رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نحن نعيش في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا بوتيرة مدهشة، حتى أننا بالكاد نلتقط أنفاسنا لنفهم ما يدور حولنا، أحد أكثر الابتكارات تأثيرًا في هذا العصر هو «الذكاء الاصطناعي»، الذي دخل حياتنا دون استئذان، وتمدد في تفاصيل يومنا العادي، في هواتفنا، في منازلنا، في تعليم أبنائنا، وحتى في لحظات الترفيه والراحة. لكن مع كل ما يحمله من فرص، لا يمكن أن نغفل عن كونه سلاحًا ذا حدين. وبينما ينشغل العالم بإبراز مزاياه، أرى أن من واجب كل أب وأم أن يقفا قليلًا ليفكرا، ما الذي يدخل حياتي من خلال هذه التقنية؟ وكيف يمكن أن يؤثر على نفسي، وأسرتي، وأطفالي تحديدًا؟ ببساطة، الذكاء الاصطناعي هو قدرة الآلات على محاكاة بعض قدرات الإنسان العقلية، مثل التعلم، واتخاذ القرار، والتخطيط، والتفاعل مع اللغة والصوت والصورة، لكن دعونا لا نُبسط الأمور أكثر من اللازم، فهذه التقنية ليست مجرد روبوتات لطيفة أو تطبيقات طريفة، بل هي منظومات ضخمة تحلل بياناتنا، وتتعلم من سلوكنا، وتُعيد تشكيل تجاربنا اليومية في كل ضغطة زر. كيف لا يُدهشك ذكاء آلة تقترح عليك فيلمًا تحبه دون أن تطلب؟ أو تطبيق يتنبأ بما تريده بناءً على محادثة عابرة؟ أو برنامج تعليمي يتفاعل مع مستوى ابنك بشكل شخصي؟ الذكاء الاصطناعي جعل حياتنا أسهل من أي وقت مضى، يوفّر الوقت، يقلل من الأخطاء، يُحسّن من جودة التعليم، ويمنحنا راحة لم نكن نحلم بها، لكنه – ويا للأسف – قد يسلبنا في المقابل شيئًا أثمن بكثير: وعينا، قدرتنا على التفكير، وعلاقاتنا الإنسانية. لا أنكر أن هناك تطبيقات تعليمية رائعة، تنمّي مهارات الطفل وتُبسط له المفاهيم الصعبة. لكن هل ننتبه للوجه الآخر؟ كم من طفل اليوم لا يستطيع أن ينام دون شاشة؟ كم من طفل فقد قدرته على التركيز أو الكلام المباشر بسبب الإفراط في استخدام الأجهزة الذكية؟ إن خوارزميات الذكاء الاصطناعي في منصات مثل YouTube لا تسعى لتعليم الطفل، بل لإبقائه مشدودًا لأطول وقت ممكن، محتوى يُبهر العين لكنه – في كثير من الأحيان – يُفسد الوجدان. أيها الأب، أيتها الأم... لا تفرحوا كثيرًا حين يصمت طفلك أمام الشاشة، هذا الصمت ليس علامة على الراحة، بل نداء خفي من عقل صغير يغرق في العزلة الرقمية. الذكاء الاصطناعي يتلاعب أيضا بعقول المراهقين أكثر مما نتصور، ما بين خوارزميات مواقع التواصل التي تبالغ في عرض «الكمال المزيف»، وتطبيقات تُعيد تشكيل الصور والواقع، يضيع الشاب أو الفتاة في مقارنة مستمرة مع نماذج غير حقيقية، يبدأ الشعور بالنقص، ثم التوتر، ثم الاكتئاب... وربما ما هو أخطر. هناك أيضًا خطر التنمر الإلكتروني، ونشر الشائعات، وتلقي رسائل مشفرة من شخصيات مؤثرة تحركها أدوات الذكاء الاصطناعي. المراهق، بطبيعته، يفتش عن ذاته، عن صوته الخاص، عن شخصيته، فكيف له أن يجدها وسط زحام محتوى مفلتر ومُصمم ليجذبه لا ليبنيه؟ أحيانًا نحن – ككبار – نستسلم بسهولة، نُسلم أطفالنا للمحتوى الذكي كي نرتاح قليلاً، أو نبرر بأن العالم يتغير ولابد أن يواكبوا، لكن... هل نراقب فعلًا ما يُشاهد؟ هل نسأل أنفسنا: هل أنا أعلّم طفلي التوازن، أم أزرع فيه التبعية؟ التكنولوجيا لا تعوض التربية، ولا تملأ الفراغ العاطفي، إن بيوتًا كثيرة تبدو هادئة من الخارج، لكن ما إن تُغلق الشاشات حتى تظهر الفجوات: طفل لا يعرف كيف يتكلم مع والده، ومراهق يفضل الحديث مع «روبوت» على أن يفتح قلبه لأمه. وهنا أدعو جميع الآباء والأمهات، لا تتركوا التربية للأجهزة الذكية.. التطبيقات لا تُربي، والخوارزميات لا تُراعي قيمنا ولا ثقافتنا، التربية تبدأ بالقدوة، ثم بالحديث، ثم بالحب والاحتواء.. راقبوا المحتوى دون تجسس: هناك فرق بين المراقبة الحانية، والشك المؤذي. اسأل ابنك، اجلسي مع ابنتك، تحدثوا بلا توتر... فالحوار هو جدار الأمان الأول. حدّدوا أوقات الاستخدام... وكونوا قدوة: لا يمكن أن تطلب من ابنك ترك الهاتف وأنت تمسك به طوال الوقت، التقنية تحتاج نظامًا عائليًا لا أوامر فردية.. عزّزوا المناعة النفسية والعقلية: لا تتركوا أبناءكم فريسة لما يُبهرهم بصريًا، علّموهم كيف يفكرون، كيف يشككون، كيف يسألون، التفكير النقدي هو السلاح الحقيقي.. حافظوا على العلاقات الواقعية، خصصوا وقتًا للأنشطة الجماعية، للأحاديث اليومية، للنقاشات العابرة، فالعائلة ليست شاشة، بل مشاعر وتفاعل وإنصات. ختاما.. الذكاء الاصطناعي ليس عدوًا، لكنه ليس صديقًا دائمًا أيضًا، إنه أداة، وسلاح، ومرايا تعكس ما نزرعه نحن، إذا كنا واعين ومسؤولين، سيخدمنا، وإن كنا مهملين أو مستسلمين، فسيفسد حياتنا بصمت، دون أن نشعر إلا بعد فوات الأوان. أحب أن أكرر دائمًا هذه العبارة.. «الذكاء الحقيقي ليس في الآلة، بل في من يستخدمها.» أيها الأب... أيتها الأم... المستقبل يبدأ من اليوم، ومن كل قرار تتخذونه داخل البيت، لا تجعلوا الذكاء الاصطناعي يُربي أبناءكم بدلًا عنكم، فأنتم – مهما تطورت الآلات – تظلون الأصل، والمرجعية، والمصدر الأهم للحب والأمان والتوجيه.
