رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعاطف العالم مع «بانش» القرد الياباني الصغير الذي رفضته أمه وأقرانه ولم يجد أماناً إلا في دمية قماشية تشبهه، تعاطفت معه ولكن صورته أعادت استدعاء ذكرى قديمة في طفولتي وأنا دون سن الثامنة، حيث كنت وقتها زعيمة عصابة أطفال الفريج بالتزكية طبعا دون انتخابات، وفي يوم ظهر قرد صغير مجهول المصدر، هادئ ومطيع، ينظر إلينا ليبحث عن الأمان، وحين رأيناه ودون أي اعتراضات أعلنت «انه تحت حمايتنا الشخصية وأنه.. من اليوم منا وفينا»، ولأنني أؤمن بالديمقراطية أطلق أحد أفراد العصابة اسم «بومبو» عليه ووافقنا بالإجماع، أسرع أحدهم لإحضار دشداشة أخيه الصغير، ثم قامت ابنة الجيران بإحضار غترة وعقال والدها، وفي دقائق معدودة أصبح «بومبو» فردا من عصابتنا رسميا، لعب معنا الغميضة صحيح أنه كان يختبئ في أماكن مكشوفة ولكن يبدو أنه يحمل بعدا إستراتيجيا، شارك معنا في شد الحبل صحيح أنه يسحب بالعكس ولكن له بعد نظر تكتيكي، علمناه لعب «التيلة» صحيح أنه كان يرميها بلا اتجاه ولكننا نشجعه ونصفق له بحرارة على الإنجاز وحب التعلم، أما حين كنا نجلس لنأكل الحب الشمسي فكان يقشره بطريقة أفضل منا، ومع هذا النجاح الاجتماعي والمهارات العالية التي أبداها فرد العصابة الجديد –قررت- الإدارة العليا –أي أنا – الانتقال إلى المرحلة التعليمية له وأن مصلحته في أن يتعلم حتى يشاركنا في العلم، وحاول بعض أفراد العصابة الأولاد أو «الصبيان» إقناعنا بأن نستخدمه في «الهوشات» ليكون معنا «فزاع» رفضنا هذا الاستخدام للفرد الجديد في عصابتنا وبأن عليه أن يسلك طريق العلم وأخذنا أنا وابنة الجيران مسؤولية تعليمه «هذا حرف الألف.. قل ألف» مال برأسه وحك أذنه ثم نظر إلى السقف «قلنا واضح يفهم.. بس مستحي»، لنكمل في بقية الأحرف. خطة الإخفاء له كانت شقية جدا، إذ قررنا أن ينام كل ليلة في بيت مختلف، وتعاهدنا على الصمت حتى لا ينكشف أمرنا من الكبار، أسبوع كامل نجحنا في هذا التخطيط الاستراتيجي واللوجستي وكنا نشعر أننا على وشك كتابة فصل جديد علمي في نظرية دارون النظرية التي تقول إن الإنسان تطور وكان قردا كان كل شيء رائعا ويمشي بسلاسة، حتى جاء الصوت «بريد..بريد « ركضنا نحو عربة الآيس كريم وبالطبع ركض معنا بومبو، بل الحقيقة أنه تفوق علينا وتسلق العربة بحماس يكشف أصله، نظر صاحب العربة وصرخ: مين ده اللي لابس الدشداشة ؟ قرد! في دقائق حضر الأهل وعلم الكبار بالموضوع وبدأت مرافعتنا، بكينا، شرحنا أنه «قريب يصير إنسان» وأنه يفهم كل شيء ولكنه خجول و»مستحي» وأننا سنتولى تعليمه وأنه طيب، ولكن لم يسمع لنا احد، وبالطبع بصفتي الزعيمة كان هناك جانب لابد أن أتحمله وثمن كبير، حيث أشار الأطفال إلى أنني صاحبة الفكرة لأخذ العقوبة وحدي يومها، لم تحزني «العلقة الساخنة» بقدر ما أحزنني أن المشروع العلمي الأول لم يكتمل.. ومن يومها وأنا اعترض على نظرية دارون.
246
| 25 فبراير 2026
مر سريعا على شريط الاخبار هذا الخبر، الولايات المتحدة الأمريكية ترسل سفينة حربية اضافية الى الشرق الأوسط، (ديلبرت دي) والتي حطت مراسيها في ميناء ايلات على الجانب الاسرائيلي، وتأتي هذه الخطوة ضمن تعزيزات عسكرية في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وايران، اذ عادت لغة الرسائل المتبادلة بينهما الى نبرة أكثر حدة، وقد جمعت بين التحذير والردع، مع تأكيد أمريكي على حماية المصالح والقوات وفي المقابل تشديد ايراني على أن الاستهداف سيقابل بالرد. قد تبدو هذه الأخبار مألوفة في منطقة اعتادت بيانات التصعيد، لكنها حقيقة تضع دول الخليج أمام مفترق طرق حقيقي، فالتاريخ يخبرنا أن المناوشات السياسية والتوترات تبدأ بإشارات صغيرة وتدق ناقوس الإنذار والخطر وحين يتم تجاهلها تتحول الى واقع. المتابع للمشهد السياسي الآن سيلاحظ أن الحشود العسكرية ليست مجرد استعراض للقوة ولا تصاعد حدة الرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران هي مجرد ضجيج سياسي أو اعلامي، فما يكتب هذه الأيام عن احتمال توجيه ضربة لإيران، كما تتناولته بعض الأقلام التحليلية السياسية، لا يجب ان يقرأ بوصفه حدثا عسكريا معزولا بل يجب اعتباره اختبارا إقليميا تقع ارتداداته في قلب الخليج قبل غيره. من يقرأ التاريخ القريب سيعلم أن الحروب لا تبقى آثارها داخل الحدود المستهدفة، فهي كالزلازل وارتداداتها التي تتسع، ومن يظن أن النار ستتوقف عند خط جغرافي معين فإنه يكرر وهما قديما أثبت فشله مرارا، فالضربة ان وقعت لن تكون شأنا ايرانيا فقط، بل زلزالا يعيد ترتيب قوى الأمن والاقتصاد والتحالفات وسلاسل الامدادات والطاقة والاقتصاد والسياسة العالمية، ويضع الجميع اما احتمالات يصعب الاختيار بينها. في مثل هذه اللحظات الحاسمة لا يكون السؤال الأهم هل ستقع الضربة أم لا؟ بل كيف سيقف الخليج؟ هنا تتقدم مسألة الوحدة الخليجية من كونها خطابا سياسيا أو عاطفيا الى كونها ضرورة واقعية مصيرية، فالخليج قدره ان يكون جغرافيا وسط منطقة ساخنة سياسيا تتشابك فيها المصالح والأمن والشعوب، ولا يحتمل رفاهية التباعد ولا ترف الخلافات الصغيرة، فالمنطقة اليوم لا تدار بمنطق المحايد، بل بمنطق الكتل المتماسكة المترابطة والقادرة على حماية مصالحها في عالم يعاد تشكيله بالقوة والمصالح. في هذا التوقيت الحاسم يتضح أن أخطر ما يمكن ان تواجهه الدول في زمن الفوضى السياسية وصراع القوى العالمية هو الانقسام الداخلي، فحين يتصدع الصف لا يحتاج الخارج الى جهد كبير، والتاريخ العربي زاخر بالعبر. ثمة حقيقة واضحة بأن دول الخليح تبدو أكثر احتياجا الآن أكثر من أي وقت مضى الى وحدة صفها، فالوحدة الخليجية لا تعني التطابق في المواقف، ولا الغاء الخصوصيات الوطنية، بل وضع الخلافات جانبا ورؤية أمنية مشتركة، وخطاب سياسي موحد، وتنسيق يسبق الأزمات، فالأمن لا يدار بردود الأفعال بل بالاستعداد. وهي أمام مفترق طرق حاسم، فإما التأكيد على الوحدة المتماسكة التي اعتدناها والتي تدار بالعقل والحكمة والمصالح المشتركة، والا فإن أي تباعد ولو كان بسيطا فإنه سيفتح الباب أمام الآخرين لفرض وقائعهم، والتاريخ لا يرحم أي انشقاق وإن بدا هامشيا لأي تكتل قوي ومترابط، ولا يحمي من يظن أن الخطر سيقف عند حدود غيره، لذلك فإن اظهار تماسك الوحدة الخليجية لم يعد خيارا سياسيا قابلا للنقاش او التأويل، بل هو ضرورة حتمية في زمن لا يعترف الا بالقوى المتماسكة.
198
| 04 فبراير 2026
قبل ساعات من دخول عام 2026، سأل الصحفيون الرئيس الأمريكي ترامب عن أمنيته للعام الجديد، فجاءت اجابته سريعة «السلام على الأرض»، وبعد 72 ساعة فقط استيقظ العالم على خبر صادم، اختطاف رئيس فنزويلا مادورو وزوجته ونقلهما الى الولايات المتحدة في عملية عسكرية أمريكية. الصدمة لم تكن في الحدث نفسه، بل في رمزيته، اعتقال رئيس دولة من عاصمته وبقرار أحادي من قوة كبرى، حقيقة أعادت سؤالا قديما: من يجرؤ على قول «لا» لـ»ماما أمريكا» وما ثمنها؟ ما حدث في فنزويلا، لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة مسار طويل من التوتر والمواجهة، فقد قالت كاراكاس «لا» منذ سنوات لا للتدخل، لا للوصاية، ولا للضغوط السياسية والاقتصادية، ولكنها قالتها في نظام دولي غير متكافئ حيث لا تقاس المواقف بجرأتها فقط بل بقدرة أصحابها على تحمل تبعاتها، وبحجم شبكة الحماية السياسية والاقتصادية التي تساند القرار. بداية ساخنة جدا لأحداث عام 2026، يبدو فيها هذا المشهد السياسي منعطفا جديدا ومنهجا جديدا في ادارة العلاقات الدولية في هذا المنهج، لا تُدار الخلافات عبر التفاوض، بل عبر فرض الوقائع ثم مناقشتها لاحقًا. «ماما أمريكا» في هذا السياق ليست توصيفا عاطفيا، بل تعبير عن دور مركزي في ضبط إيقاع هذا المنهج. تضع الإطار، تحدد الخطوط، وتقرر من يُسمح له بالاعتراض ومن يُطلب منه أن يتحمل العواقب، من ينسجم مع المسار، يُترك له هامش حركة ومن يقول «لا» يُواجه سلسلة من الضغوط. وبينما يذهب البعض الى ربط ما جرى بالنفط الفنزويلي، فإن الحقيقة أن رغم ضخامته فهو ليس مكسبا اقتصاديا سريعا، حيث إنه من الناحية العلمية نفط ثقيل وعالي الكبريت، ومكلف جدا في الاستخراج والتكرير، ويحتاج الى استثمارات ضخمة ومصاف مخصصة تستغرق سنوات لبنائها وتجهيزها، لذلك يصعب جدا أن يؤثر هذا النفط في سوق الطاقة على المدى القصير، إذ إن اهميته ليست آنية، بل استراتيجية طويلة الأمد، كورقة مستقبلية يجب ابقاؤها ضمن نطاق السيطرة. ومن هنا يمكن القول إنه لا يتعلق المشهد فقط بالموارد، بل بإعادة فرض الهيبة، ففي منطق «ماما أمريكا» لا تقاس القوة بالعائد الاقتصادي الفوري، بل القدرة على الفعل، وارسال رسالة واضحة للعالم مفادها ان قول «لا» له كلفه وثمن، وكلفتها لا تدفع دفعة واحدة، بل تبدأ بعقوبات اقتصادية، ثم عزلة سياسة ثم انهاك داخلي يمتد الى حياة الشعب اليومية، ومع الوقت يتحول الخلاف الخارجي الى أزمة داخليه، ويدفع كالمعتاد الشعب ثمن قرار لم يكن طرفا مباشرا في اتخاذه.ما يجعل الحالة الفنزويلية لافتة هو أنها لا تبدو استثناءً، بل نموذجًا قابلًا للتكرار، فحين تُكسر القواعد في حالة ما، تصبح القاعدة نفسها أكثر هشاشة والسوابق في السياسة الدولية نادرا ما تبقى معزولة، بل تتحول إلى أدوات يُعاد استخدامها متى اقتضت المصالح. في 2026، يكون السؤال هل ما زالت العلاقات بين الدول تُدار بالقواعد؟ في عالم «ماما أمريكا» والرسالة التي تريد ايصالها، الجرأة ليست في قول «لا» فقط، بل في امتلاك القدرة على تحملها ومن لا يحسب كلفة هذه الكلمة جيدًا، يجد نفسه يدفع الثمن من استقرار بلده.
