رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تهبط بك الطائرة، تفتح هاتفك فيقول 2026، ثم تنظر إلى الورقة أمامك فتقول إنك في 2019، لم تسافر عبر الزمن، ولم تعد سبع سنوات إلى الوراء كل ما في الأمر أنك وصلت إلى إثيوبيا. فبينما نعيش نحن عام 2026، دخلت إثيوبيا منذ أيام قليلة وتحديدا في 11 سبتمبر عام 2019 وفق تقويمها الخاص، مفارقة تبدو طريفة أول الأمر، ثم تزداد غرابة حين نتذكر أن 2019 ليس تاريخًا بعيدًا عنا أصلًا، كأننا كنا هناك بالأمس. قبل كورونا، والكمامات والإغلاقات، وقبل أن تدخل كلمات مثل «الحجر» و«التباعد» إلى تفاصيل أيامنا، نتذكر أين كنا ومن كان معنا، ثم نفاجأ بأن ما يقارب سبع سنوات مضت على ذلك العالم،ولهذا، ربما، يبدو بعضنا عالقا هناك بطريقة ما. الإثيوبيون بالطبع لم يعودوا إلى الماضي، وإنما يحسبون الزمن بطريقة أخرى، تقويمهم يستند إلى حساب مختلف لبداية العصر المسيحي، فيفصل بينه وبين الميلادي سبع أو ثماني سنوات والسنة لديهم ثلاثة عشر شهرًا، ورأسها يأتي في سبتمبر لا يناير. حتى الساعة لها حساب مختلف، فما نسميه السابعة صباحًا قد يُسمى محليًا الواحدة ومع ذلك، لا تتعطل البنوك ولا تضيع الرحلات بين عامين، ففي التعاملات الخارجية تُستخدم التواريخ الدولية أو يجري التحويل بينها. وهنا تتجاوز الحكاية حدود إثيوبيا، قبل أكثر من قرن، زعزع أينشتاين فكرة أن الزمن مطلق، وبيّن أن قياسه يتأثر بالحركة والجاذبية، أما الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون، فكان مشغولًا بزمن أقرب إلينا، الزمن كما نعيشه، لا كما تقيسه الساعة. فالساعة تستطيع أن تخبرنا كم مضى، لكنها لا تستطيع أن تخبرنا كيف مضى،دقيقة انتظار قد تطول، وعام سعيد قد ينقضي سريعًا وربما لهذا يبدو 2019 قريبًا على نحو مربك. فكورونا لم تكن مجرد حدث وقع داخل الزمن، وإنما أصبحت عند كثيرين علامة نقيس الزمن بها،نقول «قبل كورونا» و«بعد كورونا»، كأننا صنعنا تقويمنا الخاص والغريب أن السنوات التي تلتها بدت أسرع،نعرف بالأرقام أن أعوامًا مضت، لكن الذاكرة لا تصدق الرقم بسهولة. وهنا يحضر سينيكا، الذي كتب قبل نحو ألفي عام عن قِصر الحياة، ليقلب السؤال من طول العمر إلى طريقة استخدامه، فالمشكلة عنده لم تكن دائمًا في قلة الوقت، وإنما في مقدار ما نهدر منه دون أن ننتبه. وربما لو كان بيننا اليوم، لما شغله كثيرًا إن كنا في 2019 أو 2026؛ فالأرقام، في النهاية، لا تقول شيئًا عن الطريقة التي عشنا بها السنوات الواقعة بينها. ولهذا حين نسمع أن إثيوبيا اليوم في 2019، نبتسم أولًا، ثم نتوقف قليلًا.، هم في 2019 لأن تقويمهم يقول ذلك، ونحن في 2026 لأن تقويمنا يقول ذلك لكن ربما لا تكمن المفارقة في اختلاف الرقمين، وإنما في أننا جميعًا نكتشف متأخرين مدى سرعة عبور السنوات. وهنا يصبح السؤال أجمل من الإجابة، ما الزمن، وما السنوات، سوى لحظات ومحطات تسكن الذاكرة،نعيشها، ثم نلتفت ذات يوم ونسأل: أين ذهب العمر؟ وربما لم يذهب إلى مكان، كان هنا طوال الوقت، في التفاصيل التي عشناها، وفي اللحظات التي كنا حاضرين فيها، وفي كل ما بقي منها فينا.
162
| 16 سبتمبر 2026
التقيت صديقة بعد غياب طويل، كنت أعرف أن السنوات الأخيرة لم تكن سهلة عليها وأنها مرت بأحداث قاسية ومن الخيبات ما يكفي لأن تفقد ثقتها بالناس، ولكنها مع ذلك لم تفعل. فقد وجدت فيها الصديقة التي عرفتها قديما، الضحكة نفسها، والدفء نفسه، وقدرة عجيبة على استقبال الحياة كأنها لم تخذلها يوما. خرجت من لقائها وأنا أفكر، كيف يمر بعض الناس بكل هذا ولا يصبحون نسخة ممن آذوهم؟! ولم أجد الإجابة في الطيبة وحدها، فالطيبة قبل الألم قد تكون طبعا، أما أن تبقى فيك بعده، فذلك انتصار كبير للنفس، كيف تجرعت قسوة الحياة ثم ترفض ان تتعلم منها القسوة؟. وحقيقة إن هذا الانتصار بوجعه يكلف الكثير، فبعد كل تجربة مؤلمة يبدأ الاختيار الصغير بأي شيء سنخرج منها ؟ فإما ان نحمل العبرة وإما أن نحمل الندبة. قد يخذلك أحدهم حينها عليك أن تختار إما أن تفهم أن الثقة تبنى على مواقف وعلى مهل، وتلك عبرة وإما أن يصبح كل وجه جديد متهما حتى يثبت العكس وتلك ندبة جرح ما زالت تنزف. وحين تكون معطاء فتمنح إنسانا أكثر مما يستحق، حينها عليك أن تختار إما أن تدرك أن العطاء لا يعني أن تنسى نفسك وتلك عبرة، وإما أن تدخل كل علاقة جديدة وأنت تحسب كل كلمة وموقف خشية أن تكون الطرف الذي أعطى أكثر فتلك علاقة انتهت وظلت جروحها مفتوحة. وحين نحمل الندبة إلى علاقاتنا التالية، نظن أننا تركنا أصحابها في الماضي بينما أثر جرحهم باق، حيث يظل أثرهم حاضرا في اختياراتنا، فنشك بسببهم، ونتراجع بسببهم، ونغلق الأبواب في وجه الجميع خشية الألم، فيدفع القادمون ثمنا لجروح لم يشاركوا في صنعها. وليس المقصود أن نخرج من التجارب كما دخلناها، فالحياة تعلمنا الكثير، ومن الطبيعي أن نتعلم ونصبح أكثر حذرا وان نمنح ثقتنا بوعي وأن نغلق أبوابا نعرف أنها لا تقود إلا إلى الأذى، ولكن هناك فرقا بين حذر يحمينا وخوف يحرمنا من كل ما قد يكون جميلا، لذلك ليس السؤال ما الذي تغير فينا ؟ إنما السؤال هل جعلتنا التجربة أكثر وعيا، أم أكثر قسوة ؟ فليس كل من أصبح باردا أصبح قويا ولا كل من توقف عن العتب بلغ الصفاء، فاللامبالاة أحيانا ليست نهاية الشعور وإنما طريقته الأقل إيلاما في الاختباء. والشفاء لا يعني أن ننسى، إنما أن نتذكر من دون أن نمنحه دفة قيادة حياتنا، وأن نتعلم منه من دون أن نسلّمه مفاتيح أيامنا القادمة. ولهذا أحب أولئك الذين كبروا من دون أن تشيخ أرواحهم، فهم ليسوا سذّجًا، ولم تمرّ بهم الحياة خفيفة إطلاقا، إنما أدركوا أن النجاة لا تعني الخروج من الألم سالمين، وإنما الخروج منه من دون أن يصبحوا امتدادًا له. وهنا فهمت ما الذي بقي في صديقتي رغم كل ما مرّت به، فهي احتفظت بالدرس، وتركت لأصحابه قسوتهم، ورفضت أن تمنح من آذاها امتيازًا أخيرًا وهو أن يقرر نيابةً عنها من ستكون بعده. فبعض الناس يمرّون في حياتنا ليتركوا درسًا، وقمة الحكمة أن نحتفظ بالدرس، وألا نسمح لهم أن يأخذوا معهم شيئًا منّا.