600
| 11 أغسطس 2025
الحياة ليست مجرد أيام تمرّ، بل دروس تُعاش وتُستوعب. ومع مرور السنوات وتراكم التجارب، تكتشف المرأة أن أعظم المهارات التي يمكن أن تكتسبها ليست تلك التي تعلّمها كيف تربح أو تنجو أو تتفوق، بل كيف تهدأ، كيف تعيش بسلام داخلي، هذا السلام لا تمنحه الظروف، ولا تصنعه الأيدي، بل يُولد في أعماقنا، حين نكفّ عن الركض خلف ما لا نملك، ونتوقف عن تحميل أرواحنا ما لا طاقة لها به. لقد أدركتُ، ربما بعد صدمات عديدة، أنني لستُ مطالبة بأن أُرهق نفسي في ملاحقة إجابات لا تأتي، ولا أن أعلّق سعادتي على مشاعر الآخرين المتقلّبة، مهما كانت العلاقة عميقة. فالنضج، كما أراه اليوم، لا يُقاس بقدرتي على الانتصار في جدال، أو التمسّك بمن قرّر الانسحاب، بل في هدوئي حين أصمت، وفي حكمتي حين أنسحب بلطف، وفي تصالحي مع نفسي دون أن أحتاج إلى شرح أو تبرير. لأنني ببساطة لستُ مطالبة بخوض كل معركة، ولا بالرد على كل تصرف. من أكثر الأخطاء التي نقع فيها – نحن النساء خاصة – أن نربط طمأنينتنا بوجود أشخاص بعينهم في حياتنا. نُعلّق قلوبنا على حضورهم، ونستمدّ الشعور بالأمان من كلماتهم أو اهتمامهم. نبني وهمًا بأنهم الملاذ والملجأ، ثم نتفاجأ حين يخفت ذلك الحضور، أو ينقطع بلا مقدمات. بمرور الوقت، تعلمتُ – وبألم لا أخفيه – أن الأمان الحقيقي لا تصنعه يد تمسك بي، بل تصنعه روحي حين أدرك أنني كافية لنفسي. أن سعادتي لا تُعطى، بل أخلقها بنفسي. وأن الطمأنينة الحقيقية تُبنى من الداخل، حين أتوقف عن طلب الاعتراف الخارجي لأثبت ذاتي، وأبدأ في حبّ نفسي، بصدق، دون انتظار لتصفيق أحد. وقد صدق من قال: «من جعل سعادته بيد غيره، أعطاه الدنيا ثم انتزعها منه في لحظة» لأننا حين نُعلّق مصيرنا بمن حولنا، نصبح هشّات، عُرضة للانكسار عند أول خيبة، أو أول جفاء. كم مرة ظننتُ أن من حولي ثابتون؟ كم من صديقة أحببتُها بصدق، فإذا بها تتغير بلا سبب واضح؟ وكم من علاقة بدت راسخة، ثم انكسرت في لحظة عابرة؟ المؤلم ليس فقط الفقد، بل الأسئلة التي تُرهقني بعده: لماذا؟ كيف؟ متى؟ وكأنني إذا عرفت السبب زال الألم. لكن الحقيقة أن بعض الأمور لا تُفهم، وبعض العلاقات لا تُشرح، وبعض الأشخاص لا يجب أن أركض خلفهم بحثًا عن مبرر الغياب. السلام الحقيقي هو أن أملك شجاعة القبول. أن أقول لنفسي بثقة: «كفاني الله شرّ ما صادفني» أن أمضي دون ضجيج، وأن أدرك أن بعض الأشخاص لم يكونوا خطأً في حياتي، بل درسًا قاسيًا في التقدير الزائد. أن أتقبل أن الحياة بطبيعتها متغيرة، لا شيء يدوم فيها، وعليّ أن أُحصّن نفسي، لا أن أحاول منع التبدّل. عندما يُغلق الله بابًا في وجهي، قد لا أجد تفسيرًا. لكنني مع الوقت أدركت أن بعض الأبواب لم تكن لي من الأساس. لم أعد أُكثر من السؤال كما كنت، بل أقول لنفسي بثقة: «لعل الله صرف عني شرًّا لم أكن أراه». كم مرة تمنّيت شيئًا بكل جوارحي، ثم لم يُكتب لي؟ كم من فرصة سعيتُ إليها ثم ابتعدت عني؟ في البداية حزنتُ، ثم غضبت، ثم – مع الزمن – فهمت. ما حسبتُه خذلانًا، كان في جوهره رحمة خفية. الرضا لا يعني الاستسلام، بل هو قمة النضج والثقة بأن ما كتبه الله لي، هو الخير، حتى وإن لم يُرضِ قلبي الآن. كما قال ابن عطاء الله السكندري: «ما حُرمتِ إلا ما لم يُقدّر لكِ، وما أُعطيتِ إلا ما قُدّر لكِ». ختاما: كوني حديقتك الخاصة فالسلام الداخلي لا يُختزل في شخص أو علاقة أو وظيفة. هو قرار. قرار أتخذه كل يوم، بأن أختار نفسي، وأحبّها، وأحميها. أن أُحب بلا تملّك، وأعطي بلا انتظار، وأغادر دون مرارة. أن أفهم أن الحياة أقصر من أن أقضيها في إرضاء من لا يرون قيمتي، أو في شرح نفسي لمن لا يريد الفهم أصلًا. كوني حديقتك الخاصة. ازرعي في داخلك بذور الرضا، واسقيها بالتوكل، وأحيطيها بسياج الصمت الناضج. حينها، لن يهمّ من بقي أو من رحل، لأن عبير سلامك سيبقى معكِ، يرافقكِ حيثما كنتِ. «وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» فليكن الله كافيكِ، وليكن صمتكِ حصنكِ، ورضاكِ سلاحكِ، وحبكِ لذاتكِ أعظم سند في هذه الحياة المتقلبة.
561
| 05 أغسطس 2025
تتردد عبارة «الأخ سند» على ألسنة الكثيرين، كأنها حقيقة راسخة لا تقبل الجدل، لكنني أجد نفسي أطرح سؤالًا صريحًا: هل ما زال الأخ فعلًا كما كان في السابق؟ هل ما زال يحمل هذا المعنى العميق والدافئ الذي كنا نتربى عليه ونراه في حياة الأجداد والآباء؟ أم أن تغيّرات الزمن قد سلبت من هذه العبارة معناها الحقيقي، وأبقتها فقط مجرد كلمات نرددها دون أن نشعر بها؟ لقد كان الأخ في الزمن الماضي حصنًا منيعًا، كتفًا يُستند إليه عند الانكسار، وصوتًا يصدح بالحق حين تخفت الأصوات، أما اليوم، فكثيرًا ما أرى الأخوة وقد باتت علاقتهم شكلية، ضعيفة، تفتقر إلى الدفء والاحتواء، وكأنها واجب اجتماعي أكثر منها رابطة وجدانية. في ذاكرة الزمن الجميل، كانت الأخوة من أقوى الروابط الإنسانية، لا تعني فقط المشاركة في النسب والاسم، بل كانت تعني الشراكة في كل تفاصيل الحياة، من الأفراح إلى الأتراح، من الأحلام إلى الأزمات، كان الأخ هو الرفيق في الطريق، والحامي في الخصام، والناصح في الحيرة، بل وكان مستعدًا للتضحية دون مقابل. من لا يتذكر كيف كانت العائلات تتكافل في أبسط الأمور؟ كيف كان الأخ الأكبر يحمل عبء الأسرة، ويكون قدوة لإخوته؟ لقد كانت الأخوة تعني الانتماء، وتعني أن لك ظهرًا لا ينكسر مهما عصفت بك الأيام، كان يكفي أن تقول «أخي معي» لتشعر بالطمأنينة. لكننا لا نعيش في الأمس، بل في زمن تغيّر فيه الكثير، وأصبح من الصعب أن نجد بين الإخوة ذلك الارتباط العميق الذي عرفناه سابقًا، السبب ليس واحدًا، بل تتعدد العوامل التي أضعفت هذه الرابطة، أول ما يخطر ببالي هو تلك الوتيرة السريعة التي فرضتها الحياة العصرية، أصبح كل فرد منشغلًا بنفسه، يركض خلف العمل، والطموحات، والضغوط المالية والنفسية، حتى بات لا يملك وقتًا للجلوس مع أسرته، ناهيك عن لقاء إخوته. ولا يمكن إنكار تأثير الزواج على هذه العلاقة، فالزوجة أحيانًا، وبدون قصد، قد تصبح حاجزًا بين الأخ وأهله، خصوصًا إذا لم تكن العلاقة متوازنة تحكمها المودة والتفاهم، نرى بعض الأزواج يختارون الابتعاد عن إخوتهم لتفادي المشكلات أو إرضاء الشريك، فيخسرون بذلك رابطًا لا يُعوّض، وهناك أيضًا المال، ذلك الفتّاك الصامت، الذي كثيرًا ما يعصف بالأخوة، حين تتقاطع المصالح أو تتشابك الحقوق. أما وسائل التواصل الاجتماعي، التي يُفترض بها أن تقرّب الناس، فقد ساهمت للأسف في جعل العلاقة بين الإخوة سطحية، مقتصرة على رسائل مقتضبة أو إعجابات عابرة على منشورات، بدلًا من الحديث العميق واللقاء الحقيقي، التواصل أصبح إلكترونيًا لا إنسانيًا، وانحسر دفء اللقاءات في زحمة الرسائل والمكالمات المؤجلة. وسط هذه الصورة المتغيرة، قد يتساءل البعض: هل فقد الأخ قيمته كسند؟ أقول: ليس تمامًا. فالأخ لا يزال سندًا إذا أردنا نحن أن نحافظ على هذه الصفة فيه، لا بد أن نعيد تعريف علاقتنا بإخوتنا، ونعيد إحياء المودة القديمة التي ماتت اختناقًا بضغوط العصر، لا يجب أن ننتظر الأزمة لنمد يد المساعدة، بل ينبغي أن يكون الحضور مستمرًا، والمودة دائمة، والمبادرة دائمًا حاضرة. أحيانًا لا يحتاج الأخ منا سوى مكالمة صادقة، أو زيارة بلا مناسبة، أو سؤال بسيط يشعره أننا ما زلنا نراه جزءًا من حياتنا، لا يمكن أن نقيم علاقات أخوية حقيقية دون أن نمنحها من وقتنا وجهدنا واهتمامنا، الأخوة ليست معادلة حسابية، بل رابطة روحية تحتاج إلى تغذية دائمة. ولا بد أن نتعلم ثقافة العفو بين الإخوة، فالخلافات أمر طبيعي، لكن الخطر هو أن تتركها تكبر حتى تصبح حاجزًا دائمًا، كم من أخ وأخ انقطعت بينهما العلاقة لسنوات بسبب سوء تفاهم بسيط؟ وكم من مواقف صغيرة كبُرت لأن الكبرياء غلب على المحبة؟ لو كنا نؤمن حقًا بأن الأخ سند، لما تركنا الخلافات تسرق منا هذه النعمة. في الإسلام، الأخوة لها مكانة عظيمة، سواء كانت أخوة في الدم أو في الدين. قال النبي صلى الله عليه وسلم م: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه»، أي لا يتخلى عنه ولا يسلمه للضياع، فكيف إذًا بالأخ الحقيقي، شقيق الروح والدم؟ لقد شدد الإسلام على صلة الرحم، وعلى احترام الأخ وتقديره، وعلى حفظ الود والحقوق. لهذا، فإن العودة إلى قيمنا الدينية والإنسانية الأصيلة هي السبيل لإعادة الأخوة إلى مكانتها. ختامًا، أقول إن عبارة «الأخ سند» لا يجب أن تكون مجرد شعار نردده في المناسبات، بل ينبغي أن تكون حقيقة نحياها ونحافظ عليها، الأخوة لا تسقط بالتقادم، ولا تضعف إلا إذا أهملناها، وإذا كانت الحياة قد فرّقت بين الإخوة بالمكان أو المشاغل، فإن القلوب وحدها قادرة على أن تُبقي الرابط قويًّا إذا وُجد فيها الحب الصادق. نحن من نُقرر: إما أن نُبقي الأخوة مجرد ذكرى جميلة من الماضي، أو أن نعيد إليها رونقها في الحاضر، فالأخ الذي يسندك في أوقات الشدة، ويقف إلى جوارك حين يبتعد الجميع، هو نعمة لا تقدر بثمن، فلنتمسك بها، ونغرسها في أبنائنا، لعلنا نُعيد للمجتمع تلك الروح العائلية التي نفتقدها اليوم.