429
| 07 يناير 2026
في مراهقتي كنت أراها في المجلات ، أقص صورها وألصقها في دفتر خاص، وأكاد أجزم أنه يستحيل أن تكون أي فتاة في جيلنا أو من سبقنا أو من بعدنا لم يفعلن هذا، ولم نكن نفعل هذا بدافع الإعجاب بالأناقة وحدها، بل لأن حضورها كان مختلفا، يشبه أميرات القصص، إلى حد يجعلك تشك إن كانت حقيقية أم صورة متقنة الصنع، ومع مرور السنوات في جلساتنا النسائية على مستوى الخليج كان لا بد من حديث يدور حولها أو حول إنجازاتها المشرفة، لأنها تمثل أيقونة زمن يصعب تكرارها، إنها صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر. لكن الزمن كفيل بكشف ما هو أعمق من الصورة، فخلف الأناقة التي قادت الذائقة العامة لسنوات، برز عقل ورؤية ومشروع، لم تكن الأناقة نهاية الحكاية بل بدايتها ومع النضج، بدأنا نرى ما هي الأدوار الكبرى التي قامت بها لينتقل الإعجاب من الشكل إلى الجوهر، وإلى العمق من الإطلالة إلى الأثر. الحديث هنا عن سمو الشيخة موزا بنت ناصر، المرأة التي أسهمت في صياغة أهم التحولات التي شهدتها دولة قطر في عدة أدوار يصعب حصرها، ولكن سنتناول دورها في مؤسسة قطر للتربية والعلوم تنمية المجتمع ، فلم يكن حضورها شكليا أو بروتوكوليا، بل امتد إلى بناء رؤية طويلة المدى، جعلت من التعليم والبحث العلمي محورا أساسيا لبناء الدولة الحديثة، استقطاب جامعات عالمية مرموقة إلى الدوحة لم يكن انجازا أكاديميا فحسب ، بل تعبيرا واضحا عن خيار استراتيجي يرى في الإنسان أساس التنمية وفي المعرفة طريقا للمستقبل. وإلى جانب الفعل المؤسسي، استمع إلى خطابات سمو الشيخة موزا بنت ناصر، ستجد أنها لا تعتمد على البلاغة أو الاستعراض، بل على الوضوح أو الاتزان، كلماتها هادئة، لكنها دقيقة، وتكشف عن قراءة واعية للتحولات العالمية ومكانة المنطقة فيها، خطاباتها بدت دائما امتدادا لما تقوم به على الأرض، تشرح الرؤية وتمنحها بعدا إنسانيا واقعيا. هذا المسار أسهم في تحويل دولة قطر إلى دولة متعددة الأدوار، لا يقتصر حضورها على الاقتصاد والطاقة، بل يمتد الى الدبلوماسية والثقافة والقوة الناعمة، وجاءت استضافة كأس العالم 2022 لتؤكد ذلك أمام العالم، بوصفها لحظة تعريف حضاري قدمت فيها قطر نموذجا عربيا واثقا ومنفتحا وقادرا على التنظيم والابتكار دون أن يتنازل عن هويته. وفي منطقة تعاني من ندرة النماذج النسائية الحقيقية في المجال العام، شكلت سمو الشيخة موزا بنت ناصر، حالة فخر لكثير من النساء في الخليج والعالم العربي، ليس لأنها امرأة في موقع متقدم فحسب، بل لأنها قدمت نموذجا يجمع بين الرؤية والانجاز ويسهم في خدمة المجتمع وتطويره، دون أن يفقد صلته بالهوية والجذور، تجربتها أثبتت أن التقدم لا يعني القطيعة وأن التطوير يمكن أن يسير جنبا إلى جنب مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية. وإن كنت كويتية الهوية، فإن الكتابة عن قطر لا تأتي من باب المجاملة بل من شعور خليجي صادق يعرف أن نجاح وتطور قطر هو نجاح لنا جميعا، وربما لهذا كنت أقول لصديقاتي القطريات بنبرة محبة «اقرأن الأذكار والمعوذتين على قطر « تعبيرا عن سرعة ما تحقق وحجم ما لفت أنظار العالم. كل عام وقطر، طموحة وجميلة ومسالمة، ولا يسعني إلا أن أؤكد على مكانة قطر في قلب كل كويتي، كما لا أستطيع إلا أن أذكر بمحبة كبيرة واعتزاز أن أهم شارع في قطر يحمل اسم محور صباح الأحمد، ذلك الشريان الذي يربط قطر ببعضها، ويحمل في رمزيته دلالة صادقة على مكانة الكويت في قلب قطر، وعلى علاقة أخوة تتجاوز السياسة والجغرافيا.
543
| 24 ديسمبر 2025
في منتدى الدوحة 2025 وسط حضور كبير تجاوز ستة آلاف شخص وفي التنوع في الجلسات الحوارية التي ناقشت قضايا إقليمية ودولية شديدة الحساسية، برزت مداخلة الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي كإحدى أبرز المحطات التي أعادت التأكيد على معنى راسخ في الوعي الخليجي وهي «خليجنا واحد وشعبنا واحد ومصيرنا واحد» ليس كشعار يرفع بل كموقف يمارَس قولا وفعلا. في خضم النقاشات المتعددة، جاءت كلمته لتضع الوحدة الخليجية في إطار عملي، خصوصا عند تناول العلاقة مع إيران. ما ميز حديثه منذ البداية هو نبرته الهادئة والمتزنة والتي عكست وضوحا في الرؤية وثقة في الطرح، بعيدا عن الانفعال أو الخطاب التصعيدي، حقيقة هذا الهدوء لم يكن شكلا فقط بل كان جزءا من مضمون الرسالة التي أراد إيصالها وهي أن إدارة الخلافات بعقلانية تحمي الاستقرار لا تستهلكه. ركز البديوي على مبادئ أساسية تشكل قاعدة أي علاقة متوازنة، وفي مقدمته احترام السيادة، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، والحوار كخيار إستراتيجي. وأكد أن هذه المبادئ لا تنتقص من أمن دول الخليج، بل تعززه حين تصدر ضمن موقف خليجي موحد يعكس تماسك البيت الداخلي. كما شدد على أن القضايا الحساسة، مثل الجزر المتنازع عليها، يجب أن تعالَج عبر الأطر القانونية والدبلوماسية، بعيدا عن التصعيد الذي لا يخلف سوى مزيد من التوتر وكان واضحا في طرحه أن أمن الخليج لا يتجزأ، وأن أي تهديد لأي طرف هو تهديد للجميع. ثمة ما يستدعي الوقوف عند مداخلته الارتجالية وهي خطابه المتزن الذي أعاد النقاش إلى جوهره الحقيقي، في أن الاستقرار ليس مفهوما سياسيا مجردا، بل شرط أساسي لأمن الشعوب وطمأنتها واستدامة التنمية، وهنا تتجلى قيمة أن يكون الموقف الخليجي واحدا، واضحا ومسؤولا، حقيقة أن مداخلته بأسلوبه المتزن تستحق أن تُدرس. شكر كل الشكر للأستاذة مها الكواري، مدير عام منتدى الدوحة، ولفريقها الرائع، على التنظيم المهني الرفيع وإدارة الجلسات بمستوى يعكس مكانة المنتدى كمنصة دولية جادة تُناقش فيها القضايا، جهد يُحسب لهم، ويؤكد أن منتدى الدوحة بات مساحة حقيقية لصناعة الحوار العالمي.