231
| 09 سبتمبر 2026
"القوة في التفاوض ليست في مقدار الضغط الذي تستطيع ممارسته، إنما في مقدار الضغط الذي تستطيع ممارسته من دون أن تخسر الاتفاق» من هذه القاعدة الأساسية في علم التفاوض يمكن قراءة ما يجري اليوم بين واشنطن وطهران. ففي الأيام الأخيرة، ومع ارتفاع صوت الصواريخ واتساع دائرة القلق في الخليج، بدا وكأن باب السياسة قد أُغلق تماماً، وأن الطرفين ابتعدا عن طاولة المفاوضات إلى نقطة يصعب الرجوع منها،لكن اذا ما قرأناه من زاوية علم التفاوض فقد يكون المشهد مختلفاً. ما نراه حرب بالفعل، لكنه في الوقت نفسه هي مساومة بأدوات أكثر قسوة، كل طرف يحاول تحسين موقعه قبل العودة إلى الطاولة، ورفع كلفة عدم الاتفاق على خصمه حتى يصبح التفاوض بالنسبة إليه أقل كلفة من استمرار المواجهة وهنا لا يكون السؤال من الأقوى؟ فالإجابة معروفة. السؤال التفاوضي الأهم هو،ما البديل الذي يملكه كل طرف إذا فشل الاتفاق؟ ومن يستطيع تحمّل هذا البديل فترة أطول؟ أمريكا تملك مساحة واسعة من الخيارات، قوة عسكرية، عقوبات، ضغط اقتصادي وتحالفات تمنحها قدرة كبيرة على المناورة. لكن ذلك لا يعني أن بديلها عن الاتفاق مريح. فاستمرار المواجهة يعني كلفة عسكرية، وتهديداً لمصالحها في المنطقة، واضطراباً في الملاحة والطاقة قد تتجاوز آثاره حدود طرفي الحرب. إيران في المقابل تعرف أنها لا تستطيع موازنة القوة الأمريكية عسكرياً، لكنها لا تحتاج إلى ذلك بالضرورة،ما تحتاجه تفاوضياً هو أن تجعل البديل عن الاتفاق مكلفاً لواشنطن أيضاً،وهنا تحديدا يظهر مضيق هرمز كواحدة من أهم أوراقها. فاضطراب الملاحة يرفع كلفة المواجهة، ويوسع دائرة المتضررين منها، لكنه في الوقت نفسه يكشف قاعدة أخرى في التفاوض، ليست كل ورقة ضغط قابلة للاستخدام إلى النهاية،فحين تبدأ الورقة بإيذاء صاحبها، تتراجع قيمتها مهما بدت قوية. وعندما يقترب الطرفان من هذه النقطة، تبدأ أهمية الوسيط، ليس لأنه يملك حلاً سحرياً، إنما لأنه يساعد كل طرف على الانتقال من الضغط إلى البحث عن مخرج، من دون أن يبدو وكأنه تراجع أمام خصمه. ومن هنا يمكن فهم تحركات الوسطاء، قطر وعُمان وباكستان، فالوسيط في المفاوضات المعقدة لا يبحث دائماً عن حل أكبر مشكلة أولاً، وإنما عن «مساحة اتفاق ممكنة»؛ وهي قد تكون نقطة صغيرة يستطيع الطرفان الالتقاء عندها من دون أن يشعر أحدهما بأنه خسر وقد تبدأ هذه المساحة من الملاحة، أو هرمز، أو تهدئة مؤقتة، ثم تتحول لاحقاً إلى باب للملفات الأصعب. لكن يجب التنبيه بأن عامل الوقت هنا شديد الخطورة، فكل طرف يعتقد أن مزيداً من الضغط قد يحسّن شروطه، ضربة أخرى، عقوبة إضافية، تهديد أكبر، ثم انتظار التنازل. وهذه حقيقة هي إحدى أخطر لحظات التفاوض، لأن الطرفين قد يملكان أوراقاً جيدة، ويخسران الاتفاق معاً بسبب سوء تقدير اللحظة المناسبة للتوقف،فالصاروخ الذي يُطلق اليوم لتحسين شروط الغد، قد يستدعي صاروخاً آخر يغيّر الحسابات كلها. لهذا، يمكن القول بأنه ربما لم تتوقف المفاوضات بين واشنطن وطهران، هي فقط خرجت من الغرف المغلقة إلى الميدان. لكن المشكلة في استخدام ورقة «التفاوض بالنار» أن الجميع يعرف كيف يبدأ الضغط، لكن المفاوض الأكثر مهارة هو من يعرف متى حقق منه ما يكفي، ومتى يصبح المكسب الإضافي الذي يطارده أقل قيمة من الاتفاق الذي قد يخسره.