750
| 28 يوليو 2025
التسامح بالنسبة لي ليس مجرد قيمة أخلاقية عابرة، بل هو جوهر إنساني يُضفي على الشخصية بُعدًا روحيًا راقيًا، إنه الزينة التي تكتمل بها الأخلاق، والعنصر الذي يعيد التوازن إلى العلاقات، ويُصلح النفوس، ويمنح المجتمعات فرصة للاستمرار في أمان وسلام، أرى أن ما يجعل التسامح في نظري «زينة الفضائل» حقًا، هو قدرته على أن يجمع بين الحب والرحمة والعدل والغفران والعلو عن الصغائر، ليخلق من الإنسان كيانًا أرحب وأسمى. التسامح ليس ترفًا ولا ضعفًا كما يظنه البعض، بل ضرورة وجودية ومجتمعية، وعلامة نضج روحي وفكري..المتسامح لا يعني أنه مغلوب على أمره، بل هو في الواقع شخص قوي، قادر على أن يملك زمام مشاعره، ويقاوم رغبة الانتقام أو رد الأذى، ويمنح نفسه مساحة للنمو الداخلي، والمجتمع الذي يشيع فيه التسامح، هو مجتمع قادر على تجاوز خلافاته، ومهيأ لبناء مستقبل أكثر إشراقًا. لطالما آمنت أن التسامح هو خيار الشجعان، أن تسامح يعني أنك اخترت طريق النور بدلًا من الظلام، وأنك فضّلت أن تبني جسورًا نحو الآخرين بدلًا من أن ترفع جدرانًا في وجوههم، المتسامح إنسان صاحب قلب نقي وشجاعة حقيقية، لأن العفو يحتاج إلى قوة داخلية تفوق رغبة اللوم والقصاص. من واقع تجربتي، أدركت أن للتسامح أشكالًا متعددة، تبدأ بالتسامح الفكري، حين نمنح الآخر حق الاختلاف، ونقبل بأن يكون له رأي لا يشبه رأينا، في التسامح الفكري يتحقق المعنى الحقيقي للحوار، وتُصان قيمة التنوع، ويصبح المجتمع أكثر نضجًا وانفتاحًا، الاختلاف في الرأي لا يهدد قناعاتنا، بل يمنحنا فرصة لاختبارها وتطويرها،÷ لذلك، كل نقاش حر هو خطوة نحو التقدم، وكل عقل متسامح هو لبنة في بناء مجتمع متوازن. أما التسامح الديني، فأراه من أرقى صور الرحمة الإنسانية، أن نؤمن بأن الأديان جميعها تدعو للخير، وأن التعددية سنة من سنن الله في خلقه، هو إدراك لا يحتاج إلى تنازل عن العقيدة، بل إلى احترام قناعات الآخرين. الإسلام نفسه قدّم لنا أسمى صور التسامح، حين قال تعالى: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ»، و*»لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»*، فالدين لا يُفرض بالقوة، بل يُحتضن بالقناعة والمحبة. وإذا انتقلنا إلى المعاملات اليومية، سنجد أن التسامح فيها يسهّل الحياة، ويقلل من الاحتكاكات والنزاعات. التسامح في البيع والشراء، وفي العلاقات الأسرية، وفي العمل، ومع الأصدقاء، هو ما يجعل الحياة أكثر سلاسة وأقل توترًا، وقد عبّر النبي صلي الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى». التسامح هنا ليس مجرد سلوك، بل عبادة تُقرّبنا من الله وتُريح أرواحنا. لكنني أجد أن أعظم أشكال التسامح، وأكثرها صعوبة، هو التسامح مع النفس. كم مرة حمّلنا أنفسنا ما لا تطيق؟ كم مرة جلَدنا ذاتنا على خطأ مضى، أو قرار لم يُثمر؟ أعترف أنني كثيرًا ما كنت قاسيًا على نفسي، وكنت أظن أن اللوم المستمر هو الطريق للإصلاح، لكنني مع الوقت أدركت أن التسامح مع النفس ليس ضعفًا ولا هروبًا، بل شفاء حقيقي، وبداية جديدة، لا يمكن أن نُسامح الآخرين بصدق، ونحن نحمل في دواخلنا ألمًا غير معالَج من ذواتنا. التسامح مع النفس يبدأ بالاعتراف دون قسوة، بفهم أن كل خطأ يحمل درسًا، وأن كل تجربة تُشكّلنا بطريقة أو بأخرى، لقد تعلّمت أن أتوقّف عن مقارنة بدايتي بمنتصف طريق الآخرين، وأن أقول لنفسي في كل محاولة: «أنت تحاول، وهذا كافٍ»، هذا الحديث الداخلي الإيجابي ليس شعارًا، بل دواء نفسي، ومفتاح للثقة بالنفس. ومن هنا، أقول بيقين: نعم، نحن بحاجة ماسة للتسامح مع أنفسنا. لأجل السلام الداخلي، لأن العقل لا يهدأ والقلب مُثقَل باللوم، ولأجل التقدّم، فالتعلم لا يحدث في ظل جلد الذات، ولأجل الاتزان العاطفي، لأن من يُسامح نفسه، يتصالح مع من حوله، ويعيش بعاطفة متزنة غير متوترة. ويكفي أن ننظر إلى القرآن الكريم لنُدرك كم دعا الإسلام إلى التسامح والعفو، فها هو يقول: «وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا * أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ»، وفي أروع مشهد قرآني، يُجسّد نبي الله يوسف عليه السلام التسامح المطلق حين يقول لإخوته الذين ظلموه: «لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ * يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ»، وهكذا يعلّمنا القرآن أن القوة ليست في الانتقام، بل في العفو. فلماذا نحتاج إلى التسامح؟ لأننا نتوق إلى المحبة الحقيقية، ونبحث عن السلام، ونرغب في أن نعيش دون أعباء الماضي المؤلم، التسامح يمنحنا حرية من الذكريات السلبية، ويخلّصنا من الحقد، ويقرّبنا من الطمأنينة النفسية، هو الخطوة الأولى نحو راحة لا تُشترى، بل تُبنى بالتسامح، وبالإيمان، وبالنية الطيبة. حين نسامح، نحن لا نغيّر الماضي، لكننا نختار الحاضر، ونمنح أنفسنا أملًا جديدًا في المستقبل، التسامح لا يُحرر من نُسامحه فقط، بل يحررنا نحن أولًا، هو البذرة التي تُثمر سلامًا، والنور الذي يُضيء عتمة القلوب، هو رسالة حياة، وعهد نُجدد به إنسانيتنا كل يوم. ولعل أجمل ما يمكن أن نبدأ به، هو أن نسامح أنفسنا أولًا، ثم الآخرين. فالحياة أقصر من أن نضيعها في الحقد والغضب. ولعلّ في كلمة واحدة تختصر كل المعنى: فلنكن متسامحين، نصنع عالمًا أرحم، وأجمل، وأقرب إلى الله.