333
| 17 ديسمبر 2025
"حياكم في قطر" هي أول عبارة يسمعها القادم الى مطار الدوحة، وفور خروجه سيجدها على لافتات الشوارع، ترافقه حتى يدخل المدينة، فيشعر بحفاوة الاستقبال وروح الشعب القطري المضياف وفي افتتاح كأس العرب 2025، بدت هذه العبارة وكأنها تمتد من بوابة الوصول الى مدرجات الملعب، في رسالة أرادت الدوحة أن تقولها بوضوح "هذه بطولة عربية في بيت عربي". منذ اللحظة الأولى للحفل كان واضحا أن قطر لم تعد تتعامل مع الاستضافة كحدث بروتوكولي، بل كجزء من هويتها ورؤيتها الحديثة. الأضواء التي غمرت الملعب لم تكن مجرد عرض، بل تأكيد أن تجربة كأس العالم 2022 لم تكن نهاية مشروع، بل بدايته، الدوحة اليوم تقدم نفسها للعالم كلاعب أساسي في صناعة الأحداث الرياضية الكبرى، وتتعامل مع البطولات بوصفها نافذة لعرض صورتها ودورها الاقليمي المتنامي. ورغم أن الحفل جاء مبهرا بصريا، فإن قوته الحقيقية كانت في رسائله، فالعروض الفنية والموسيقى والرمزيات التي حضرت لم تكن لتجميل المشهد، بل لتوحيده. بدا الحفل محاولة لتذكير العرب أنهم قادرون على الاجتماع حول لحظة واحدة، وأن الرياضة ما تزال إحدى المساحات التي تجمع ولا تفرق. ومن وجهة نظري، فإن هذا تحديدا ما أتقنته قطر وبجدارة، فهي تفهم جيدا معنى أن تتحول الرياضة الى قوة ناعمة، والى منصة تعبر من خلالها الدول عن قيمها وتبني صورتها الدولية. قطر لا تقدم استعراض قوة، بل استعراض ثقة، دولة تقول للعالم أنها قادرة على تنظيم حدث بحجم قارة دون أن تتخلى عن طابعها وهويتها. لكن العنصر الأكثر تأثيرا في الافتتاح كان الحضور الفلسطيني، لم يكن حضورا كليا ولم يقدم كفقرة منفصلة، بل جاء كجزء من الطابع العام للحفل، الرمزية كانت واضحة وهادئة، فلسطين ليست ضيفا، بل جزء من الذاكرة العربية التي تحرص الدوحة على إبقائها في الواجهة، والمباراة الافتتاحية بين قطر وفلسطين كانت رسالة بقدر ما كانت مباراة، تقول إن الرياضة قادرة على قول ما يصعب قوله خارج الملعب. في المدرجات، بدت اللحظة العربية خالصة، أعلام مختلفة ولكن الهتاف واحد، لهجات متعددة لكنه الشعور ذاته، وكأن الملعب تحول الى بيت كبير أعاد جمع العائلة بعد غياب طويل، وهنا يكمن جوهر الرؤية القطرية أن الاستضافة ليست مجرد تنظيم بل بناء لحظة وصناعة انطباع وخلق مساحة يشعر فيها العربي بأنه جزء من شيء أكبر. قطر لم تعد تنافس على لقب افضل دولة منظمة بل على مكان ثابت في الذاكرة العربية المعاصرة. وهكذا حين انطلقت صافرة البداية، لم تعلن فقط بدء البطولة بل بدء فصل جديد في قصة الرياضة العربية، فصل تثبت فيه الدوحة أن البطولات قد تلعب في الملاعب ولكنها تحفظ في القلوب. وقطر كما اثبتت الليلة، أتعبت من بعدها في تنظيم البطولات الدولية. وفي كل حدث تؤكد أن الريادة في هذا المجال أصبحت علامتها الفارقة التي لا ينافسها فيها أحد.