171
| 03 سبتمبر 2026
"منو اللي يحميها؟ منو اللي يراعيها؟ إحنا… إحنا" كبرنا ونحن نسمع هذا السؤال في واحد من أشهر الأوبريتات الوطنية الكويتية، وكانت الإجابة تبدو بسيطة وواثقة، تخرج من أفواه الأطفال قبل أن يعرفوا شيئاً عن موازين القوى والتحالفات، نحن من يحميها. ثم جاء أغسطس 1990، وأصبح السؤال الذي غنّيناه يوماً أكثر تعقيداً،عرفنا أن الوطن يحتاج أبناءه، لكنه يحتاج أيضاً إلى محيط آمن، وحلفاء، وشبكة علاقات تتحرك عندما يصبح الخطر أكبر من حدود دولة واحدة. مرّت ستة وثلاثون عاماً، وتغيّر شكل الخطر، لكن السؤال لم يمت، فالحروب اليوم لا تحتاج دائماً إلى دبابات أو جيوش تعبر الحدود، فقد تبدأ بصاروخ، أو مسيّرة، أو هجوم إلكتروني، أو تهديد لممر بحري، وكلها قادرة على إرباك دولة، وربما منطقة بأكملها. ولم يعد ذلك احتمالاً نظرياً بعد ما شهده الخليج في 2026، حين امتدت المواجهة مع إيران إلى دول المنطقة، وتعرضت منشآت وقواعد لضربات صاروخية ومسيّرة، وتعطلت الملاحة في مضيق هرمز،يومها اتضح أن الأمن والأمان لا يعني فقط سلامة الحدود وإنما استقرار الدولة بكافة تفاصيلها. لهذا تستحق اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي وقّعتها السعودية وتركيا وباكستان في السابع من أغسطس، أن تُقرأ بما يتجاوز أسماء الدول الثلاث. فهي تقوم على مبدأ واضح،الاعتداء على دولة منها يُعامل باعتباره اعتداءً على الجميع، وإن كانت آليات التنفيذ لا تزال في طور البناء. وتأتي الاتفاقية في وقت تعيد فيه المنطقة قراءة مفهوم الأمن، وتبحث عن مساحات أوسع للتنسيق والتعاون، من دون أن يعني ذلك التخلي عن تحالفات قائمة. وفي هذه المعادلة تبقى السعودية، بحكم حجمها وموقعها وثقلها السياسي والاقتصادي، ركناً أساسياً في استقرار الخليج، ولذلك فإن أي تحول في شراكاتها الدفاعية يستحق أن يُقرأ أيضاً في سياقه الإقليمي الأوسع. والكويت تحديدا تعرف هذا المعنى من تجربتها، ففي عام 1990 لم يبق احتلال الكويت أزمة داخل حدودها، وإنما تحول إلى أزمة إقليمية ودولية، وكانت السعودية في قلب التحرك الذي أعقب الغزو، ومنها انطلقت القوات التي شاركت في تحرير الكويت. وبعد أكثر من ثلاثة عقود، ازداد ترابط الخليج مع تشابك الاقتصاد والطاقة والموانئ والممرات البحرية، فأصبح استقرار أي دولة فيه مرتبطاً باستقرار محيطها. ولعقود شكّلت الشراكات الدولية ركناً مهماً في أمن الخليج، وكانت تجربة تحرير الكويت عام 1991 شاهداً على قيمتها وستظل مهمة، لكن توسيع دوائر التعاون يمنح المنطقة خيارات إضافية. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة اتفاقية مكة بهدوء، لا باعتبارها إعلاناً عن محور جديد أو مقدمة لمواجهة، وإنما محاولة لإضافة مساحة أخرى من التعاون في منطقة تحتاج إلى الاستقرار أكثر مما تحتاج إلى حرب أخرى. بعد ستة وثلاثين عاماً من أغسطس، تغيّرت الأسلحة والحروب وتعددت التحالفات، لكن السؤال القديم عاد بصيغة أوسع، منو اللي يحميها؟ منو اللي يراعيها؟ ربما لم تتغير الإجابة كثيراً، لكن معنى «إحنا» أصبح اليوم أوسع.
255
| 11 أغسطس 2026
استيقظتُ على رنين عدة مكالمات من قطر، وما إن أجبت حتى سمعت صديقتي القطرية تجهش بالبكاء وهي تردد "مات أبونا". لم أحتج أن أسألها عمَّن تعني، فقد أدركت أنها تتحدث عن صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله. ساد بيننا صمت طويل. لم أعرف ماذا أقول، ولم أجد كلمات يمكن أن تخفف من حزنها. في تلك اللحظة أيقنت أن هناك رجالًا يعجز الرثاء عن الإحاطة بمكانتهم، وأن الكلمات، مهما بلغت بلاغتها، تقف عاجزة أمام قامات صنعت تاريخًا، وتركت أثرًا لا يزول برحيل أصحابها. عرفت قطر منذ سنوات طويلة، وفيها من الأهل والأصدقاء ما جعلها وطنًا قريبًا إلى القلب، وكانت كل زيارة إليها تحمل دهشة جديدة، دهشة مدينة تتغير، ومؤسسات تتطور، وطموح يكبر عامًا بعد عام. قطر الصغيرة في مساحتها، لكنها أثبتت للعالم أنها كبيرة في رؤيتها، وحضورها، وما حققته من إنجازات جعلتها تتبوأ مكانة مرموقة بين دول العالم. ولم يكن ذلك الفصل المشرق من تاريخ قطر الحديث وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية قائد آمن بأن بناء الأوطان لا يبدأ بما تملكه من ثروات، وإنما بما تمتلكه من رؤية وإرادة. فكثير من الدول تملك الموارد، لكن القليل منها ينجح في تحويلها إلى مشروع وطني يغير حاضرها ويصنع مستقبلها. لم تكن عوائد الغاز هي الحكاية، فالثروات قد تمنح الدول فرصة، ولكنها لا تمنحها مستقبلًا. فالمستقبل يحتاج إلى صاحب رؤية يعرف كيف يحول الموارد إلى تنمية، وكيف يجعل الاقتصاد وسيلة لبناء الإنسان، لا غاية بحد ذاته. ومن هنا بدأت قطر رحلة مختلفة، اتسعت فيها قاعدة اقتصادها، وتعزز حضورها الاستثماري، حتى أصبحت تجربتها التنموية محل اهتمام كثير من دول العالم. ولكي تعرف توجهات صاحب الرؤية فعليك أن تعرف أول لبنة قام ببنائها فلم يكن الاستثمار في الإنسان أقل أهمية من الاستثمار في الاقتصاد، فقد جاء تأسيس مؤسسة قطر، واستقطاب الجامعات العالمية إلى المدينة التعليمية، ليؤكد أن بناء العقول هو الاستثمار الذي لا يفقد قيمته مع الزمن، ثم جاءت رؤية قطر الوطنية 2030 لتضع إطارًا طويل المدى لمسيرة التنمية، وتؤكد أن المستقبل لا يُترك للصدفة، بل يُبنى بالتخطيط والعمل. وامتدت هذه الرؤية إلى خارج حدود الوطن، فكان لقطر حضور بارز في المبادرات الإنسانية، وجهود الحوار والوساطة، ودعم القضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، انطلاقًا من إيمان بأن قوة الدول لا تقاس بما تحققه لنفسها فحسب، بل بما تقدمه لمحيطها من دعم وإسهام في تحقيق الاستقرار. ثم جاء حضور قطر العالمي في الدبلوماسية والإعلام والرياضة امتدادًا لهذه المسيرة، وكان تنظيم بطولة كأس العالم قطر 2022 تتويجًا لسنوات طويلة من التخطيط والإعداد، بدأت في عهد الأمير الوالد، واستكملت في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، لتقدم للعالم صورة مشرقة عن دولة عربية استطاعت أن تحول الحلم إلى واقع. وأنا أستمع إلى صديقتي وهي تبكي، أدركت أن الشعوب لا تنادي قادتها بصفات رسمية في لحظات الفقد، ولكن بالأسماء التي اختزنتها قلوبها. ولذلك قالت بعفوية "مات أبونا". كانت تلك الكلمة وحدها كافية لتختصر علاقة قائد بشعبه، وتختصر سنوات من القرب والانتماء والوفاء. قد يرحل الإنسان، لكن الأوطان لا تنسى من منحها جزءًا من عمره، ولا يغيب من جعل من خدمة وطنه رسالة. وستبقى سيرة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني جزءًا من ذاكرة قطر والخليج والعالم، ترويها الإنجازات قبل الكلمات، وتحفظها المؤسسات قبل الكتب، ويستحضرها كل من يرى في قطر اليوم قصة وطن آمن برؤيته، فصار مثالًا يُحتذى. رحم الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن وطنه وأمته خير الجزاء، وألهم أسرته الكريمة والشعب القطري الصبر والسلوان.