711
| 14 يوليو 2025
هناك شعورٌ لا يوصف ينتابك عندما تبدأ في إدراك أنك تنضج فكريًا، لحظة يتغيّر فيها طعم الحياة داخلك، ليس لأنها تغيّرت من الخارج، بل لأنك أصبحت تراها من زاوية أعمق، النضج الفكري ليس أمرًا بيولوجيًا مرتبطًا بالعمر، بل هو ثمرة تجارب ووعي، تتفتح فيك حين تبدأ بفهم الناس والأحداث من غير مبالغة، وتُدرك أن راحة بالك أغلى من كل انفعالات العالم. لقد قيل في الحكمة: «من عرف نفسه استراح»، وهذا جوهر النضج، أن تعرف من أنت، وماذا تريد، وما الذي يستحق أن تهتم به، وما الذي لا يستحق لحظة من قلقك أو غضبك. في بداياتنا، نكون مثل صفحات بيضاء، نكتب فيها أولى الكلمات بأيدٍ مرتجفة، نصدّق كل وعود البشر، وننتظرهم كما ننتظر الشمس في برد الشتاء، لكن النضج يعلمك أن الوعود لا تُطعم القلب إن لم تُترجم أفعالًا، وأن الغياب أحيانًا ليس خيانة، بل سنة حياة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان» رواه مسلم، هذا الحديث الشريف يُعلّمنا أن التركيز على ما يفيدك هو الأساس، وأن لا تُعلّق قلبك بما لا تملكه، ولا تُبالغ في انتظار من لا يأتي. من كان منّا لم يمرّ بلحظاتٍ شعر فيها أن الحياة تنهار لأجل كلمة، أو علاقة، أو فرصة ضائعة؟ ثم بعد شهور، وربما سنوات، نظر خلفه وابتسم قائلًا: «كم كنت ساذجًا!». هذا هو النضج... أن تتوقف عن تحويل كل عثرة إلى كارثة، وكل كلمة إلى طعنة، وكل خلاف إلى نهاية. يخلط البعض بين النضج والجمود، بين الاتزان وفقدان الشغف، لكن الحقيقة أن النضج هو ترتيب الأولويات، لا إلغاء المشاعر، أن تعرف متى تُعبّر، ومتى تصمت، ومتى تمشي دون أن تلتفت، ومتى تُبقي بابك مغلقًا، ليس لأنك قاسٍ، بل لأنك أذكى من أن تُهدر طاقتك. قيل في الأثر: «من سكت سلم، ومن نظر اعتبر، ومن اعتبر علم، ومن علم عمل». وهذا هو المسار الطبيعي للنضج؛ يبدأ بالصمت، ويمرّ بالتمعّن، ويثمر في الفهم، ثم ينعكس في أفعالك. حين تنضج، تدرك أن السكينة لا تُشترى، بل تُنتزع باختياراتك، تختار أن لا تدخل معارك لا معنى لها، أن لا تُرهق نفسك بمحاولة إثبات ذاتك، أن لا تُضيّع عمرك في تبرير قراراتك لكل من يسألك «لماذا؟». قال الإمام الشافعي: «رضا الناس غاية لا تُدرك، ورضا الله غاية لا تُترك، فاترك ما لا يُدرك، واهتم بما لا يُترك». هذه القناعة وحدها تُوفّر لك نصف استقرارك النفسي، وتمنحك راحة لا يفهمها إلا من جرّب مطاردة القبول، ثم اكتشف عبثيته. من علامات النضج أن تتوقف عن حمل الأحقاد، ليس لأنك ضعيف، بل لأنك أكبر من أن تحمل أعباء الماضي على ظهرك، تعلم أنك حين تغفر، لا تُبيّض وجه من أساء، بل تُنظّف قلبك أنت من السواد. جاء في القرآن: «وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ» [النور: 22] وما النضج إلا أن تطبق هذه الآية، لا بالكلام، بل بالفعل، حين تواجه الإساءة بالتسامح، وتُدرك أن الحقد لا يطفئ نار الألم، بل يؤججها. ختاما: النضج الفكري لا يُقاس بعدد التجارب فقط، بل بكيفية فهمك لها، قد تمرّ بالعشرات من العلاقات، المواقف، الأزمات، لكنك لا تنضج إلا حين تتأمل، وتحلل، وتستخلص الحكمة. الناضج لا يخاف الوحدة، لأنه يعرف نفسه، لا يستجدي الحب، لأنه يؤمن بأن ما كُتب له سيأتي. لا يهتز لكل نقد، لأنه واثق من نواياه. إن النضج ليس هبة، بل قرار، قرارك أنت بأن تعيش بهدوء، أن تتوقف عن الانفعال، وأن تبدأ في رؤية الحياة بعينٍ أكثر رحمة، لا فقط للآخرين، بل لنفسك أولًا. النضج ليس أن تعيش طويلًا، بل أن تعيش بوعي، أن تفهم أن كل لحظة سلام هي نصر، وأن كل مرّة تتجاوز فيها غضبك، أو تتجاهل استفزازًا، أو تسامح جرحًا، فأنت ترتقي درجة جديدة في سلّم النضج. النضج ليس أن تصبح كبيرًا في السن، بل أن تصبح كبيرًا في الفهم، وما أعظم أن تصل إلى تلك المرحلة التي تقول فيها: «أنا بخير... رغم كل شيء».
609
| 07 يوليو 2025
ما حدث يستحق أن يُسطر بأحرف من ذهب، فكل من يحب هذا الوطن يجد نفسه مدفوعًا للكتابة عن قطر، حبًا ووفاءً. ما شهدناه لم يكن مجرد حدث عابر، بل كان اختبارًا عميقًا لمعدن هذا الشعب الأصيل، ولحكمة قيادته الرشيدة، ولتماسك البيت القطري حين تعصف الأزمات. في صباح حافل بالتساؤلات، تناقلت وكالات الأنباء خبر الضربة الصاروخية التي استهدفت قاعدة "العديد" الجوية. في عالم يموج بالأحداث، قد تمر بعض الأخبار مرور الكرام، لكن في وطن مثل قطر، حيث الأمن ليس مجرد شعور بل عقيدة راسخة، كان لهذا الحدث وقع خاص، وجعلنا نقف جميعًا – مواطنين ومقيمين – لحظة صمت وتأمل. لكن الصدمة لم تستمر طويلاً. فما لبثت القيادة القطرية، ممثلة في حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، أن واجهت الموقف بأقصى درجات الشفافية والهدوء. لم تُخفِ الحقيقة، ولم تداهنها، بل قدمت المعلومات في وقتها، وبكل وضوح، في بيان رسمي مُطمئن، جعلنا نُدرك أن القيادة لا تحكم فقط، بل تُحب وتحتضن وتُصارح. لقد كانت تلك الشفافية أشبه بجدار حماية نفسي قبل أن تكون ردًا إعلاميًا. شفافية تُشعرك بأنك لست مجرد رقم في إحصاء، بل أنت جزء أصيل من القرار، من المسؤولية، من الوطن. وما أروع هذا الشعب حين يُختبر! فقد أثبت المواطن القطري – بل كل من يعيش على هذه الأرض الطيبة – أن الالتزام لا يحتاج إلى أوامر، وأن الثقة في القيادة ليست شعارًا مكررًا بل سلوك يومي. ما إن صدرت التحذيرات والإرشادات من الجهات الرسمية، حتى استجاب الجميع، بهدوءٍ يعكس وعيًا راسخًا، وبتعاونٍ جسّد معاني الوطنية الحقة. لم تسجل الأجهزة الأمنية أي حالة هلع أو فوضى، لم نرَ الأسواق تكتظ بالمذعورين، ولا الشوارع تعج بالمواطنين والمقيمين. بل رأينا قطر كما عرفناها: متماسكة، حكيمة، تنبض بالثقة والإيمان. رأينا الكبار يُطمئنون الصغار، ورأينا الآباء يشرحون لأبنائهم دروسًا في الوطنية، ورأينا الأمهات يُرددن أدعية الحفظ لقطر وأميرها وأهلها. ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي، فكانت كأنها مرآة الحب القطري. لم تكن مساحة للشائعات أو الفتن كما يحدث في بعض المجتمعات، بل تحولت إلى منصات للدعاء، والتضامن، والتأكيد على الولاء، وتداول رسائل الثقة والاطمئنان. تصدرت الوسوم التي تدعو لحفظ الوطن قائمة التفاعلات، وتناقل الناس كلمات دعم للقيادة، وصورًا لسمو الأمير وهو يقف شامخًا، يرمز للأمان والإصرار في عيون شعبه. بل إن بعض المستخدمين لم يكتفِ بالدعاء فقط، بل كتب قصائد، وصمم صورًا وطنية، وسجل مقاطع تُعبر عن التكاتف. وكأن كل هاتف نطق بحب قطر، وكل حساب على مواقع التواصل أصبح لسانًا وطنيًا يُردد: "قطر بخير، وأميرنا خير، ونحن كلنا معها". كان الحدث عابرًا، لكن دلالاته ستظل في القلب والعقل طويلًا. لقد كشف عن معادلة نادرة: قيادة شفافة حكيمة، وشعب واعٍ ملتزم، وإعلام مسؤول. وبهذا تكتمل أركان دولة تستحق أن نُحبها حتى النخاع. قد يسأل سائل: ما الذي يجعل الإنسان يُحب وطنه بهذا الشكل؟ والإجابة ببساطة: لأنه يشعر بالأمان فيه. لأنه يعرف أن وراء كل قرار حكمة، وأن كل لحظة خطر تُقابلها لحظة حنان من القيادة، وأن كل تحدٍّ يُقابَل بالتفاف وطني شامل، لا يُقصي أحدًا، بل يجمع الكل في حضن الوطن. ما أحلى حب الوطن حين يكون حبًا ناضجًا، لا تهزّه العواصف، ولا تُفرغه المصائب من مضمونه. ما أحلاه حين يكون مبنيًا على الثقة والمعرفة، لا على الشعارات الجوفاء. وما أحلى قطر، حين تكتب تاريخها بحبر من الشجاعة والشفافية، لا بالحجب أو الخوف. في النهاية، لم تكن الضربة التي وقعت على قاعدة العديد حدثًا أمنيًا فحسب، بل كانت اختبارًا وطنيًا اجتزناه جميعًا بامتياز. وعرفنا أن قوتنا ليست فقط في تحالفاتنا ولا في قواعدنا، بل في قلوبنا التي تنبض بحب هذا الوطن، وفي حكمة قيادتنا التي لا تُدار إلا بالصدق، وفي وحدتنا التي لا تعرف انقسامًا. قطر بخير، لأنها بلد تُحب أبناءها، ويُحبها أبناؤها. وما أحلى حب الوطن، حين يكون اسمه قطر.