285
| 04 ديسمبر 2025
«وين فلانة ؟» سؤال خرج مني هذه المرة بإصرار بعد أن اكتشفت فجأة أن سنوات طويلة مرت دون أن نراها، وكل ما نسمعه أعذار خفيفة تغلق الحوار وتؤجل الحقيقة، لكن الإجابة هذه المرة جاءت صادمة «منذ كورونا لم تخرج من المنزل.. تظن أن العالم ما زال كما تركته». توقفت عند هذه الجملة طويلا، لم تكن حالة فردية كما اعتقدنا، بل نموذج صامت يتكرر في مجتمعنا دون أن يلتفت اليه احد. أشخاص اختفوا تدريجيا من الحياة، صار الخوف جزءا من يومهم، وتحولت العزلة التي بدأت كإجراء مؤقت الى اسلوب حياة، ومع الأسف نحن حولهم منشغلون، نظن أن المسألة عادية، بينما هي في الحقيقة استغاثة مؤجلة. الصحة النفسية ليست تفصيلا صغيرا أو هي رفاهية كما يعتقد البعض، بل هي أساس اتزان الانسان وقدرته على العيش، ومع ذلك ما زال البعض يعتبر طلب المساعدة ضعفا، أو يخشى نظرة المجتمع، ورغم وجود خط ساخن مجاني خط المساعدة الوطني للصحة النفسية على الرقم16000 يمكن الاتصال به بسرية تامة، ولا يهمهم أن يعرفوا من أنت ومن تكون، وهناك تطبيقات مجانية مع مختصين معتمدين. وسط هذا كله، تأتي الجملة التي يرددها البعض دون أن يتوقف عند معناها حقا «هناك في الحياة ما يستحق أن تعيش لأجله»، وهذه ليست نصيحة عابرة ولا جملة جميلة، بل حقيقة واقعية، مهما ازدادت العتمة حول الفرد، صحيح أننا كبشر نمر بأيام نشعر بأنها ثقيلة، وتشعر أنك تائه في هذه الحياة، وهو أمر إنساني طبيعي جدا ونمر به جميعا، لكن الحياة لا تطفئ نورها بالكامل، بل تترك دائما نافذة صغيرة يدخل منها شيء يعيد الى الانسان نفسه، كلمة صادقة، خطوة واحدة خارج الغرفة، محاولة للحديث مع مختص، او حتى شعاع شمس يغير المزاج دون أن ننتبه. ولا يشترط أن يكون ما يستحق أن تعيش لأجله انجازا كبيرا او نجاحا يصفق له الناس، من قال لك إن النجاح هو كما يصوره الاعلام بشكل مضخم؟ هل تعرضت للظلم؟ ومن قال لك إنك وحدك؟ من منا لم يتعرض للظلم؟ من منا لم يبك؟ لست وحدك. عليك أن تتذكر أن نفسك أمانة من الله، وأن محبتك لذاتك ليست رفاهية بل واجب، وأن انقاذ روحك مقدم على انتظار حب الآخرين، فالحب الحقيقي يبدأ منك لا من الخارج. وفي زمن تغذي فيه بعض زوايا السوشيال ميديا صور مظلمة عن العالم كأنه مكان خطر ومليء بالشر ولا أمان، يصبح من الضروري أن ننتبه أن هذه الصورة ليست كل الواقع، هو ضجيج يجر الإنسان نحو مستنقع التشاؤم، فالحياة أرحب بحلوها ومرها ما زالت مليئة بالفرص والعلاقات واللحظات التي تستحق أن تعيشها. اسألوا عن بعض وتواصلوا فالحياة قصيرة جدا، وكونوا لطفاء فالعالم يحتاج الى اللطف والرحمة. في النهاية… الحياة لا تنتظر من يسجن نفسه. هي تمضي، لكنها تمد يدها لمن يجرؤ على العودة.
498
| 26 نوفمبر 2025
كنت أظن بكل سذاجات البدايات أن الضحك دليل على أننا بخير، فالناس لا يضحكون الا اذا فرحت قلوبهم، حتى جاء هذا الموقف. كانت الأكثر مرحا بين الصديقات، ما إن تجلس حتى يتحول المكان الى نوبات من الضحك والفكاهة، وفي مرة استأذنت لدقائق، وبالصدفة كنت بقربها سقط منها شيء التقطته بسرعة، كانت حبوبا مضادة للاكتئاب، نظرت اليَّ بفزع، فأدرت ظهري كأنني لم أر، ولكن بداخلي تغير شيء. لم أعد أصدق الضحكات وبدأت أحاول أن اشعر بها، غيرت سؤالي للمقربين من «شلونك؟» الى «هل أنت سعيد؟» وبدأ السؤال يلح بداخلي، ما معنى السعادة؟ ثلاث سنوات وأنا أطارد هذا السؤال، في وجوه الناس، في الكتب وفي التفاصيل الصغيرة التي تكشف أكثر مما تخفي، سألت نفسي: هل السعادة حالة مؤقتة تنتهي عندما نحصل على ما نريد؟ أم هي قناع اجتماعي نتقنه حتى لا يقلق من حولنا؟ أم هي مجرد وهم. سراب نركض خلفه دون أن نلمسه؟ وحين كنت أظن أن الإجابة تحتاج الى حكيم أو فيلسوف، وجدتها عند رجل مشرد يجلس على الرصيف ويغني اقتربت منه وسألته: هل أنت سعيد؟ فابتسم وقال: السماء صافية وأنا أتنفس فكيف لا أكون سعيدا، لم يقل أملك بل قال أتنفس وهذا يكفي لمن يفهم. في تلك اللحظة أدركت أن السعادة ليست شيئا نشتريه، ولا انجازا نعلقه، ولا قائمة أمنيات، السعادة هي شعور لحظي ولكن أصله الرضا هو أن تعيش اللحظة بقلب راض، وبدأت أرى البشر كما لم أرهم من قبل. حيث إن المشكلة ليست في الحياة بل بقالب السعادة الذي فرضه العقل الجمعي وهو وهم المقارنة، في ذلك الميل المؤذي لأن نقيس قلوبنا بما في أيدي الآخرين، أو نحمل أنفسنا ما لم يكتب لنا، ولا أن نحاول اصلاح مسارات ليست لنا أصلا، أو تغيير أقدار ليست جزءا من حكايتنا، فلكل انسان طريقه، وكل منا لديه اختباراته ونعمه وأرزاقه في هذه الحياة. ثمة حقيقة في هذا أن السعادة شعور مؤقت وليست حالة مثالية ولا لحظة كاملة، انها لحظة الرضا، أن تتصالح مع ما هو لك، أن ترى التفاصيل الصغيرة جدا، وحين يرضى القلب، تتغير الدنيا كلها، تصبح التجربة الصعبة نعمة مؤجلة، وتصير اللحظة الناقصة جزءا من حكمة أكبر، وتغدو الحياة رغم ازدحامها أخف مما نظن، وفي نهاية هذا البحث الطويل علمت أن السعادة ليست محطة ننزل عندها بل هي الطريق نفسه، فهي تنبع من الرضا داخلك، وأن تؤمن أن كل حلو ومر هو مكتوب لك ولن يفوتك شيء لأن الله عادل في عطاءاته بصور مختلفة، من يرض يسعد، ومن يسعد ير النور في أكثر اللحظات ظلاما، هكذا فقط يصبح الطريق الى السعادة أقرب، وأكثر واقعية، وأكثر صدقا مع أنفسنا ومع الحياة كما هي. لا كما نتوقع أن تكون، السعادة ليست حدثًا كبيرًا يغيّر حياتنا، ولا لحظة نادرة تأتي ثم ترحل، السعادة، في حقيقتها، هي الرضا، أن نرى حكمة الله في كل ما يحدث، حتى في الأشياء التي لا نفهمها في وقتها.
