رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(1) قبل عشر سنوات من تاريخ نشر مقال سعادة الدُّكتور حمد عبد العزيز الكواري، رئيس مكتبة قطر الوطنية، بعنوان "السُّودان … جرح الحضارة النَّازف: تدمير المتحف القوميِّ السُّودانيِّ"، أعدَّ الصَّحفيَّان رجاء نمر وحسن أبو الرِّيش تحقيقًا صحفيًّا عن الآثار السُّودانيَّة بعنوان "الآثار السُّودانيَّة: إنَّهم يسرقون التَّاريخ"، نشرته صحيفة التَّيَّار في يوليو 2015. تناول الصَّحفيِّان المشار إليهما في ذلك التَّقرير موضوع سرقة الآثار السُّودانيَّة، وعرضا بشكل مفصَّل التَّهديدات الكبيرة الَّتي تواجه التُّراث الثَّقافيَّ والتَّاريخيَّ في السُّودان. وأبانا حجم الاعتداءات والسَّرقات، الَّتي تعرَّضت لها الآثار السُّودانيَّة من قِبَل عصابات النَّهب المحلِّيَّة والأجنبيَّة. وأشارا إلى الدَّور الَّذي تقوم به مافيا الآثار في المناطق الغنيَّة بالموارد الأثريَّة مثل مرويِّ البجراويَّة وجبل البركل. والآن يشهد السُّودان أكبر عمليَّة نهب في تاريخه، بعد العمليَّة الَّتي قام بها الطَّبيب الإيطاليُّ جوزيبي فريليني (1797-1870)، الَّذي رافق حملة غزو محمد علي باشا للسُّودان عام 1820. وبعد انتهاء خدماته مع الجيش الغازي عام 1934، أخذ فريليني إذناً من خورشيد باشا، حكمدار عام السودان؛ للتنقيب في بعض المواقع الأثرية، ثم شدّ رحاله إلى مرويِّ البجراويَّة ومنطقة جبل البركل ونوري، وقام بتفجير العديد من الأهرامات بحثًا عن الذَّهب والمجوهرات الكوشيَّة. ويقال إنَّه قد سرق مقتنيات مقبرة الملكة أماني شكتو (Amanishakheto)، وبعد عودة إلى بلاده سارع بعرضها على المتاحف الأوروبِّيَّة في ميونخ وبرلين. وقد وثَّق لهذه العمليَّة الإجراميَّة بول ثيروكس (Paul Theroux)، الرِّوائيَّ الأمريكيَّ، الَّذي أكَّد أنَّ فريليني قد قام بنسف قمم الأهرامات بالدِّيناميت، فشوِّهها وأفقدها قيمتها الجماليَّة وطمس أسرارها، وسرق مكتنزاتها الثمينة. والعملية الثانية تحدث الآن أمام أعيننا، حيث نُهبت آثار ومقتنيات متحف السودان القومي وغيره من المتاحف الأخرى. (2) متحف السُّودان القوميِّ ونهب آثاره يُعَدُّ متحف السُّودان القوميِّ في الخرطوم، أكبر المتاحف السُّودانيَّة على الإطلاق. بدأ العمل فيه في النِّصف الثَّاني من ستينيَّات القرن العشرين، واُفتتح عام 1971 في عهد حكومة مايو (1969-1985). ويحتلَّ المتحف موقعًا متميِّزًا في العاصمة الخرطوم، إذ يطلُّ على شارع النِّيل وجوار مبنى قاعة الصَّداقة، ويفتح مدخله الرَّئيس صوب النِّيل الأزرق، وقبل التقاء النِّيلين في منطقة المقرن. وقد صُمَّمت مباني المتحف بطريقة رائعة، إذ يوجد في فناء مدخله الرَّئيس متحف مفتوح، يحتوي على عدد من المعابد والمدافن والنَّصب التِّذكاريَّة والتَّماثيل، الَّتي تعكس طرفًا من الآثار النَّوبيَّة السُّودانيَّة الَّتي غمرتها مياه السَّدِّ العالي، وقد وضعت هذه القطع الآثاريَّة حول حوض مائيّ، تعطي الزَّائر انطباعًا بأنَّها في موضعها الأصليِّ. وكانت قاعات المتحف تحتوي على مقتنيات أثرية من مختلف أنحاء السودان، يرجع