1074
| 02 يوليو 2025
في كل مرة نسمع فيها المثل الشهير: «لا تُرمى إلا الشجرة المثمرة»، يمر أمام أعيننا شريط طويل من مواقف مررنا بها، أو شهدناها، أو حتى سمعنا عنها، شريط من الألم الصامت الذي يتسلل إلى قلوب أولئك الذين لم يبخلوا يومًا بعطائهم، ولم يترددوا لحظة في أن يكونوا نورًا في عتمة الآخرين ، وبدلًا من الامتنان، يجدون أنفسهم هدفًا للنقد، أو عُرضة للنسيان، أو ضحايا للتهميش، والسؤال الجوهري يبقى: لماذا نرمي من يمنح؟ لماذا لا نُنصف من أعطى؟ الإنسان المثمر، أيًّا كان مجاله، يصبح في مجتمعاتنا محل جدل لا ينتهي، البعض ينظر إليه بريبة، والبعض الآخر يغار من حضوره، والقليل فقط من يفرح بإنجازاته. يقولون: «النجاح له أعداء أكثر من الفشل»، وهذه مقولة واقعية تمامًا، الغيرة تنمو بهدوء، لكنها تتحول إلى أداة هدم حين تتحالف مع اللسان السليط والعقل الكسول، ليس بالضرورة أن يكون الحاسد عدوًّا؛ أحيانًا يكون زميلًا، جارًا، أو حتى صديقًا، لكنه لا يحتمل أن يرى أحدًا يتفوق، لأنه لا يرى في النجاح فرصة للإلهام، بل مرآةً تعكس عجزه. هذا الحسد لا يصرّح بنفسه، بل يتخفى في نقد «موضوعي»، أو استهزاء «ساخر»، أو تهميش متعمد، وهكذا، تُرجم الشجرة بالحجارة، ويُخذل من بذل. الشخص المثمر غالبًا ما يزعج الآخرين دون أن يقصد، لأنه يكشف – دون كلام – عجزهم عن التحرك، من يقدم فكرة، أو يقترح إصلاحًا، أو يقود مشروعًا ناجحًا، إنما يهدد الوضع القائم، ويهز قناعاتهم بأن «كل شيء تمام»، ولذلك، يواجهه البعض ليس لأنه أخطأ، بل لأنه نجح! نعم، كثيرون يخافون من التغيير، لأنهم ارتاحوا في مستنقع الرتابة، ولذا، بدلًا من اللحاق بالمبادر، يفضلون جره للأسفل، إنها فلسفة خفية تقول: «دعنا نفشل جميعًا، بدلاً من أن ينجح أحدنا ويحرج البقية.» من أصعب المشاهد أن ترى من أعطى وتفانى، وقد أصبح منسيًّا، لا يُسأل عنه أحد، لا يُحتفى به أحد، بل قد يُنتقد حين يطلب حقه أو يتحدث عن تعبه، وكأن العطاء المطلوب منه لا نهاية له، ولا مقابل له سوى الصمت والرضا! يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ‹وقليلٌ من عباديَ الشكور›، فالشكر ليس مجرد لفظ، بل هو قيمة إنسانية رفيعة، وفضيلة لا تُكتسب إلا بالتربية الواعية والمواقف التي تختبر النفوس. فالشاكرون حقًا قلّة، لأن الامتنان في جوهره رؤية متعمقة للنعمة، واعتراف صادق بمن أسدى الجميل.» تخيل مجتمعًا يحتفي بكل من يبذل، كل موظف يعطي يحظى بكلمة شكر، كل طبيب يراعي ضميره يجد من يصفق له، كل كاتب أو معلم أو مزارع أو عامل يُعامل باحترام... كيف سيبدو هذا المجتمع؟ لن يتحول فقط إلى بيئة صحية نفسيًّا، بل سيتضاعف الإنتاج، وسينمو الإبداع، وسيندثر الإحباط، الدعم لا يعني دائمًا مالًا، بل أحيانًا يكفي أن يشعر المعطاء أن هناك من يراه، ويقدّره، ويقف في صفه. النبي صلى الله عليه وسلم أقام دولة الإسلام على أساس من الحكمة وتقدير الطاقات، فعلى سبيل المثال ، اختار بلال بن رباح مؤذنًا لما لصوته من وقعٍ مميز في النفوس، وأسند إلى زيد بن ثابت مهمة تعلّم اللغات لما لمس فيه من ذكاء وقدرة على التحصيل، وولّى خالد بن الوليد قيادة الجيوش لما امتاز به من مهارة عسكرية وبراعة في التخطيط، كان النبي يرى في كل فرد ما يميّزه، ويضعه في مكانه المناسب، فاحتضن الكفاءات، وأعطاها الثقة والمسؤولية، فبذلوا في سبيل الرسالة كل ما يملكون حبًا واقتناعًا. والسؤال هنا «كيف نحمي الشجرة من الحجارة؟، لنكن واقعيين: لن يتوقف الحاسدون، ولن يصمت الهادمون ، لكننا نستطيع أن نمنح الشجرة المثمرة جدارًا من الدعم، على الشخص المعطاء أن يعرف قيمته، لا ينتظر تصفيقًا من الجميع، ولا يجعل نقدهم عائقًا، عليه أن يتذكر أنه يعطي لأن ذلك جزء من رسالته، لا من أجل الإعجاب فقط، ولينتبه إلى أصوات الحق من حوله، هناك من يقدر، من يساند، من يصمت لكنه يرى، وليكن هذا دافعًا للاستمرار. شجعوا المبادرات، ولو بالكلمة، لا تهدموا حماس من بدأ الطريق، فقط لأنه مختلف عنكم. الحياة ليست سباقًا، بل بناء جماعي، وكل لبنة تستحق الاحترام. ختامًا.. في هذا العالم المظلم، كل شخص يعطي هو بمثابة شمعة، فلا تطفئوها، بل ساعدوها أن تضيء أكثر، لأننا يومًا ما، سنحتاج إلى دفئها. ولنتذكر دائمًا: أن رمي الشجرة المثمرة بالحجارة لا يُسقطها، لكنه يكشف من رماها، فاختر أن تكون من الساقين لا من الرامين، من الساندين لا من القاصفين، من المشجعين لا من المطفئين. في النهاية، كن أنت الشجرة، وكن أيضًا من يسقي الشجرة، فبهذا فقط، نحصد وطنًا مزدهرًا، وإنسانية أكثر عدلًا.