303
| 19 نوفمبر 2025
يبدو أن البحر المتوسط على موعد جديد مع الفرح والتطوير والازدهار وذلك مع اعلان مشروع «مرسى علم الروم» الذي سيعيد صياغة مفهوم الاستثمار العربي المشترك، فليس هو وليد صفقة مالية عابرة، بل تجسيدا لرؤية عربية ترى في الاقتصاد أداة للنهضة لا وسيلة للربح فقط، إذ أعلنت شركة الديار العقارية القطرية التابعة لجهاز قطر للاستثمار عن استثمار ضخم جدا يبلغ 29.7 مليار دولار في الساحل الشمالي المصري، ليبدو المشهد وكأنه تحالف جديد بين الطموح القطري والامكانات المصرية نحو مستقبل اقتصادي واعد. فالمشروع الذي تطوره الشركة سيمتد على أكثر من سبعة كليومترات من ساحل محافظة مطروح، ليضم مدينة متكاملة تحتوي على منتجعات فندقية ومراكز طبية وأحياء سكنية راقية، ليكون نموذجا متكاملا يدمج بين السياحة الفاخرة والبنية التحتية الحديثة، ويحول المنطقة الى وجهة اقتصادية وسياحية عالمية. ومع هذا الاعلان الرسمي يمكننا أن نقول إن العلاقات القطرية –المصرية تمر اليوم بمرحلة التوازن والنضج، فمصر تحتاج الى استثمارات نوعية تعزز احتياطاتها النقدية وتفتح فرص عمل جديدة لشبابها، وقطر من جهتها تسعى لتوسيع محفظتها الاستثمارية في المنطقة العربية وتنويع مصادر دخلها، عبر مشروعات ذات بعد استراتيجي وانساني في آن واحد، فالمشروع بالنسبة للقاهرة دفعة اقتصادية حيوية، وبالنسبة للدوحة استثمار في الاستقرار والتنمية داخل العالم العربي. ولنقرأ ما وراء الخبر، فإن الدوافع وراء هذا الاستثمار تتجاوز البعد التجاري، قطر التي أثبتت حضورها الاقتصادي عالميا، تدرك أن قوة المنطقة العربية تبدأ من تعاونها الاقتصادي، وأن بناء شراكات منتجة هو أكثر فاعلية من المساعدات التقليدية، لذلك يأتي هذا المشروع كترجمة لفكرة الشراكة لا المساعدة، ورغبة في أن يتحول رأس المال العربي الى أداة تغيير حقيقية في حياة الشعوب. حقيقة، إنها لحظة نضج فكري وتجاري لدى الدول العربية وخصوصا الخليجية، التي باتت تدرك أن استثماراتها في العالم العربي ليست مجاملة، بل فرصة استراتيجية مربحة ومؤثرة، فاليوم بعد أزمات عالمية متكررة مثل كوفيد والحرب الروسية الاوكرانية وتقلب اسعار الطاقة، عاد الوعي بأهمية بناء اقتصاد عربي مترابط يحمي المنطقة من الصدمات الخارجية، ولهذا السبب يعتبر الاستثمار القطري في مصر نموذجا واقعيا للانتقال من الشعارات الى الأفعال من دعم الأشقاء الى شراكات انتاجية حقيقية تعود بالنفع على الطرفين. هذا الاستثمار هو من أكبر الاستثمارات في المنطقة العربية وهو بذلك لا يمثل انجازا اقتصاديا فحسب، بل دليلا على أن الثقة بين رؤوس الاموال العربية عادت لتترجم الى أفعال ملموسة على أرض الواقع. ثمة ما يفرح بهذا الخبر ولا يتعلق بالمشروع والمباني وفرص العمل والتغيير الذي سيعمله للآلاف من الشعب المصري بل بوجود إرادة عربية تسعى لأن تكتب فصلا جديدا في التاريخ الاقتصادي للمنطقة، فالاستثمارات هي جسور من الثقة بين الدول والاقتصاد لغة سلام وتنمية وتطوير للشعوب، ومتى أدرك العرب أن المال الذي يستثمر في أرضهم هو استثمار في مستقبلهم المشترك حينها فقط يمكن القول إن النهضة لم تعد حلما بل واقعا يتشكل على رمال ساحل المتوسط.