504
| 15 يوليو 2026
أكثر من 7 دول عربية يتم قصفها والبعض يضع رِجلا على رِجل ويناقش أن الصواريخ موجهة للقواعد الأمريكية وليس لمواطنين عرب، هذا ليس خلافا في الرأي ولا ترفا فكريا بل هذا هو النوم بعيون مفتوحة. في عام 1969، بعد إحراق المسجد الأقصى قالت غولدا مائير رئيس وزراء إسرائيل آنذاك إنها لم تنم تلك الليلة خوفا من ردة الفعل العربية، لكن الصباح أتى هادئا فقالت «علمت أننا أمام أمة نائمة». بعد أكثر من نصف قرن لم يتغير شيء، فقط تغير من يراقب النوم وتغيرت مصالحه. ولسنا بحاجة إلى مراجعة كتب التاريخ، فهو يعيد نفسه الآن، إذ إننا نعيشه بتفاصيله وبخيباته وبردات الفعل المخزية، أكثر من 5000 هجمة إيرانية على دول الخليج من صواريخ ومسيرات وكأنها أضاعت بوصلة اتجاهها نحو الكيان المحتل، 40 يوما وبلادنا تحت القصف الإيراني، وعلى سبيل الذكر الدقيق سأتحدث عن وطني الكويت حتى تتضح الصورة أكثر ولا يسعني في هذا المقال أن أتحدث عن ما تم استهدافه في كافة الدول الخليجية والعربية التي تحت القصف الإيراني الغاشم. في الكويت تم استهداف مبنى المطار، مبنى التأمينات الاجتماعية، مبنى شؤون القصر، مصافي البترول، محطات الكهرباء وتحلية المياه، مجمع الوزارات، لم يستهدفوا القواعد الأمريكية بل استهدفوا الدولة نفسها، استهدفوا حياة الشعب الذين لا ناقة لهم ولا جمل في كل هذه الحسابات الجيوسياسية التي يتشدق بها من يبرر القصف من بعيد. ومع ذلك تبنى بعض العرب الرواية التي روجتها إيران، كذبة مصنوعة من الحقد والكراهية على طريقة غوبلز وهو مدير الدعاية لهتلر حين قال «اكذب اكذب حتى يصدقك الناس» فمرة يقال إن الاستهداف موجه لقواعد أمريكية، ومرة أنه رد، ومرة دفاع وفي النهاية يتم استهداف المنشآت الحكومية والسكنية. هذا الخلط ليس عشوائيا، هو أسلوب تبرير للسر الكامن في أعماق النظام الإيراني، فحين تختلط الأسباب، تختفي المسؤولية ويصبح كل شيء قابلا للتبرير. حقيقة أن المشكلة ليست في الكذبة، فهي متوقعة، المشكلة في من يصدقها، لأن من يصدق الكذبة يمنح المعتدي غطاءه الشرعي وهذا بالضبط ما تحتاجه إيران، فلا تحتاج إلى انتصار عسكري، فهي قد فشلت في كافة حروبها رغم أنها تكابر وليس ببعيد كيف كابرت في حربها مع العراق التي استمرت 8 سنوات متواصلة خسرت فيها نصف مليون قتيل وأكثر من 500 مليار دولار، أي تدمير اقتصاد للبلد وخسارة أرواح ليس ذنبها سوى مكابرة قادتها، فحين صدر قرار وقف إطلاق النار عام 1987، وافق عليه العراق فورا، بينما استمرت إيران في الرفض قرابة عام كامل، رغم وضوح الكلفة، ورغم أن كل يوم إضافي كان يعني مزيدا من الدم والخسارة، لم يكن ينقصها الأرقام لتفهم، كانت تعرف لكنها استمرت وحين توقفت، وصف الخميني القرار بأنه «تجرّع للسم» حقيقة لم يكن القرار صعبًا، كان متأخرًا بعد أن دفع الشعب والبلد الثمن كاملًا. وعودة إلى الكذبة الإيرانية، نجد أن الدول الخليجية لم تطلب من أحد أن يحارب عنها، ما تطلبه فقط هو ألا تكذب جروحها والقصف الذي تتعرض له، وألا تباع الحقيقة بأرخص الأثمان فلا مبرر لقاصف، وألا يجد العدو في الفضاء العربي منبرا يضفي على عدوانه شرعية لا يستحقها لا تحت شعار الدين ولا الإنسانية ولا العروبة.. هل يبدو هذا كثيراً... صباح الخير يا عرب !