تاريخها إلى عصور ما قبل التاريخ، حيث تشمل الآثار الحجرية، والجلدية، والبرونزية، والحديدية، والخشبية، الأدوات الفخارية، والمنحوتات، والصور الحائطية، فضلاً الآثار المسيحية والإسلامية، التي تشكل جزءًا من هوية السودان. وعندما اقتحمت قوَّات الدَّعم السَّريع مباني متحف السودان القومي في بداية هذه الحرب اللَّعينة تطير العارفون بمقتنياته شرًّا، وبعد تحرير الخرطوم نقلت عدسات القنوات الفضائية أنَّ مقتنيات المتحف قد نهبت. ولذلك وصف الكواري ما حدث بأنَّه: "أمر محزن... أنَّ نرى التَّاريخ يباد تحت أقدام الطَّامعين، وأن يُسرق ما لا يعوِّض، ويُطمس ما لا يُقدَّر بثمن." نعم، يمكن إعادة إعمار الأضرار المادِّيَّة التي لحقت بمباني المتحف، و"لكن كيف يُعاد ما سُرق؟ كيف تُبعث من جديد قطع أثريَّة عمرها آلاف السِّنين؟ كيف يُعوِّض شعب تُسلب ذاكرته وهو ينزف؟ إنَّ ما يحدث في السُّودان ليس مجرَّد حرب على السُّلطة، بل هو جريمة في حقِّ الحضارة، جريمة ترتكب أمام أعين العالم، الَّذي يراقب بصمت، بل ويُسهم البعض في إشعالها. وما يُؤلم أكثر، أن تُمحى آثار هذا البلد العظيم، بينما أهل السُّودان يُواجهون القتل والتَّشريد والجوع، ويُترك وطنهم فريسةً للصِّراعات وأطماع العابثين." (3) أسئلة الكواري تحتاج إلى إجابات ممكنة؟ عليه يُرفع النداء إلى أبناء السُّودان الحادِّبين على الحفاظ على آثارهم التَّاريخيَّة أن يشرعوا في القيام بحملة لإعادة ما نُهب. فمقتنيات السُّودان الأثريَّة ليست لها علاقة بدولة "56" المزعومة، بل تشكِّل جزءًا من تاريخ البلاد وهويَّتها، والشعب الذي لا يحافظ على تاريخه، لا يستطيع أنَّ يبنّي مجدًا حاضرًا. فالإجابة عن أسئلة الدكتور الكواري تحتاج إلى وعي بقيمة الآثار المنهوبة، وإلى عمل منظَّم يبدأ بالحفاظ على الموجود، والبحث عن المنهوب وسبل إرجاعه؛ وذلك عملًا بالمثل السُّوداني القائل: "الجفلن خلِّهنَّ أقرع الواقفات". فنبدأ بالحفاظ على الموجود، ثمَّ نشرع في استرداد المنهوب. فمشوار الألف ميل يبدأ بخطوة.
1266
| 07 أبريل 2025
مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا...
3768
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية...
3297
| 04 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم...
1182
| 05 مايو 2026
ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل...
831
| 03 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر...
801
| 07 مايو 2026
شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق...
711
| 07 مايو 2026
لو عاد الزمن بأحد أجدادنا، ودخل بيوتنا اليوم،...
708
| 05 مايو 2026
تعود العلاقات بين تركيا وباكستان إلى القرن السادس...
513
| 03 مايو 2026
يبرز تساؤل جوهري حول لجوء بعض المؤسسات التعليمية...
492
| 04 مايو 2026
كعادتي دائما ما أختار موضوع مقال يخص مجتمعنا...
492
| 04 مايو 2026
حقّ الجار ركيزة اجتماعيّة أساسيّة من أجل التّعايش...
471
| 01 مايو 2026
لم تعد المنطقة تُفهم اليوم عبر ثنائية الحرب...
426
| 04 مايو 2026
مساحة إعلانية