1284
| 12 نوفمبر 2025
«هاي صدك تحجين؟» هذه الكلمة قلتها بدعابة لزميلتي الباحثة العراقية وهي تشرح لي، بحماس مشوب بالفخر، عن مشروع زراعة المانغروف في البصرة. كنت أسمع عن أشجار المانغروف في قطر والسعودية والإمارات، لكنني لم أتخيّل يوما أن أسمع أنها تُزرع في العراق! ضحكت وقالت بثقة «إي صدك، بالعراق، وبالبصرة تحديدًا… وراح نزرع ملايين منها».تأملت كلامها، وشعرت كأن البصرة المدينة التي لطالما سمعت عن خضرتها ونخيلها منذ القدم، تستعيد اليوم روحها من جديد. مشروع زراعة المانغروف ليس مجرد فكرة بيئية، بل عملٌ وطنيٌ وإنساني يعيد الحياة لجنوب العراق، لمدينة أنهكتها الملوحة والتلوث. مر في ذهني بيت الشاعر بدر شاكر السياب «عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحر/ أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر»، وأنا أسمع عن المشروع. فالبصرة التي كتب عنها شاعرها الكبير، تعود اليوم لتلبس خضرتها مجددًا بخطة طموحة لزراعة 11 مليون شتلة مانغروف على امتداد شط العرب وخور الزبير ورأس البيشة خلال السنوات المقبلة. المبادرة بدأت رسميًا عام 2023 بتعاون بين برنامج الأغذية العالمي (WFP) ووزارة البيئة العراقية والحكومة المحلية في البصرة، وبإشراف علمي من مركز علوم البحار في جامعة البصرة. وقد أُنشئ مشتل خاص لإنتاج نحو مليون شتلة مانغروف سنويًا، ضمن خطة بيئية متكاملة لإعادة تأهيل السواحل العراقية. المانغروف شجرة بحرية تزرع في المياه المالحة، وهي منتشرة طبيعيا في دول الخليج مثل قطر والإمارات والسعودية والبحرين، لكنها تُزرع للمرة الأولى على نطاق واسع في العراق. وتكمن أهميتها البيئية الكبرى، في أنها تمتص كميات ضخمة من الكربون، وتحدّ من تآكل السواحل، وتوفّر موائل طبيعية للأسماك والطيور، وبنجاح هذا المشروع فإنه سيفضي إلى استعادة التوازن البيئي في الجنوب وعودة التنوع الطبيعي الذي فقدته المنطقة لعقود. لكن المشروع لا يقتصر على الجانب البيئي فقط، بل يفتح فرصاً اقتصادية واجتماعية كبيرة، إذ يوفر فرص عمل للشباب، ويُشجع على المشاركة المجتمعية، ويمهّد لتطوير السياحة البيئية في البصرة، كما يمنح العراق فرصة الدخول في أسواق الاعتمادات الكربونية العالمية، وهو مورد اقتصادي متجدد يسهم في دعم التنمية المستدامة. ورغم التحديات التي تواجه التنفيذ، مثل ارتفاع نسبة الملوحة وصعوبة إدارة التيارات المائية، فإن النتائج الأولية تُظهر نجاحا مشجعًا، حيث تجاوزت نسبة بقاء الشتلات 40 % في بعض المناطق ومع استمرار الدعم الفني والعلمي، يُتوقّع أن تتحول سواحل البصرة خلال السنوات المقبلة إلى نموذج بيئي متميز في الخليج العربي، يثبت أن العراق قادر على الريادة البيئية كما كان رائدًا في الزراعة عبر تاريخه. مشروع المانغروف في البصرة ليس مجرد زراعة أشجار، بل زراعة وعي وأمل وهو بداية جديدة تُعيد الثقة بأن العراق قادر على استعادة خضرته إذا جمع بين العلم والإرادة، وأن الجنوب يمكن أن يكون بوابة العراق نحو مستقبل بيئي أكثر استدامة. البصرة اليوم لا تنتظر المعجزات، بل تصنعها بيد أبنائها. وكما يقول المثل العراقي «البصرة مثل العروس، كل يوم إلها زينة»، واليوم زينتها خضراء، من شط العرب إلى البحر، من الملوحة إلى الحياة، وأي مشروع علمي وبيئي تقوم به دولة عربية يدعو للفخر والاعتزاز فما بالك إذا كانت الجارة، تمنياتنا بالتوفيق لهم بهذا المشروع الهام.
300
| 05 نوفمبر 2025
في حب مروان نتحدث، وعن أي حب؟ مروان يعرف تاريخه ويعتزّ بجماله، نظرة واحدة منه كفيلة بأن تجعلك صريع الهوى والغرام، هو الذي أتعب من بعده، وغير كافة المقاييس، ما أن تراه إلا وستقول كما قال المتنبي يوما «وما كنتُ أحسبُ أني أراك، فأبصرُ فيك الذي كنتُ أسمعُ».. حين سألت هل ستبيعون مروان يوما؟ كانت الإجابة بحزم « كأنك تسألين هل تبيعون الوطن»! وبودي أن استرسل في كلمات الحب ولكن..( ورانا قبايل). وحتى تتضح الصورة لكم، مروان هو حصان عربي أصيل يعرف تاريخه، إنني أتحدث عن مروان الشقب، حين تراه في مضمار الشقب بالدوحة، تدرك أنك أمام كائن يحمل ذاكرة المكان وهوية بلد في ملامحه. ولد مروان عام 2000، ومنذ أن ظهر في البطولات تغيّر مفهوم الجمال العربي. لم يكن حصانًا يتباهى بوقفة أو لون، بل برؤية كاملة لتربية الخيول العربية الأصيلة في قطر، رؤية جمعت بين الأصالة والعلم، بين التراث والإدارة الحديثة، لتجعل من “الشقب” واحدًا من أهم مراكز الفروسية في العالم، ليس مجرد مركزٍ لتربية الخيول، بل مشروع وطني تأسس عام 1992 على يد سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ليكون بيتًا يحفظ الخيل العربي لا في الصور، بل في الواقع فهو مؤسسة متكاملة تمتد من ميادين التدريب إلى معامل الجينات، عياداته البيطرية تُعد من الأفضل في العالم وأحواض العلاج المائي فيها تُستخدم لتأهيل الخيول بطريقة إنسانية وآمنة حتى تصميمه المعماري على هيئة “حدوة حصان” يختصر فلسفته ومن رحم هذه البيئة خرج مروان، ليصبح أكثر من بطل تحوّل إلى رمزٍ حيّ لاستمرارية السلالة العربية، وترك أثرًا في كل ميادين الفروسية حول العالم، فأحفاده اليوم ينتشرون في أوروبا وأمريكا والخليج، يحملون في دمائهم توقيع “الشقّب” ومعه هوية قطر التي لا تفرّط بجماله ولا بتاريخها وفي هذا المكان الذي تسكنه البركة، تتذكّر قول النبي عليه الصلاة والسلام (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) فكأن الشقب يترجم هذا الحديث في كل تفاصيله، إذ لا يرى في الخيل وسيلة سباق، بل رمزًا للخير والبركة والعزّة الممتدة من جيل إلى جيل. حين رأيت أم مروان أو أم الأبطال كما يسمونها وقد تقدّم بها العمر، تُعامل برفق واهتمام كما تُعامل الأمهات في البيوت الكريمة، فهمت أن الأصالة هنا لا تنحصر في الدم والسلالة، بل في الأخلاق التي تكرّم العطاء حتى بعد نهايته. في الشقب، الحفاظ على السلالة العربية الأصيلة ليس شغفًا بالخيل فحسب، بل حماية لجزءٍ من روح او ذاكرة وتاريخ العرب أنفسهم. فالخيل العربية وُجدت لتعلّمنا معنى العزة والمهابة والشموخ، وتعرف جيدًا قيمتها أينما وُجدت ولا يعرفها إلا النبيل. ولأنها في الشقب، فهي في المكان الذي يليق بها حقًا… بين أيدٍ تحفظ أصالتها، وتقدّمها للعالم كما هي: جميلة، نبيلة، وعربية حتى آخر نبضةٍ في صهيلها. ومن يصون الخيل العربي، يصون إرثًا ارتبط بالخير إلى يوم القيامة. ومن يرى مركز الشقب، يرى وجهًا من وجوه هذا الخير الذي لن ينقطع ما دامت الخيل العربية الأصيلة تركض على أرض العرب. ختاما: كنتُ في جولة بالمركز ترافقني فارسة أمريكية جاءت خصيصًا لمشاهدة الشقب، وكانت الدهشة لا تفارق ملامحها في كل خطوة كانت تردد بإعجاب (واو ما هذا الجمال) وبالطبع لم اسمح لها بمغادرة المكان إلا بعد أن قلت لها ( please say MashaAllah).