507
| 08 أبريل 2026
قبل أسابيع وصلتني رسالة قصيرة من صديقة عربية لم تكتب الكثير، اكتفت بكلمتين «انا معك». كلمتان لكنهما كانتا تساويان الكثير في تلك اللحظة. في المقابل، صمت آخرون كنت أظن أن ما بيننا ما يكفي من السنوات والذكريات. لم أطلب موقفا سياسيا ولا بيانا، كان يكفيني ما فعلته تلك الصديقة ان أشعر ان أحدا الى جانبي ولو معنويا ولكن في الأزمات تتضح المواقف، لأن الحروب لا تغير معادن الناس بل تكشفها. من يعرفني عن قرب يعرف أنني أجيد التحدث بأكثر من لهجة عربية بإتقان شديد، لم اتقنها لأن لي جذورا فيها، بل بحكم الصداقات والزمالات التي صنعت جذورها مع الوقت وامتدت في القلب كما امتدت في الذاكرة. وتعلمت ذلك ايضا من اكثر من خمسة عشر عاما قضيتها في الصحافة، خلال تلك السنوات عرفت أصدقاء وزمالات في كل بلد عربي لم يكونوا يوما مصادر خبر ولا معارف عابرة، بل رفقة جمعتنا زمالة الفكر والقلم والثقافة. لهذا تحديدا كان بعض ما رأيته في الأيام الأخيرة مؤلما، ليس لأن اختلاف الآراء امر مستغرب بل لأن بعض المواقف جاءت من حيث لا أتوقع. ورغم ذلك لا اكتب هذه الكلمات عتابا، فالعتب لا يصنع فهما وأنني أبحث عن الفهم أكثر من اي شيء آخر. حقيقة تبدو بعض المشاهد اليوم مربكة لأبناء الخليج والكويت تحديدا، كلمات قاسية هنا، تعليقات ساخرة هنا، مقالات استفزازية، وصمت بارد من أشخاص كان الخليج جزءا من حياتهم أو أحد معارفهم. ومع ذلك، من الإنصاف القول إن الصورة ليست واحدة، فكما ظهرت كلمات قاسية، ظهرت أيضًا مواقف وفية وصادقة وعلى وجه الدقة، كثير منها جاءت من أناس عاديين لا يشغلهم الجدل الثقافي ولا ضجيج المنابر، أناس لم ينسوا العِشرة. أفهم أن علاقة العرب بالخليج ليست علاقة بسيطة فيها تاريخ طويل من الأمل والخيبة، وربما لأن دول الخليج انشغلت خلال العقود الماضية ببناء الاستقرار والتنمية، بينما كانت مناطق عربية أخرى تواجه أزمات وصراعات طويلة، نشأت فجوة اقتصادية واضحة بين التجربتين، هذه الفجوة، التي تشكلت عبرعقود، خلّفت مقارنات لم تكن دائمًا عادلة، وأنتجت أحيانًا حساسية تظهر في طريقة الحديث عن الخليج. لكن الخليج لم يكن يومًا قصة منفصلة عن النسيج العربي، في مدنه عاش ملايين العرب، وأعطوا وأخذوا، وتركوا بصمة في حياته كما تركت هذه المدن بصمة في حياتهم وكما فتح الخليج أبوابه للناس، لم يغلق يومًا قلبه عن قضاياهم؛ فكان حاضرًا بكلمته وموقفه ودعمه حين ضاقت بهم السبل. هذا ليس فضلًا من طرف على طرف، بل تاريخ مشترك وربما كان لأن الخليج آمن بالحلم العربي، في أبسط معانيه، أن يقف العرب مع بعضهم حين تضيق الأيام. ولهذا أظن أن إعادة بناء الثقة بين العرب والخليج لن تبدأ بالبيانات ولا بالمواقف الرسمية. ستبدأ بما بدأت به صديقتي «أنا معك». فالأزمات لا تكشف الناس فقط، بل تدفعهم أيضًا إلى مراجعة أنفسهم فيتساءل حينها الانسان: من بقي قريبًا؟ ومن ابتعد؟ الأمر لا يختلف بين الدول، فالعلاقات مثل الصداقات، تكشف حقيقتها في الأزمات. فحين تضيق الأيام يعرف الإنسان من وقف معه ومن صمت. فالأزمات تمر.. لكن المواقف تبقى.
897
| 18 مارس 2026
ما الذي يحدث في الخليج؟ منذ متى أصبحت صافرات الإنذار تدوي في بعض مدنه أكثر مما يُسمع صوت الأذان في اليوم الواحد؟ سؤال يتردد اليوم في أذهان كثيرين، وخلفه سؤال أعمق وأكثر إلحاحاً،هل نتجه إلى حرب شاملة، أم أننا أمام شيء مختلف تماماً؟ في أواخر فبراير نفّذت الولايات المتحدة ضربات جوية استهدفت مواقع عسكرية داخل إيران ولم تمض ساعات حتى جاء الرد الإيراني عبر صواريخ وطائرات مسيّرة انطلقت باتجاه عدة مواقع في دول الخليج، فيما اضطلعت أنظمة الدفاع الجوي الخليجية بمهمة اعتراضها وهكذا دخلت المنطقة واحدة من أكثر لحظات التوتر حساسية منذ سنوات. غير أن قراءة هذا المشهد بالمنطق العسكري الخالص قد تكون ناقصة، فما يجري في حقيقته أقرب إلى «حرب رسائل» منه إلى حرب تقليدية، فالصاروخ هنا ليس أداة تدمير فحسب، بل وسيلة تفاوض أيضاً، كل ضربة تحمل رسالة، وكل تصعيد أو تصريح أو تحرك عسكري له حساباته. ما يحدث يعكس مرحلة ضغط متبادل بين القوى المنخرطة في الأزمة على مسرح الخليج، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه، فإيران تحاول من جهة تخفيف العقوبات المفروضة عليها، بينما تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى إلى تقويض نفوذها في المنطقة،وفي مثل هذه اللحظات تحاول كل جهة تعزيز أوراقها قبل أي جلوس محتمل على طاولة الحوار، لا لإشعال حرب شاملة لا يريدها أحد. ومثل هذا التصعيد المحسوب محفوف بالمخاطر، فالرسائل قد تُفهم على نحو خاطئ، وما بُني على حسابات دقيقة قد ينزلق في لحظة غير متوقعة نحو مواجهة لم يُخطّط لها أحد،فهذه الحروب من هذا النوع تتحول سريعاً إلى استنزاف متبادل تدفع ثمنه الاقتصادات والشعوب قبل الجيوش، كل يوم يستمر فيه التصعيد يرفع كلفة المواجهة على الجميع، ويزيد القلق في أسواق الطاقة والتجارة العالمية. مخطئ من يظن أن المواجهة العسكرية وحدها العامل الحاسم في مثل هذه الأزمات، فالأزمات المعقدة غالباً ما تفرض مساراً دبلوماسيا موازياً يحاول التهدئة قبل ان تتصاعد الحدة، ولحظتها تبرز أهمية الدبلوماسية العقلانية القادرة على فتح قنوات الاتصال. وإذا ما نظرنا إلى دول الخليج سنجد أن هناك دولتين برعتا في دور الوسيط المحايد، هما قطر وسلطنة عُمان. فقد استطاعت قطر خلال السنوات الأخيرة أن تكرّس لنفسها حضوراً مهماً في الوساطات الدولية، مستفيدة من شبكة علاقاتها الواسعة وقدرتها على التواصل مع أطراف مختلفة وكان من أبرز الأمثلة على ذلك استضافة الدوحة للمحادثات التي أدت إلى اتفاق الولايات المتحدة وطالبان عام 2020. أما سلطنة عُمان فقد عُرفت لعقود بدبلوماسيتها الهادئة القائمة على التهدئة وبناء الجسور، وكانت مسقط محطة لعدد من القنوات السياسية الحساسة في المنطقة، من بينها المحادثات التي مهّدت للاتفاق النووي الإيراني عام 2015. ما يجمع الدوحة ومسقط ليس فقط امتلاك خطوط اتصال مفتوحة مع أطراف متباعدة سياسياً، بل أيضاً فلسفة دبلوماسية محنكة وخبرة تقوم على الهدوء والابتعاد عن الأضواء وتفضيل النتائج العملية على التصريحات. اليوم، ومع استمرار التصعيد وتبادل الرسائل العسكرية، تبدو الحاجة إلى مواصلة دورهما في الوساطة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، فالمنطقة لا تحتمل استنزافاً طويلاً لا رابح فيه، وحرب الرسائل إن لم تجد من يترجمها إلى حوار، فإنها قد تتحول إلى مواجهة أوسع لا يريدها أحد.