417
| 24 يونيو 2025
تمرّ على الأمة الإسلامية مواسم للطاعات، تحمل في طياتها فرصًا عظيمة لتزكية النفس والتقرب إلى الله، ومن أعظم هذه المواسم العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، التي أقسم الله بها في كتابه الكريم: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2]، دلالة على عظيم فضلها ورفعة منزلتها. وفي كل عام، ومع اقتراب هذا الشهر العظيم، تتجه أنظار المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى مكة المكرمة، حيث يؤدي الحجاج مناسكهم في مشهد إيماني مهيب. ولكن بعيدًا عن مشهد الحجيج، فإن العشر الأوائل من ذي الحجة لا تقل أهمية لغير الحاج، فهي أيام عظيمة أقسم الله بها، مما يدل على علوّ قدرها ورفعة مكانتها. في هذه الأيام المباركة، تتهيأ القلوب لتوبة صادقة، وتنشط النفوس في ميادين الطاعة، ويجد المؤمن في كل يوم منها فرصة لتطهير روحه من أدران الغفلة والذنوب. إنها ليست فقط فرصة لجمع الحسنات، بل هي أيضًا فرصة نادرة للتطهر من الذنوب والآثام التي أثقلت أرواحنا على مدار العام. العشر الأوائل من ذي الحجة هي أفضل أيام الدنيا، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، "ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيام"، يعني: العشر [رواه البخاري]. تجتمع فيها أعظم العبادات: الصلاة، الصيام، الصدقة، الذكر، والحج. وتطهير النفس لا يقتصر على ترك الذنوب الظاهرة فقط، بل يشمل مشروعًا إيمانيًا متكاملًا، يبدأ من أعماق القلب ويمتد إلى السلوك والمعاملة. فأول ما ينبغي تطهيره هو القلب من الحسد، ذلك الداء القاتل الذي يُفسد الإيمان ويأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. ولعلاج الحسد، علينا بالإكثار من الاستغفار، والرضا بقضاء الله، والتأمل في نعمه علينا. ثم يأتي الحقد، وهو نار خفية تحرق العلاقات وتؤجج الخلافات. لقد علّمني ديني أن العفو سبيل الشرف، وأن التسامح قوة لا ضعف، وقد قال الله تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا}. وإنني أحب أن أمد يدي لمن خاصمني، وأدعو كل من يحمل في قلبه غلًّا أن يسامح قبل فوات الأوان. أما الظلم، فهو من أعظم الكبائر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة". في هذه الأيام المباركة، تعلو الأصوات بالدعاء، وتُرفع الأكفّ إلى السماء من قلوب مكسورة، وأرواح أنهكها الظلم، تتوجه إلى الله وحده، القادر العادل، في العشر الأوائل من ذي الحجة، تشكو قلة الحيلة وضعف النفس، وتناجيه: "يا رب، أنت حسبي، وأنت نصيري، خذ لي حقي ممن ظلمني". فيا من تظلم، ويا من تجحد المعروف، ويا من تتقوّى على الناس بسلطانك أو مالك أو منصبك أو لسانك، أما تخاف من دعوة مظلوم تصادف ساعة استجابة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب" [رواه البخاري ومسلم]. كيف تستطيع أن تنام مرتاحًا، وقد جُرح فلان بسببك؟ كيف تهنأ وأنت تعلم أنك أسأت لفلان، وأخذت حقه، أو بهتّه، أو ظلمته في عرضه أو رزقه أو مكانته؟ أين الخوف من الله؟ وأين حساب الآخرة؟ وأين احترام حرمة هذه الأيام المباركة؟ تذكّر أن الأيام دُوَل، والقلوب بين يدي الله، وأن ما تزرعه اليوم من ظلم، قد تحصده غدًا في صحتك، أو رزقك، أو أحبّتك، أو في نفسك. تذكّر أن من ظلمته قد يكون أقرب إلى الله منك، وأكثر صدقًا، وأن دعوته قد تقلب موازين حياتك. فإن كنت ظلمت أحدًا، أو آذيته، أو استغبت، أو بهتّ، فهذه الأيام المباركة فرصتك: ارجع إلى الله بتوبة صادقة. ردّ الحقوق إلى أصحابها، اعتذر بصدق، واطلب السماح. وتذكّر أن ما عند الله لا يُنال بالظلم، بل بالعدل والإحسان. من المؤسف أن يظن البعض أن فضل هذه الأيام مقصور على الحجاج فقط. كلا، فغير الحاج أمامه أبواب واسعة من الخير: الصيام، خاصة يوم عرفة، والتكبير والتهليل، والصدقة، وصلة الأرحام، وتلاوة القرآن، بل وحتى الكلمة الطيبة والبشاشة في وجه الناس. هذه الأيام، يكثر فيها الذاكرون، والمتصدقون، والمستغفرون، ولكن هناك من هو في ركن بعيد، لا يملك لا مالًا ولا لسانًا، ولا نصيرًا... يملك فقط دمعة صادقة، ودعوة تنطلق من قلب منكسر، يرفع يديه في ليل عرفة، أو فجر يوم مبارك، ويقول: "اللهم إنهم آلموني، وظلموني، فأنصفني يا أعدل العادلين". إنني أحب هذه الأيام لأنها تعيد إليَّ صفاء القلب ونقاء النية، وتمنحني فرصة لأكون إنسانًا أفضل، وأؤمن بأن من يغتنمها، سيكون بإذن الله من الفائزين في الدنيا والآخرة. في هذه الأيام، نحن أحوج ما نكون لقلوب نقية، وضمائر حية، وتوبة نصوح. اتقوا الله في عباده، وراقبوا خالقكم، قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه ندم، ولا يُقبل فيه اعتذار. فالمظلوم قد سلّم أمره لله، والدعاء سهام الليل لا تخطئ، وإن تأخر وقتها. اللهم طهر قلوبنا من الحسد والغل والحقد والظلم، واغفر لنا تقصيرنا، واجعلنا ممن يُنصف لا يظلم، ويعفو لا يؤذي، ويخشاك في كل حال. اللهم وفقنا في هذه الأيام المباركة لعملٍ ترضى به عنا، وبلغناها ونحن في أحسن حال، واجعلنا من عتقائك من النار.
573
| 03 يونيو 2025
في ظل الحراك الثقافي النشط الذي تعيشه دولة قطر، تُطل الدوحة خلال الشهر الجاري، بالدورة الرابعة والثلاثين من معرضها الدولي للكتاب، والذي يُقام هذا العام تحت شعار «من النقش إلى الكتابة»، خلال الفترة من 8 إلى 17 مايو، ليؤكد مجددًا أن العاصمة القطرية ليست فقط مركزًا اقتصاديًا وسياسيًا، بل هي أيضًا حاضنة فكرية وثقافية ذات إشعاع إقليمي ودولي. هذا الحدث الثقافي البارز يتجاوز حدود كونه مجرد معرض لبيع الكتب، ليُمثل مشروعًا حضاريًا متكاملاً، ومنصة عالمية تجمع المثقفين والمفكرين والناشرين من مختلف أنحاء العالم، في تظاهرة تحتفي بالمعرفة، وتُعزز الحوار بين الثقافات، وتُكرس دور القراءة كقيمة إنسانية وتنموية أساسية. ويشهد المعرض في دورته الرابعة والثلاثين مشاركة غير مسبوقة، حيث يضم 522 دار نشر من 43 دولة، من بينها ولأول مرة دور نشر من الولايات المتحدة وبريطانيا، مما يعكس انفتاح المعرض على الثقافات العالمية وتأكيده على البُعد الكوني للمعرفة، هذه المشاركة الواسعة تترجم التزام قطر بدعم صناعة النشر على المستوى الدولي، وحرصها على بناء جسور ثقافية تتخطى الحدود الجغرافية والسياسية. ومن أبرز ملامح هذه الدورة اختيار دولة فلسطين ضيف شرف للمعرض، في خطوة تحمل دلالات عميقة تتجاوز الجانب الثقافي، لتُعبّر عن موقف سياسي وإنساني ثابت تتبناه قطر في دعم القضية الفلسطينية على مختلف المستويات، وتشارك 11 دار نشر فلسطينية، تقدم خلالها الإنتاج الأدبي والفكري المقاوم، الذي يُجسد صمود الهوية الثقافية في وجه الاحتلال الاسرائيلي، ويُبرز الأدب الفلسطيني كأحد أوجه النضال المشروع. كل هذا يُجسد اهتمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، بالمعرفة والثقافة دعامة أساسية للنهضة القطرية الحديثة، كما يبرز دعم سمو الأمير في الرؤية الشاملة التي تتبناها الدولة لتكريس الثقافة كقوة ناعمة، من خلال دعم مؤسسات كبرى كمكتبة قطر الوطنية، وتشجيع تنظيم فعاليات دولية تُعلي من شأن الكتاب والكلمة. وفي إطار دعمها المستمر لصناعة الكتاب، أطلقت وزارة الثقافة «جائزة معرض الدوحة الدولي للكتاب للناشرين والمؤلفين»، والتي تهدف إلى تشجيع الإبداع الأدبي، وتحفيز الكُتّاب والناشرين محليًا ودوليًا، لاسيما في مجال أدب الطفل، هذه المبادرة تُعبر عن رؤية قطر الاستراتيجية لبناء مجتمع قائم على الابتكار والمعرفة، وإدراكها لأهمية الأدب في تشكيل الوعي الإنساني منذ الصغر. كما يشهد المعرض مجموعة متنوعة من الفعاليات الثقافية والفنية، تشمل ندوات فكرية يشارك فيها نخبة من المفكرين والكُتاب العرب والعالميين، إلى جانب ورش عمل تفاعلية للأطفال واليافعين، ومساحات مخصصة لأدب الطفل، ما يؤكد تركيز المعرض على نشر ثقافة القراءة بين الأجيال الجديدة، وتوفير بيئة محفزة للتفكير والإبداع. ختامًا. يُعد معرض الدوحة الدولي للكتاب شاهدًا حيًا على التحولات الثقافية التي تقودها قطر بإرادة سياسية وثقافية راسخة، إنه ليس مجرد فعالية موسمية، بل مشروع وطني وإنساني يعكس التزام الدولة ببناء مجتمع معرفي مستدام، منفتح على العالم، ومُخلص لقضاياه العادلة. ومن خلال ما يقدمه المعرض من فرص للتفاعل الثقافي، ودعمه لحرية التعبير، وتشجيعه للأدب المقاوم، يؤكد أن المعرفة ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية في مواجهة التحديات، وأن الثقافة الحقيقية هي تلك التي تُبنى بالحوار.
