رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مها الغيث

mismaha1@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

168

مها الغيث

في لندن.. كل الطرق تؤدي إلى المكتبة

21 أكتوبر 2026 , 12:00ص

في السفر متع لا تُحصى، متعة الطريق حين يبدأ عند عتبة الوصول ويتبدّل المشهد، ومتعة المدينة حين تسفر عن مزاجها شيئاً فشيئاً، بين الوجوه العابرة والأزياء والطعام واللغة، ومتعة المصادفات التي يرتبها القدر، ثم العودة بألبوم صور لا تعني لغير صاحبها شيئاً. ثمة متعة من نوع آخر، تدوم رغم أنها أقل بهرجة، إنها متعة الكتب التي لا تكون عادة في حسبان خطة السفر. يختلف هذا النوع من المشتريات عما سواه مما يُدس في الحقيبة، فهو قطعة من المدينة نفسها، فالكتاب حين يُفتح بعد حين، يبعث ذكرى المدينة، ورائحة الشارع، وملمس الرف، ولحظة امتدت إليه اليد لالتقاطه وتشبثت به. ولم لا؟ فإذا كانت المدن تُقرأ، فالكتب إحدى طرق قراءتها، وفي مدينة لندن، بدا لي أن كل الطرق تؤدي بطريقة أو بأخرى إلى مكتبة -كان آخرها مكتبة في هيثرو- بحيث إنني عندما غادرتها بعشرين كتاباً، بدت لي حين صففتها معاً، كأنها خط موازٍ للرحلة، التي لم تتريث معها تلك التساؤلات التي أحملها عادة، حول الإنسان والوجود والجسد والمعتقد والتقنية والذاكرة والسياسة.

بدأت اختياراتي -في أشدها قتامة- من (السياسة). فكتاب (Hyperpolitics: Extreme Politicization Without Political Consequences /فرط السياسة: تسييس متطرف بلا عواقب سياسية)، يبحث في زمن بات مسيّساً في أغلبه، بينما تراجعت فيه السياسة نفسها كنظام جماعي قادر على إحداث نتائج. من جانب آخر، يأتي كتاب (Age of Anger: A History of the Present /عصر الغضب: تاريخ الحاضر) ليعرض سمة الغضب الحديث كامتداد لتوترات رافقت الحداثة بالضرورة. فيما يضع كتاب (This Is Not Propaganda: Adventures in the War Against Reality /هذه ليست دعاية: مغامرات في الحرب ضد الواقع)، الحقيقة نفسها تحت الاختبار في عالم الدعاية والحروب المعلوماتية.

أما كتاب (The Message /الرسالة)، فهو يشير إلى دور الحكاية في تشكيل ما يراه البشر ويصدقونه، فيجعل من فلسطين مثالاً مركزياً عن تصادم السرديات الموروثة مع الواقع، وهو يتجاور في فكرته مع كتاب (So You’ve Been Publicly Shamed /إذن، لقد تعرّضتَ للتشهير العلني)، الذي يتطرق إلى الجانب الاجتماعي من العقاب، في عصر المنصات الرقمية وجماهيرها.

ثم من ركن أشدّ ظلمة، يطل كتاب (Homo Criminalis: How Crime Organises the World /الإنسان المجرم: كيف تنظّم الجريمة العالم)، وهو يتتبع تشابك الجريمة -بالأحرى المنظمة- مع الاجتماع والاقتصاد والسياسة عبر مرافق الدولة الرئيسية، بينما يفتح كتاب (Empire of Pain /امبراطورية الألم)، باباً مشرّعاً على السلطة، لكن في هذه المرة عبر المال وصناعة الدواء والمسؤولية في أزمة المواد الأفيونية الماضية.

ولم تغب التكنولوجيا عن الحصيلة المعرفية، حيث يسائل كتاب (The New Dark Ages: The End of Reading and the Dawn of a Post-Literate Society /العصور المظلمة الجديدة: نهاية القراءة وفجر مجتمع ما بعد القراءة) تراجع القراءة، وهو يحمّل الأجهزة الذكية المسؤولية في المقام الأول، فيما يناقش كتاب (The Reverse Centaur’s Guide to Life After AI /دليل القنطور المعكوس للحياة بعد الذكاء الاصطناعي)، علاقة الإنسان بالذكاء الاصطناعي قبل أن يفوت أوان التفكير فيه.

وفي الكتب المتعلقة بقضايا المرأة الأكثر جدلية، يقدم كتاب (Vagina Obscura: An Anatomical Voyage / العضو الغامض: رحلة تشريحية) عرضا علميا في تشريح الجسد الأنثوي، بينما يضيف كتاب (A Bloody Scandal / فضيحة دموية) فصلا آخر إلى تاريخ معاناة النساء مع الطب. وبينما يعيد كتاب (A History of Science in 21 Women /تاريخ العلم في 21 امرأة) نساء كثيرات إلى مدونة العلم، وقد أُسقطن عمداً أو سهواً، يجمع كتاب (Women on Porn: 100 Stories. 1 Vital Conversation / نساء يتحدثن عن الإباحية: مئة قصة وحوار واحد بالغ الأهمية) شهادات نسائية عن العلاقة المعقدة مع المواد الإباحية.

وعلى الضفة الأخرى، تتشابك معضلات الدين والهوية، حيث يناقش كتاب (How Religion Evolved: And Why It Endures /كيف تطوّر الدين ولماذا يستمر)، جذور الدين وعوامل سطوته، بينما يقارب كتاب (The Queer Thing About Sin /الوجه الغريب للخطيئة) ما بين الدين والجنس والهوية من إشكاليات. ثم يتساءل كتاب (Belonging: A Culture of Place /الانتماء: ثقافة المكان) عن معنى المكان وعلاقته بالذاكرة والانتماء.

وبين هذا الثقل، تركت الحقيبة مساحة للأدب. من كتاب (On Being ill /عن المرض)، إلى ديوان (Life Immediately /الحياة فوراً) إلى ديوان (Quiet /هدوء). أما كتاب (David and Goliath: Underdogs, Misfits, and the Art of Battling Giants /داود وجالوت: المستضعفون وغير المنسجمين وفن مقارعة العمالقة)، فيعود إلى قانون القوة، وبحث من يملكها حقاً.

ختاماً، ومع هذه الكتب مجتمعة، لست أدري ما إذا كنت قد وضعت لندن في حقيبة كتب، كمدينة فتحت لي طرقاً نحو العالم المضطرب، أم أن لندن هي من منحتني مكتبة سفر، تحيط بمركز واحد: الإنسان؟!

أياً كان، ربما كانت الكتب في النهاية، أكثر تذكار يحتفظ بروح المدن.. بعد وداعها.

مساحة إعلانية