855
| 11 مارس 2026
صباح السبت استيقظت دول الخليج على مشهد لم يكن معتادا لأهلها، صواريخ تعبر السماء، وصافرات إنذار تعلن هجمات متبادلة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، ليتسع نطاق التوتر ويطول محيط الخليج ضربات إيرانية. وسط هذا المشهد المتشابك، لم يكن التحدي عسكريًا فقط، بل نفسيًا وسياسيًا أيضًا، ومع أولى ساعات التصعيد، جاء الموقف السعودي واضحًا في إرساء معادلة مؤكدة "أمن دول الخليج واحد"، وأي تهديد لأي منها لا يُقرأ بمعزل عن بقية العواصم، لم يكن ذلك بيانًا فحسب بل تحركا يعكس مسؤولية المملكة كشقيقة كبرى وعمود خيمة المنظومة الخليجية. وما أن أُعلنت هذه الرسالة، حتى بدا الالتفاف الخليجي حولها سريعا، اذ صدرت المواقف من بقية العواصم متناغمة في مضمونها وتوقيتها، مؤكدة أن الخليج لا يتعامل مع التصعيد بردود فعل منفردة، بل بمنطق الشراكة الكاملة. بدأت الضربات تستهدف دول الخليج، وتم اعتراض عدد كبير منها خلال وقت قصير، كنتيجة استثمار لسنوات في أنظمة الإنذار المبكر والدفاع الجوي والتكامل العملياتي بين الأجهزة المختصة، واذا ما حاولنا استخدام الأرقام فقط، فللعلم بأن تكلفة اعتراض هدف واحد قد تصل نحو عشرة ملايين دولار تقريبا وذلك بحسب المنظومة المستخدمة، لكن الرسالة التي تعكسها هذه الأرقام أبعد وأعمق وهي أن الإنسان الخليجي غالٍ عند بلاده، وحمايته مهما بلغت الكلفة مستحقة. حقيقة إن النجاح في الاعتراض لم يكن مجرد إسقاط صواريخ، بل هو منع حالة الهلع التي يمكن أن تعصف بالمدن، فالتصعيد في مثل هذه اللحظات لا يستهدف البنية العسكرية فقط، بل يحاول زعزعة الروح المعنوية وشق الصفوف، وحين تفشل هذه المحاولة، لا يكون الردع قد أدى مهمته فحسب، بل تكون الوحدة قد أثبتت صلابتها أيضًا. ثمة جانب مشرق آخر ظهر في هذه الأزمة قلما تراه بين الدول، وهو المشهد الشعبي فقد كان أكثر عمقًا وانسانيا على الصعيدين الرقمي والواقعي، ففي الفضاء الرقمي، ظهرت محاولات لبث القلق والتشكيك، لكن الوعي الخليجي كان حاضرا وناضجا، الحسابات المضللة كُشفت، والشائعات تم احتواؤها، ولم يتحقق الرهان على إرباك الداخل. والأجمل أن التضامن لم يبقَ في مستوى الشعارات في تلك الساعات، لم يكن الكويتي كويتيًا فقط، ولا القطري قطريًا فقط، ولا الإماراتي إماراتيًا فقط، كان الكويتي قطريا، والإماراتي بحرينيا، والسعودي عمانيا، انتشرت عبارات "بيوتنا مفتوحة" و"احنا أهلكم" في كل اتجاه، ولم تكن كلمات عابرة، بل رسائل طمأنة حقيقية لأي خليجي تعطلت رحلته أو تعثرت عودته، فالأبواب فُتحت قبل أن تُطلب، والمساعدة عُرضت قبل أن تُستدعى، هذا النوع من التكاتف لا يُصنع ببيان رسمي، بل بثقافة متجذرة ومصير واحد وروابط مشتركة. إن الأزمات لا تصنع الروابط لكنها تختبرها وما أثبتته تلك الساعات أن الوحدة الخليجية لم تكن شعارًا يُرفع في البيانات أو اغنية لطالما رددناها، بل واقعًا صمد حين جاء الاختبار الحقيقي،ستمضي هذه الجولة من التصعيدات -بإذن الله، لكن ما سيبقى هو حقيقة واحدة "أن الخليج حين يُختبر، لا يقف متفرقا" ومن راهن على تفكيك الخليج في لحظة التصعيد، اكتشف أن وحدته أصلب من أن تُكسر. حفظ الله خليجنا قيادةً وشعبًا، وأدام عليه نعمة الأمن والوحدة والأخوة.