843
| 12 مايو 2025
في مشهد يفيض بالقيم الإنسانية ويعكس الرؤية المتبصرة لقيادة دولة قطر، أعلن حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، عن إطلاق جائزة روضة للتميز في العمل الاجتماعي، وتأتي هذه المبادرة النبيلة لتتوج مسيرة طويلة من الجهود الوطنية في تعزيز ثقافة العمل الإجتماعي، وتجسد التزام الدولة بتقدير كل من يساهم في بناء مجتمع متماسك، يضع الإنسان في قلب اهتماماته. منذ تولي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى مقاليد الحكم، أثبت سموه أن الإنسان هو جوهر التنمية، وأن العمل الاجتماعي ليس نشاطاً ثانوياً، بل ركيزة من ركائز النهضة الشاملة، وقد برزت هذه القناعة جلية في العديد من المبادرات التي شهدتها قطر خلال السنوات الماضية، والتي هدفت إلى دعم الفئات الأكثر احتياجاً، وتوفير بيئة حاضنة للعمل التطوعي، وتشجيع المشاركة المجتمعية الفاعلة في مختلف الميادين. وتُعد جائزة روضة للتميز في العمل الاجتماعي امتداداً طبيعياً لهذا النهج الإنساني الرائد، حيث تهدف إلى تكريم الأفراد والمؤسسات التي تقدم إسهامات استثنائية في خدمة المجتمع، سواء من خلال المبادرات الخيرية، أو البرامج التعليمية، أو المشاريع التنموية التي تسعى إلى تمكين الفئات الهشة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز روح التضامن بين أفراد المجتمع. إن هذه الجائزة لا تقتصر على كونها وساماً شرفياً يُعلق على صدور المتميزين، بل هي رسالة سامية تُخاطب وجدان كل فرد، وتحثه على الإيمان بقيمة العمل الاجتماعي، وعلى الانخراط فيه بروح مخلصة وإرادة صادقة، فالتكريم في هذا السياق ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لإشعال الحماسة، وبث الأمل، وإعلاء شأن كل من يسعى إلى خدمة وطنه ومجتمعه بصدق. ومن منظور أشمل، فإن إطلاق الجائزة يعكس سعي دولة قطر الحثيث إلى تحقيق محاور رؤية قطر الوطنية 2030، التي وضعت التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية في طليعة أولوياتها، وتأتي الجائزة لتلعب دوراً محورياً في تفعيل البعد الاجتماعي للرؤية، من خلال ترسيخ ثقافة التطوع، ودعم المبادرات المجتمعية المبدعة، وتشجيع الحلول المستدامة للمشكلات الاجتماعية. إن أهمية هذه الجائزة تكمن كذلك في قدرتها على تسليط الضوء على النماذج الملهمة التي تعمل في صمت بعيداً عن الأضواء، وتبذل جهوداً جبارة في خدمة الآخرين دون انتظار مقابل. فهؤلاء هم أبطال الظل، الذين يستحقون أن يُرفع عنهم الستار، ويُحتفى بعطائهم ليكونوا مصدر إلهام للأجيال القادمة. من وجهة نظري، تمثل جائزة روضة فرصة ذهبية لتحفيز أفراد المجتمع بمختلف فئاته على الانخراط في العمل الاجتماعي، كما تمنح المؤسسات والجمعيات الأهلية دفعة قوية نحو مزيد من التميز والابتكار في مشاريعها، إنها دعوة مفتوحة لكل من يؤمن بأن العطاء هو السبيل لبناء مجتمع قوي ومتماسك، قادر على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية المستدامة. ولا شك أن هذه المبادرة تنسجم مع السمات الأصيلة للمجتمع القطري، الذي لطالما عُرف بروح الكرم، والتكافل، والإيثار. فهي تعيد الاعتبار للقيم الإنسانية العريقة، وتُعيد توجيه البوصلة نحو الإنسان باعتباره محور التنمية، وهدفها الأسمى. في الختام، يمكن القول إن جائزة روضة للتميز في العمل الاجتماعي تمثل نقلة نوعية في مسار العمل الإنساني في قطر، وتجسد رؤية حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في بناء مجتمع متوازن يحقق التنمية بعدالة وشمول. إنها ليست مجرد جائزة، بل عهد جديد مع الإنسان، ورسالة خالدة بأن المجتمعات تُبنى بالعطاء، وتنهض حين يحتفي أبناؤها بمن يزرعون الخير في دروب الآخرين.
903
| 02 مايو 2025
يا موطنَ العزّ والمجدِ العريق في حبّك القلبُ يزدانُ ويُفيق أنتَ الحياةُ ونبضُ الوفاءِ لكَ الولاءُ والهوى العميقُ تتجلى هذه الأبيات في قلوب أبناء دولة قطر في كل عام وهم يحتفلون بيومهم الوطني، ذلك اليوم الذي يُعيد شحذ مشاعر الانتماء والولاء للوطن، ويُبرز الهوية الوطنية الراسخة التي تربط الحاضر بالماضي وتؤسس للمستقبل. يُعدّ اليوم الوطني لدولة قطر، الذي يُصادف 18 ديسمبر من كل عام، مناسبة وطنية غالية تعكس وحدة الشعب القطري واعتزازه بتاريخ وطنه وإنجازاته. يحمل اليوم الوطني في قطر أبعادًا معنوية ووطنية عظيمة، فهو يخلّد ذكرى تأسيس الدولة على يد المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني في عام 1878م، الذي أرسى دعائم الاستقلال والوحدة. يتجدد في هذا اليوم الشعور بالفخر الوطني وتعزيز الروابط بين أبناء الوطن، إذ يلتفون حول راية واحدة ترمز إلى هويتهم وتاريخهم العريق. تُقام في هذا اليوم احتفالات وفعاليات ثقافية واجتماعية تعكس تراث دولة قطر وتاريخها المشرق، مثل العروض العسكرية والمهرجانات الشعبية، التي تؤكد على وحدة الشعب واعتزازه بماضيه وإرثه. إن الاحتفاء باليوم الوطني في قطر لا ينفصل عن الدور القيادي الذي يقوم به حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، في تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ قيم الولاء والانتماء. فقد حرص سموه على تعزيز هوية قطر الوطنية من خلال إستراتيجيات تهدف إلى بناء مجتمع قوي، متماسك ومعتز بثقافته وقيمه. على الصعيد الداخلي، تعمل القيادة القطرية على تحقيق التنمية المستدامة في مختلف القطاعات، بما يعزز رفاهية المواطنين ويعكس رؤية قطر الوطنية 2030. تلك الرؤية الطموحة تستند إلى بناء اقتصاد متنوع ومستدام يقوم على الابتكار والتعليم والاهتمام بالإنسان كأهم موارد الوطن. كما أن حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى يؤكد دائمًا على أهمية الانتماء للوطن والعمل بروح الفريق لتعزيز مكانة قطر إقليميًا ودوليًا. لم تكن قطر يومًا دولة تقتصر جهودها على حدودها الجغرافية؛ بل تعدّ لاعبًا مؤثرًا على الصعيدين الإقليمي والدولي. تسعى الدولة باستمرار إلى تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة والعالم، حيث تلعب دور الوسيط في النزاعات الإقليمية والدولية. وقد نالت جهود قطر الإشادة العالمية لما تبذله من مساعٍ دبلوماسية قائمة على الحوار والتفاهم المشترك. عربيًا، تساهم قطر في تعزيز التضامن العربي من خلال دعم القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ومساندة الدول الشقيقة في مواجهة التحديات الاقتصادية والإنسانية. دوليًا، تُعدّ قطر نموذجًا يُحتذى به في الدبلوماسية الإنسانية، حيث تستضيف الفعاليات الكبرى مثل كأس العالم 2022، مما يعزز الحوار بين الثقافات والشعوب. يشكّل اليوم الوطني فرصة سانحة لترسيخ الهوية القطرية التي تجمع بين الأصالة والحداثة. ومن خلال الأنشطة الثقافية والتعليمية التي تُقام على مدار العام، يتم غرس قيم الانتماء والوطنية في الأجيال الناشئة. الشعر والأدب والتراث الشعبي يلعبون دورًا مهمًا في التعبير عن هذه الهوية، إذ يعبر الأدباء والشعراء عن حب الوطن من خلال كلمات تمسّ القلوب، مثل قول أحدهم: «قطرُ العطاءِ والنقاءِ عنوانُ فيها الأمانُ والكرمُ سلطانُ شعبٌ وفيٌّ وأرضُها عزّةٌ بها الهوى والروحُ مُتحدانُ» إن الهوية القطرية تقوم على مزيج فريد من التراث والثقافة الإسلامية، إلى جانب الانفتاح على العصر الحديث بروح إيجابية. ويُعدّ التعليم والابتكار جزءًا أساسيًا من هذه الهوية، حيث تشجّع الدولة شبابها على استكشاف العالم مع الحفاظ على القيم القطرية. يتزامن الاحتفال باليوم الوطني مع استعراض ما حققته الدولة من إنجازات بارزة في مختلف المجالات. يُبرز الشعب القطري اعتزازه بمساهماته في بناء وطنه عبر المشاركة الفعالة في مختلف القطاعات، سواء كانت اقتصادية، تعليمية، رياضية أو ثقافية. وفي هذا السياق، يُعتبر كأس العالم 2022 مثالًا حيًا على قدرة قطر على تنظيم الأحداث العالمية بكفاءة واقتدار، ما عزّز من صورتها كدولة تجمع بين الأصالة والمعاصرة. ختامًا: قطر قلب ينبض بحب الوطن يبقى اليوم الوطني لدولة قطر مناسبة خالدة تحمل في طياتها كل معاني الفخر والاعتزاز بالوطن والقيادة. إنه يوم يذكر فيه كل قطري وقطرية أن ما نعيشه اليوم من أمن ورخاء واستقرار هو ثمرة جهود الأجداد ورؤية القيادة الرشيدة. ويبقى حب الوطن يتردد في القلوب والأنفس على مر الأجيال: «قطرُ المجدِ فيكِ الهوى أبديٌّ يا درةَ الخليجِ وبيتَ الوفيّ نرفعُ الراياتِ حبًّا وعزًّا فيكِ الوفاءُ والوطنُ السّنيّ» كل عام وقطر، قيادةً وشعبًا، في أمن وأمان، ووحدة وتقدم.
