثقة الفرد بما يرى. الأخطر أن هذا الفيضان البصري لا يهدد سمعة أشخاصٍ فحسب، بل يضغط على سياسات الدول واقتصاداتها: لقطة واحدة قد تُشعل غضبًا، أو تُسقط ثقةً بمؤسسة، أو تُربك قرارًا عامًا قبل أن يصل التحقق إلى الناس. لذلك لم يعد التضليل شأنًا هامشيًا؛ خاصة عندما يضع المنتدى الاقتصادي العالمي “المعلومات المضللة والتضليل” في صدارة تهديدات المدى القريب للعام الثاني على التوالي لأنها تقوّض الثقة وتغذّي الاستقطاب وتُعقّد الحوكمة.

تقنيًا، يتأسس كثير من هذا المحتوى على التزييف العميق "الديب فيك" يبدّل الوجوه والأصوات. والشبكات التوليدية الخصمية تُدرّب نموذجًا على إنتاج صورة، وتُدرّب نموذجًا آخر على كشف زيفها، في سباقٍ يجعل الناتج أكثر إقناعًا بمرور الوقت. ولهذا يصبح التمييز بين الحقيقي والمصنوع مهمة شاقة حتى للعين الخبيرة. مراجعة منهجية حديثة خلصت إلى أن متوسط دقة البشر في كشف الديب فيك يدور حول 55% تقريبًا، أي قريب من حدود الصدفة في كثير من السياقات.

هنا تبدأ الأبعاد النفسية، حين يفقد الإنسان يقينه البصري، يتشكل قلقٌ معرفي جديد، وتنهكنا دوامة التحقق أو العكس الاستسلام للانفعال. بالنسبة للمراهقين، القضية تمس الهوية مباشرة، فصورة معدلة قد تهز الثقة بالنفس، ومقطع مزيف قد يتحول إلى أداة تنمّر أو ابتزاز. وتشير مصادر طبية متخصصة إلى أن استهداف الأشخاص بصور جنسية اصطناعية أو بمحتوى مركّب قد يسبب صدمة وقلقًا وعارًا وانسحابًا اجتماعيًا، مع تعقيدات أكبر عندما يكون الضحايا من صغار السن.

أما اجتماعيًا، فالمسألة تهدد اقتصاد الثقة ذاته. ما يلفت النظر أن الأخبار الكاذبة تاريخيًا تنتشر أسرع وأبعد من الأخبار الصحيحة على المنصات الرقمية، لا لأن الآلات وحدها تدفعها، بل لأن البشر يميلون لمشاركة ما هو صادم وجديد. ومع تسارع المحتوى الاصطناعي، يتعمق هذا الميل، كلما كانت القصة أكثر إثارة، كانت مشاركتها أسهل، حتى لو كانت ملفقة. النتيجة مجتمعٌ يستهلك انطباعات بدل الحقائق، ويختلف على الواقع قبل أن يختلف على تفسيره.

قانونيًا وأخلاقيًا، تتقاطع الظاهرة مع الخصوصية وحقوق الصورة والتشهير والمسؤولية. أوروبا، مثلًا، اتجهت إلى تنظيم قائم على المخاطر وفرض متطلبات شفافية على بعض أنماط الذكاء الاصطناعي، بما فيها جوانب تتعلق بالمحتوى المُولَّد أو المُتلاعب به، بالتوازي مع قواعد تُحمّل المنصات التزامات لحماية الحقوق وتقليل المخاطر المنهجية في الفضاء الرقمي. وفي المقابل، بدأت المنصات نفسها تتحرك: يوتيوب يطلب من صناع المحتوى الإفصاح عن المواد المعدلة أو الاصطناعية عندما تبدو واقعية، وميتا وسّعت سياسة وضع ملصقات مثل "مولّد بالذكاء الاصطناعي" لزيادة الشفافية. 

لكن الشفافية وحدها لا تكفي ما لم تُدعم ببنية تقنية تُثبت الأصل. هنا يظهر اتجاه إثبات المصدر الذي يهدف إلى توثيق منشأ المحتوى وسجل تعديله عبر "اعتمادات محتوى" يمكن التحقق منها. هذه المعايير واعدة، لكنها تحتاج تبنيًا واسعًا وتكاملًا مع التطبيقات والمنصات كي لا تضيع بياناتها بمجرد إعادة رفع الملف أو ضغطه.

ولأن الضرر ليس نظريًا، يكفي أن نتذكر كيف استُخدم اجتماع فيديو مزيف لانتحال موظفين وإقناع موظف بتحويل مبالغ ضخمة في واحدة من أبرز قضايا الاحتيال المرتبطة بالديب فيك. فالرسالة هنا واضحة، الخداع اليوم لا يستهدف السمعة فقط، بل المال والقرار.

ما العمل إذن؟ أن نتعامل مع الصورة كفرضية لا كحكم مطلق. أن نسأل عن المصدر الأول، والسياق، وتاريخ الحساب، وأن نقارن الخبر بمصادر مستقلة قبل المشاركة. وأن يلتزم صناع المحتوى بالإفصاح عندما يستخدمون أدوات توليد أو تعديل، احترامًا لحق الجمهور في المعرفة. وأن تُلزم المنصات بسياسات ووسوم واضحة، وتدعم أدوات التحقق، وتمنح الباحثين والجهات المختصة بيانات تساعد على رصد التضليل ومواجهته.

في النهاية، ليست المعركة ضد الذكاء الاصطناعي؛ فله فوائد واسعة في الإبداع والتعليم والإتاحة. المعركة ضد تحويله إلى مصنعٍ للالتباس. وفي زمنٍ يمكن فيه صنع "واقع مزيف" خلال ثوانٍ، تصبح الحقيقة مشروعًا جماعيًا: تشريعًا رشيدًا، ومنصات مسؤولة، وإعلامًا متحققًا، ومواطنًا لا يشارك قبل أن يفهم.

Mestarihihashem@gmail.com

اقرأ المزيد

alsharq من الحضور إلى الأثر.. نقلة هادئة في فلسفة التعليم

يشهد قطاع التعليم تطورًا مستمرًا في أدواته وأنظمته، في إطار الحرص على تعزيز الانضباط وتحسين بيئة التعلم. وهذه... اقرأ المزيد

129

| 24 فبراير 2026

alsharq رغم كــل شـيء.. قطـر ستظـــل قـوية

"بينت وزيرة الدولة للتعاون الدولي سعادة الدكتورة مريم بنت علي المسند أن ما يبرز الدور القطري في الوساطات... اقرأ المزيد

99

| 24 فبراير 2026

alsharq "موت الإنترنت".. أم انزياح المعنى خارج الإنسان؟

في لحظةٍ ما، يتلاشى اليقين بشأن هوية من يكتب على الإنترنت: إنسان أم خوارزمية؟ عندها لم يعد ما... اقرأ المزيد

141

| 24 فبراير 2026

مساحة إعلانية