618
| 04 مارس 2026
تعاطف العالم مع «بانش» القرد الياباني الصغير الذي رفضته أمه وأقرانه ولم يجد أماناً إلا في دمية قماشية تشبهه، تعاطفت معه ولكن صورته أعادت استدعاء ذكرى قديمة في طفولتي وأنا دون سن الثامنة، حيث كنت وقتها زعيمة عصابة أطفال الفريج بالتزكية طبعا دون انتخابات، وفي يوم ظهر قرد صغير مجهول المصدر، هادئ ومطيع، ينظر إلينا ليبحث عن الأمان، وحين رأيناه ودون أي اعتراضات أعلنت «انه تحت حمايتنا الشخصية وأنه.. من اليوم منا وفينا»، ولأنني أؤمن بالديمقراطية أطلق أحد أفراد العصابة اسم «بومبو» عليه ووافقنا بالإجماع، أسرع أحدهم لإحضار دشداشة أخيه الصغير، ثم قامت ابنة الجيران بإحضار غترة وعقال والدها، وفي دقائق معدودة أصبح «بومبو» فردا من عصابتنا رسميا، لعب معنا الغميضة صحيح أنه كان يختبئ في أماكن مكشوفة ولكن يبدو أنه يحمل بعدا إستراتيجيا، شارك معنا في شد الحبل صحيح أنه يسحب بالعكس ولكن له بعد نظر تكتيكي، علمناه لعب «التيلة» صحيح أنه كان يرميها بلا اتجاه ولكننا نشجعه ونصفق له بحرارة على الإنجاز وحب التعلم، أما حين كنا نجلس لنأكل الحب الشمسي فكان يقشره بطريقة أفضل منا، ومع هذا النجاح الاجتماعي والمهارات العالية التي أبداها فرد العصابة الجديد –قررت- الإدارة العليا –أي أنا – الانتقال إلى المرحلة التعليمية له وأن مصلحته في أن يتعلم حتى يشاركنا في العلم، وحاول بعض أفراد العصابة الأولاد أو «الصبيان» إقناعنا بأن نستخدمه في «الهوشات» ليكون معنا «فزاع» رفضنا هذا الاستخدام للفرد الجديد في عصابتنا وبأن عليه أن يسلك طريق العلم وأخذنا أنا وابنة الجيران مسؤولية تعليمه «هذا حرف الألف.. قل ألف» مال برأسه وحك أذنه ثم نظر إلى السقف «قلنا واضح يفهم.. بس مستحي»، لنكمل في بقية الأحرف. خطة الإخفاء له كانت شقية جدا، إذ قررنا أن ينام كل ليلة في بيت مختلف، وتعاهدنا على الصمت حتى لا ينكشف أمرنا من الكبار، أسبوع كامل نجحنا في هذا التخطيط الاستراتيجي واللوجستي وكنا نشعر أننا على وشك كتابة فصل جديد علمي في نظرية دارون النظرية التي تقول إن الإنسان تطور وكان قردا كان كل شيء رائعا ويمشي بسلاسة، حتى جاء الصوت «بريد..بريد « ركضنا نحو عربة الآيس كريم وبالطبع ركض معنا بومبو، بل الحقيقة أنه تفوق علينا وتسلق العربة بحماس يكشف أصله، نظر صاحب العربة وصرخ: مين ده اللي لابس الدشداشة ؟ قرد! في دقائق حضر الأهل وعلم الكبار بالموضوع وبدأت مرافعتنا، بكينا، شرحنا أنه «قريب يصير إنسان» وأنه يفهم كل شيء ولكنه خجول و»مستحي» وأننا سنتولى تعليمه وأنه طيب، ولكن لم يسمع لنا احد، وبالطبع بصفتي الزعيمة كان هناك جانب لابد أن أتحمله وثمن كبير، حيث أشار الأطفال إلى أنني صاحبة الفكرة لأخذ العقوبة وحدي يومها، لم تحزني «العلقة الساخنة» بقدر ما أحزنني أن المشروع العلمي الأول لم يكتمل.. ومن يومها وأنا اعترض على نظرية دارون.
441
| 25 فبراير 2026
مر سريعا على شريط الاخبار هذا الخبر، الولايات المتحدة الأمريكية ترسل سفينة حربية اضافية الى الشرق الأوسط، (ديلبرت دي) والتي حطت مراسيها في ميناء ايلات على الجانب الاسرائيلي، وتأتي هذه الخطوة ضمن تعزيزات عسكرية في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وايران، اذ عادت لغة الرسائل المتبادلة بينهما الى نبرة أكثر حدة، وقد جمعت بين التحذير والردع، مع تأكيد أمريكي على حماية المصالح والقوات وفي المقابل تشديد ايراني على أن الاستهداف سيقابل بالرد. قد تبدو هذه الأخبار مألوفة في منطقة اعتادت بيانات التصعيد، لكنها حقيقة تضع دول الخليج أمام مفترق طرق حقيقي، فالتاريخ يخبرنا أن المناوشات السياسية والتوترات تبدأ بإشارات صغيرة وتدق ناقوس الإنذار والخطر وحين يتم تجاهلها تتحول الى واقع. المتابع للمشهد السياسي الآن سيلاحظ أن الحشود العسكرية ليست مجرد استعراض للقوة ولا تصاعد حدة الرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران هي مجرد ضجيج سياسي أو اعلامي، فما يكتب هذه الأيام عن احتمال توجيه ضربة لإيران، كما تتناولته بعض الأقلام التحليلية السياسية، لا يجب ان يقرأ بوصفه حدثا عسكريا معزولا بل يجب اعتباره اختبارا إقليميا تقع ارتداداته في قلب الخليج قبل غيره. من يقرأ التاريخ القريب سيعلم أن الحروب لا تبقى آثارها داخل الحدود المستهدفة، فهي كالزلازل وارتداداتها التي تتسع، ومن يظن أن النار ستتوقف عند خط جغرافي معين فإنه يكرر وهما قديما أثبت فشله مرارا، فالضربة ان وقعت لن تكون شأنا ايرانيا فقط، بل زلزالا يعيد ترتيب قوى الأمن والاقتصاد والتحالفات وسلاسل الامدادات والطاقة والاقتصاد والسياسة العالمية، ويضع الجميع اما احتمالات يصعب الاختيار بينها. في مثل هذه اللحظات الحاسمة لا يكون السؤال الأهم هل ستقع الضربة أم لا؟ بل كيف سيقف الخليج؟ هنا تتقدم مسألة الوحدة الخليجية من كونها خطابا سياسيا أو عاطفيا الى كونها ضرورة واقعية مصيرية، فالخليج قدره ان يكون جغرافيا وسط منطقة ساخنة سياسيا تتشابك فيها المصالح والأمن والشعوب، ولا يحتمل رفاهية التباعد ولا ترف الخلافات الصغيرة، فالمنطقة اليوم لا تدار بمنطق المحايد، بل بمنطق الكتل المتماسكة المترابطة والقادرة على حماية مصالحها في عالم يعاد تشكيله بالقوة والمصالح. في هذا التوقيت الحاسم يتضح أن أخطر ما يمكن ان تواجهه الدول في زمن الفوضى السياسية وصراع القوى العالمية هو الانقسام الداخلي، فحين يتصدع الصف لا يحتاج الخارج الى جهد كبير، والتاريخ العربي زاخر بالعبر. ثمة حقيقة واضحة بأن دول الخليح تبدو أكثر احتياجا الآن أكثر من أي وقت مضى الى وحدة صفها، فالوحدة الخليجية لا تعني التطابق في المواقف، ولا الغاء الخصوصيات الوطنية، بل وضع الخلافات جانبا ورؤية أمنية مشتركة، وخطاب سياسي موحد، وتنسيق يسبق الأزمات، فالأمن لا يدار بردود الأفعال بل بالاستعداد. وهي أمام مفترق طرق حاسم، فإما التأكيد على الوحدة المتماسكة التي اعتدناها والتي تدار بالعقل والحكمة والمصالح المشتركة، والا فإن أي تباعد ولو كان بسيطا فإنه سيفتح الباب أمام الآخرين لفرض وقائعهم، والتاريخ لا يرحم أي انشقاق وإن بدا هامشيا لأي تكتل قوي ومترابط، ولا يحمي من يظن أن الخطر سيقف عند حدود غيره، لذلك فإن اظهار تماسك الوحدة الخليجية لم يعد خيارا سياسيا قابلا للنقاش او التأويل، بل هو ضرورة حتمية في زمن لا يعترف الا بالقوى المتماسكة.