2217
| 18 ديسمبر 2024
النرجسية تُعد واحدة من أكثر السمات الإنسانية تعقيدًا وتأثيرًا على العلاقات الشخصية والاجتماعية، إنها حالة تنطوي على حب مفرط للذات والشعور بالتفوق على الآخرين، وغالبًا ما يفتقر الشخص النرجسي إلى التعاطف ويطالب بالاعتراف المستمر بتميزه، بينما يمكن للنرجسية أن تكون مجرد صفة شخصية طبيعية إذا وُجدت بقدر معقول، فإنها تتحول إلى اضطراب نفسي عندما تهيمن على السلوك والتفكير، مما يجعل التعامل مع الشخص النرجسي تحديًا كبيرًا. وهناك سمات معينة يتم من خلالها تحديد الشخصية الشخصية النرجسية، منها حب الذات المفرط حيث يشعر الشخص النرجسي بتميزه واستحقاقه لمعاملة خاصة تفوق ما يستحقه الآخرون، والغرور وفيه يعتقد أنه دائمًا الأذكى والأفضل في كل شيء، ونقص التعاطف، حيث لا يبدي الشخص النرجسي اهتمامًا بمشاعر أو احتياجات الآخرين، والسعي إلى الإعجاب وفيها يحتاج النرجسي إلى التقدير المستمر، ولا يتحمل النقد، بالاضافة الى الأنانية وفيها يميل هذا الشخص إلى تحقيق أهدافه الشخصية على حساب الآخرين دون الشعور بالذنب، والعدوانية أحيانًا وقد تكون لفظية أو غير مباشرة إذا شعر بأن مكانته مهددة. والغرور والتكبر من ابشع الصفات التي نهانا الله عز وجل عن الاتصاف بها، فقد حثنا ديننا الحنيف ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم على التواضع وأمرنا بالابتعاد عن اي مظهر من مظاهر الغرور والتكبر، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)) رواه مسلم. وفي بيئة العمل، قد يُسبب وجود شخص نرجسي توترات كثيرة بين الموظفين، فالشخص النرجسي غالبًا ما يحاول إبراز نفسه على حساب زملائه، مما يخلق جواً من التنافس السلبي، كما يميل النرجسي إلى التركيز على إنجازاته الشخصية بدلاً من المصلحة الجماعية، مما يؤثر على ديناميكية الفريق، وبسبب افتقاره للتعاطف وميله للتقليل من شأن الآخرين، قد يكون مصدرًا مستمرًا للخلافات. والنرجسية فى العمل غالبًا ما تُصاحبها عدوانية تظهر في عدة أشكال منها التلاعب حيث يستخدم النرجسي الحيل والخداع لتحقيق أهدافه، والنقد الجارح الآخرين لابراز تفوقه، التقليل من إنجازات زملائه، والمبالغة في ردود أفعاله إذا شعر بالإهانة أو التهميش. ووضعت العديد من الدراسات قواعد للتعامل مع الشخصية النرجسية منها أن الوعي بسلوك النرجسيين يساعد في التعامل معهم بفعالية، وأن تكون حدود التعامل معه محددة وصارمة، وتجاهله أحيانًا قد يكون أفضل حل لوقف استفزازاته وكأنه غير مرئي، وعدم الانجرار وراء استفزازاته مع الحفاظ على الهدوء. وفى بعض الأحيان قد تصل النرجسية الى حالة مرضية تعرف علميا، بـ»اضطراب الشخصية النرجسية، وتتعدد أسبابها ما بين عوامل بيئية مثل التربية المدللة أو الإهمال العاطفي، وعوامل وراثية قد تكون جينية تساهم في ظهور هذه السلوكيات، والتعرض للصدمات أو الانتقاد المفرط. وهناك مؤشرات يمكنك من خلالها التفرقة بين الشخصية النرجسية وغير النرجسية، فالنرجسي يسعى دائمًا للتفوق على الآخرين ويعاني من نقص التعاطف، ويرفض الاعتراف بأخطائه، اما الشخص غير النرجسي قد يطمح إلى التفوق لكنه يراعي مشاعر الآخرين ويتقبل النقد، ويعترف بأخطائه ويسعى للتعلم منها. وهناك مشاكل عديدة قد يسببها الشخص النرجسي منها تدمير العلاقات بسبب الأنانية والافتقار إلى التعاطف، والإضرار بالعمل الجماعي نتيجة لرغبته في التفوق الفردي، وخلق بيئة سلبية تؤدي إلى التوتر والعداوة، والشعور بالدونية لدى الآخرين بسبب التقليل المستمر من شأنهم. وعلاج الشخصية النرجسية يعتمد على مساعدة الشخص نفسه في إدراك المشكل حيث يعد العلاج السلوكي المعرفي أحد أبرز الوسائل لتحسين السلوك النرجسي، وفهم الشخص لطبيعته وأثر تصرفاته على الآخرين، وتدريبه على التفكير في مشاعر الآخرين.، ومساعدته في التعامل مع جذور شعوره بالدونية. وللاستمرارية ولنجاح علاج الشخصية النرجسية يجب قبول الشخص النرجسي بأنه يعاني من اضطراب، والالتزام بالعلاج لفترة طويلة.، مع وجود شبكة داعمة من العائلة والأصدقاء وأن يكون لديه رغبة في تحسين العلاقات والنجاح الشخصي، واستخدام أسلوب غير تصادمي عند التحدث معه، وجعله يشعر بأنه ليس وحده في مواجهة مشكلته. ختاما.. الشخصية النرجسية تشكل تحديًا كبيرًا في العلاقات الإنسانية بسبب سلوكياتها المزعجة وتأثيرها السلبي. ومع ذلك، يمكن بالتفهم والوعي التعامل معها بفعالية، بل والمساهمة في علاجها، الأهم هو تذكر أهمية التواضع والرحمة، وهما صفتان دعا إليهما الإسلام لضمان الانسجام بين البشر.
714
| 02 ديسمبر 2024
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً...
7206
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها...
1716
| 09 أغسطس 2026
ليست كل الأزمات التي تواجه المؤسسات مالية أو...
1140
| 16 أغسطس 2026
خلق الله - عز وجل - آدم وجعله...
1065
| 09 أغسطس 2026
منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد...
813
| 16 أغسطس 2026
«بعض الفائزين في انتخابات مجالس الإدارات يستعد للانتخابات...
708
| 12 أغسطس 2026
منذ طفولتنا، نتعلم بطريقة أو بأخرى أن الحب...
654
| 09 أغسطس 2026
في بيئة العمل المثالية يكون المدير هو القائد...
624
| 10 أغسطس 2026
كان الانتظار يوماً جزءاً طبيعياً من الحياة، ننتظر...
606
| 09 أغسطس 2026
- أمريكا.. حين تتغير حدود المسموح - 37...
570
| 10 أغسطس 2026
لا يختلف اثنان على أن القطاع الخاص أحد...
567
| 10 أغسطس 2026
ما زلت أتذكر مواقف مررت بها عندما كنت...
480
| 12 أغسطس 2026
مساحة إعلانية