618
| 29 أكتوبر 2025
في كل مجموعة صديقات هناك تلك التي لا تستطيع ان تمر عشر دقائق دون أن تذكرنا انها مهندسة سواء كنا نتحدث عن فيلم أو أكلة شعبية سينتهي الحديث دائما بجملة «على فكرة أنا مهندسة «.لكن يبدو أن الزمن قرر أن يرد عليها، فاليوم ظهرت آلة عملاقة تبني بشكل أسرع وأدق تطبع ما كان المهندس يرسمه على الورق. هذا المشهد ليس في فيلم خيال علمي بل يحدث الآن في قطر، حيث تقف أكبر طابعة انشاءات ثلاثية الأبعاد في العالم لتبني مدرسة كاملة خلال ثمانية وثلاثين يوما، نعم مدارس حقيقية يدخلها الطلبة ويمشون في ممراتها وليست نماذج مصغرة للعرض،بينما يجلس المهندس خلف الشاشة يحتسي قهوته ويراقب الطابعة، فالآلة تنفذ وتبني على الأرض. هذه القصة الحقيقية هو مشروع طموح تقوده هيئة الأشغال العامة القطرية بالتعاون مع القطاع الخاص وبدأت العمل فيه على أرض الواقع لبناء مجموعة مدارس على أن يتم التوسع لاحقا في عدة مشاريع حكومية. التاريخ يقول بأن الابتكارات الكبرى تبدأ بفكرة جريئة واحدة، وما تفعله دولة قطر اليوم هو بالضبط تلك الجرأة لم تكتف بالحديث عن المستقبل بل باشرت في طباعته، فبينما تنشغل دول اخرى بمناقشة الجدوى والبيروقراطية، اختارت هي أن تبدأ ثورة هادئة تدخل بها للمستقبل بريادة الطابعات العملاقة،وهذا بالضبط ما يجعل هذه التجربة مميزة وملهمة. وفي الوقت الذي ما زالت فيه دولٌ تتجادل حول التكلفة والمخاطر، قررت قطر أن تفعل ما هو أبسط وأكثر شجاعة، أن تضغط زر «ابدأ الطباعة « وهذه هي القيادة الحقيقية، أن تدخل المستقبل بالفعل لا بالنية، وأن تصنع التغيير بدل أن تنتظره. من مميزات الطابعة أنها تخفض استهلاك المواد بنسبة 60% وتقلل الانبعاثات الكربونية وتنجز العمل بسرعة فائقة، وتقلل الجهد البدني اللازم للبناء. ان ما يثير الاعجاب أكثر هو الامكانات الانسانية خلف تبني هذه الفكرة،بهذه التقنية اذا تبنتها الدول والمنظمات الخيرية، ستتغير قواعد العمل الانساني، تخيل ان تستخدم لطباعة منازل اللاجئين خلال أسابيع، أو لبناء مدارس في المناطق المنكوبة دون الحاجة الى جيوش من العمال،عندما تتحول التكنولوجيا من رفاهية الى رسالة أخلاقية وانسانية لأن الطابعة التي تبني اليوم في الدوحة يمكن أن تعيد اعمار العالم من جديد غدا. حينها ستصبح المساعدات مطبوعة، وتتحول عبارة «اعادة الاعمار» من وعد سياسي الى اجراء عملي، وعندما يتم تمكين الدول النامية بهذه التقنية تتقلص فجوة الاسكان ويتحول البناء من عائق مزمن ومكلف الى قرار رقمي قابل للتنفيذ. الطابعة العملاقة لا تغير طريقة البناء فقط بل قد تغير المهن نفسها، فربما سيأتي يوم نسمع فيه عن تخصص جامعي جديد اسمه «هندسة الطباعة الانشائية» او «فن صيانة الطابعة الخرسانية» مازلت مؤمنة بأن الطابعة أو اي أداة ذكاء اصطناعي لن تستبدل الانسان بل ستعيد تشكيل الواقع الجديد الى مهن جديدة وأفكار مبتكرة، وسيقف خلف الآلة والتوجيه انسان بفكر ابداعي، ولأنه قد تعاتبنا صديقتنا المهندسة على هذا المقال وتحرمنا من ألذ «مجبوس لحم» تعده، فتحية من المستقبل للمهندسات والمهندسين الذين يرسمون الحلم قبل أن يضغطوا على زر»ابدأ الطباعة».
405
| 26 أكتوبر 2025
مساحة إعلانية
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما...
8244
| 23 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة...
1494
| 25 فبراير 2026
تُعد قضايا الأسرة من القضايا المهمة التي تحتل...
729
| 20 فبراير 2026
جوهر رمضان هو العبادة، وتخليص النفس للطاعة، والتقرب...
693
| 25 فبراير 2026
كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...
681
| 20 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ...
672
| 26 فبراير 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة...
609
| 27 فبراير 2026
يشهد قطاع التعليم تطورًا مستمرًا في أدواته وأنظمته،...
603
| 24 فبراير 2026
استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر تحت...
597
| 24 فبراير 2026
كشف التقرير السنوي لقطر للسياحة أن عدد الزوار...
591
| 22 فبراير 2026
لم أفهم معنى أن يكون للطفولة ظلٌّ يحرسها...
552
| 23 فبراير 2026
لئن كان صيام رمضان فريضة دينية، إلا أن...
510
| 22 فبراير 2026
مساحة إعلانية