450
| 04 فبراير 2026
قبل ساعات من دخول عام 2026، سأل الصحفيون الرئيس الأمريكي ترامب عن أمنيته للعام الجديد، فجاءت اجابته سريعة «السلام على الأرض»، وبعد 72 ساعة فقط استيقظ العالم على خبر صادم، اختطاف رئيس فنزويلا مادورو وزوجته ونقلهما الى الولايات المتحدة في عملية عسكرية أمريكية. الصدمة لم تكن في الحدث نفسه، بل في رمزيته، اعتقال رئيس دولة من عاصمته وبقرار أحادي من قوة كبرى، حقيقة أعادت سؤالا قديما: من يجرؤ على قول «لا» لـ»ماما أمريكا» وما ثمنها؟ ما حدث في فنزويلا، لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة مسار طويل من التوتر والمواجهة، فقد قالت كاراكاس «لا» منذ سنوات لا للتدخل، لا للوصاية، ولا للضغوط السياسية والاقتصادية، ولكنها قالتها في نظام دولي غير متكافئ حيث لا تقاس المواقف بجرأتها فقط بل بقدرة أصحابها على تحمل تبعاتها، وبحجم شبكة الحماية السياسية والاقتصادية التي تساند القرار. بداية ساخنة جدا لأحداث عام 2026، يبدو فيها هذا المشهد السياسي منعطفا جديدا ومنهجا جديدا في ادارة العلاقات الدولية في هذا المنهج، لا تُدار الخلافات عبر التفاوض، بل عبر فرض الوقائع ثم مناقشتها لاحقًا. «ماما أمريكا» في هذا السياق ليست توصيفا عاطفيا، بل تعبير عن دور مركزي في ضبط إيقاع هذا المنهج. تضع الإطار، تحدد الخطوط، وتقرر من يُسمح له بالاعتراض ومن يُطلب منه أن يتحمل العواقب، من ينسجم مع المسار، يُترك له هامش حركة ومن يقول «لا» يُواجه سلسلة من الضغوط. وبينما يذهب البعض الى ربط ما جرى بالنفط الفنزويلي، فإن الحقيقة أن رغم ضخامته فهو ليس مكسبا اقتصاديا سريعا، حيث إنه من الناحية العلمية نفط ثقيل وعالي الكبريت، ومكلف جدا في الاستخراج والتكرير، ويحتاج الى استثمارات ضخمة ومصاف مخصصة تستغرق سنوات لبنائها وتجهيزها، لذلك يصعب جدا أن يؤثر هذا النفط في سوق الطاقة على المدى القصير، إذ إن اهميته ليست آنية، بل استراتيجية طويلة الأمد، كورقة مستقبلية يجب ابقاؤها ضمن نطاق السيطرة. ومن هنا يمكن القول إنه لا يتعلق المشهد فقط بالموارد، بل بإعادة فرض الهيبة، ففي منطق «ماما أمريكا» لا تقاس القوة بالعائد الاقتصادي الفوري، بل القدرة على الفعل، وارسال رسالة واضحة للعالم مفادها ان قول «لا» له كلفه وثمن، وكلفتها لا تدفع دفعة واحدة، بل تبدأ بعقوبات اقتصادية، ثم عزلة سياسة ثم انهاك داخلي يمتد الى حياة الشعب اليومية، ومع الوقت يتحول الخلاف الخارجي الى أزمة داخليه، ويدفع كالمعتاد الشعب ثمن قرار لم يكن طرفا مباشرا في اتخاذه.ما يجعل الحالة الفنزويلية لافتة هو أنها لا تبدو استثناءً، بل نموذجًا قابلًا للتكرار، فحين تُكسر القواعد في حالة ما، تصبح القاعدة نفسها أكثر هشاشة والسوابق في السياسة الدولية نادرا ما تبقى معزولة، بل تتحول إلى أدوات يُعاد استخدامها متى اقتضت المصالح. في 2026، يكون السؤال هل ما زالت العلاقات بين الدول تُدار بالقواعد؟ في عالم «ماما أمريكا» والرسالة التي تريد ايصالها، الجرأة ليست في قول «لا» فقط، بل في امتلاك القدرة على تحملها ومن لا يحسب كلفة هذه الكلمة جيدًا، يجد نفسه يدفع الثمن من استقرار بلده.
660
| 07 يناير 2026
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع...
8865
| 20 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي...
7194
| 15 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...
4719
| 22 سبتمبر 2026
بين تعميمين أسبوع واحد. في الثالث من سبتمبر...
3309
| 16 سبتمبر 2026
«وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا...
2649
| 18 سبتمبر 2026
لم نعد نمر بالأشياء كما كنا، تلك الطرق...
2340
| 16 سبتمبر 2026
نتقلب في نعم الله تعالى المنعم ليلا ونهارا،...
1428
| 17 سبتمبر 2026
لا تكمن خطورة ما يجري في منطقة باب...
1242
| 20 سبتمبر 2026
عندما نتحدث عن التحديات التي تواجه الأسرة القطرية،...
1107
| 15 سبتمبر 2026
بدعوة كريمة من السيد يوسف بن أحمد الكواري،...
678
| 16 سبتمبر 2026
شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا،...
630
| 21 سبتمبر 2026
يُحكى أن رجلًا عُرف بين أهله وأصدقائه بأنه...
567
| 17 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية