رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لست في معرض الشماتة في العقيد معمر القذافي الذي دفع ثمن عناده ورفضه للثورة وعدم تصديقه بأن ثمة من يناهضونه. فقد كان على يقين أنه القائد والأب وملك ملوك إفريقيا وعميد الزعماء العرب ووصل به الأمر إلى حد اقتناعه بأنه معبود الشعب الليبي على حد قوله لغير مسؤول أجنبي زاره في الأشهر الأولى التي أعقبت اندلاع الثورة في السابع عشر من فبراير المنصرم التي وصف القائمين بها بأنهم محض جرزان وأنه وزمرته قادرون على محوها من الوجود. لقد جاءت نهاية القذافي التي يستحقها بكل تأكيد شديدة المأساوية خاصة أنه تم العثور عليه في أنبوب للصرف الصحي وهو مصير أبدى فزعا مهولا منه عندما شاهد عبر شاشات التلفاز القوات الأمريكية تمسك بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين في حفرة بإحدى المناطق القريبة من بغداد مما دفعه إلى الإسراع إلى تقديم تنازلات إلى الولايات المتحدة خاصة فيما يتعلق بخطط كان يعدها لامتلاك السلاح النووي. لقد وضع العقيد غير المأسوف عليه نفسه في مواجهة مع الثورة ولم يتجاوب مع مطالبها التي أعلنها الشباب الليبي في بدايتها فسارع إلى تبني منهجية القتل والاعتداء من دون رحمة ومن مدينة إلى مدينة وشارع إلى شارع ومن حي إلى حي ومن زنقة إلى زنقة حسب وصفه معلنا أنه سيقاتل حتى آخر قطرة من دمه منطلقا في هذا الفهم المغلوط الناجم عن تضخم شديد في الذات وعجز عن القراءة الصحيحة لمفردات الواقع الثوري الجديد إلى أن ليبيا ليست تونس أو مصر اللتين نجحت الثورة فيهما في إقصاء سريع لديكتاتوريين يعدان من أعتى الحكام في المنطقة هما زين العابدين بن علي وحسني مبارك وأنه ليس رئيسا فلو كان كذلك لقذف باستقالته فورا في وجوه المحتجين وإنما هو زعيم من نوعية أخرى وحاكم أعلى وقائد ثورة ومن ثم- وفق فهمه- فإنه لا ينبغي لأحد أن يثور على قائد ثورة أو يقلل من شأنه بل يتعين أن يترك وشأنه فهو القادر على فهم مطالب الشعب الليبي الذي يتعرض لمؤامرة كبرى من القوى الإمبريالية التي سيتصدى لها بكل قوة كما تصدى للقوى الكبرى على مدى أربعين عاما. لقد أحاطت بالقذافي نخبة من المنتفعين وربما من المقتنعين به زعيما استثنائيا من فرط ما يغدقه عليهم من أموال ومناصب أو ربما لتصديقهم خطابه وأفكاره المدهشة التي كان يفاجئهم بها بين الوقت والآخر وبالذات بعد أن تخلى عن الروح الثورية الحقيقية التي تلبسته بعد الأول من سبتمبر من العام 1969 وهو اليوم الذي قاد فيه مجموعة من رفاقه الضباط الأحرار في الجيش الليبي وتمكن من إسقاط الملكية مما اعتبره الكثيرون تحولا نوعيا في مسار الفعل العربي القومي بعد الهزيمة المدوية التي لحقت بالجيوش العربية خلال العدوان الصهيوني على مصر وسوريا والأردن في يونيو من العام 1967 فقد كان آنذاك ما زال متلفعا بعباءة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر والذي رأى فيه شبابه على حد قوله خلال زيارة لطرابلس. ولاشك أن هذه النخبة أسهمت في رسم ملامح تميز وهمي في شخصيته وأنه خليفة ناصر فتراكمت لديه حالة نرجسية لم يتمتع بها زعيم من قبل بما في ذلك زعماء مثل هتلر وموسليني وغيرهما من عتاة الحكام في العالم فصدق ذلك أو بالأحرى كان لديه استعداد لأن يصدقه بالرغم من أنه لم يكن يمتلك المقومات الحقيقية لأن يكون زعيما أو قائد ثورة وهو ما تجلى في التخبط الذي كان يسود قراراته وتصوراته لليبيا ولفكرة الوحدة العربية التي سيطرت عليه لسنوات طويلة دون أن يعي متطلباتها الجوهرية. لقد كان القذافي مسكونا حتى الثمالة بالهاجس الأمني الذي هيمن على مفردات حياته إلى درجة أنه يتنقل بين ليلة وأخرى من موقع إلى آخر ولا يلتزم بالمواعيد الرسمية المحددة سلفا للقاء رؤساء دول وكبار مسؤولين من الخارج فلم يكن يشعر بالحرج في تأخيرهم لساعات طويلة قيل إنه يلتقيهم فجأة حتى لا يتعرض لاعتداء واضعا في حسبانه الهجوم الأمريكي على مقر إقامته بالعزيزية في ثمانينيات القرن الفائت. وأتذكر في هذا السياق أنني كنت برفقة وفد المنظمات والاتحادات المهنية العربية الذي زار ليبيا في العام نهايات يونيو 1997 - إن لم تخني الذاكرة -والذي كان يرأسه الراحل سعد الدين وهبة ساعيا إلى إظهار التضامن العربي مع ليبيا التي كانت تتعرض لحصار شديد الوطأة من قبل الولايات المتحدة وغيرها من دول الغرب وتوجهنا إلى مدينة سرت حيث كان موعدنا مع القائد وفق التعبير الذي كان يطلق عليه آنذاك في نحو العاشرة صباحا- إن لم تخني الذاكرة مرة أخرى – بيد أننا أمضينا في الفندق ساعات النهار بأكمله وأخيرا في السادسة مساء طلبونا بسرعة للقاء القذافي والذي أدهشتني بساطته في اللقاء سواء فيما يرتديه من ملابس لا تبدو غالية أو من الماركات العالمية وإنما هي مجرد بدلة نصف كم أقرب إلى اللون الكاكي وكان يحيط به نفر من المرافقين له لو قابلهم المرء في الخارج لما صدق أنهم من المقربين من رئيس دولة أو قائد ثورة من فرط هشاشة هندامهم وسذاجة وجوههم لكني لاحظت أنه هو الذي يوجه الهتافات ويرسل إشارات معينة لكل هتاف تطلقه مجموعة من الشباب الذين جاءوا خصيصا من مختلف المدن الليبية وقد اكتشفت أن ثمة من رافقونا بالطائرة من طرابلس إلى سرت كانوا من ضمن هذه المجموعات المخصصة للهتاف للقائد. ولاشك أن العقيد القذافي لو تمسك بخطه القومي الحقيقي الذي تجلى بعد الأول من سبتمبر من العام 1969 ونفذ مخططا للعدالة الاجتماعية حسبما كان يعلن في خطبه الأولى وأجرى تحولات جوهرية في بنية المجتمع الليبي قليل السكان وكثير الموارد وانحاز لحرية التعبير والمشاركة الحقيقية للشعب في السلطة ولم يحول منظومة الحكم في بلاده إلى صبغة عائلية موزعا المناصب والمواقع المهمة في الدولة بين أفراد أسرته بل إنه عمل على تقليص وضعية الجيش الوطني لصالح كتائب أشبه بميليشيات بقيادة عدد من أبنائه وتخلى عن أوهام دوره العالمي والذي أهدر فيه ثروات الشعب الليبي التي كان بوسعها أن تحول بلاده إلى واحدة من أكثر دول المنطقة نموا وتقدما لأمكنه أن يدخل التاريخ من بوابة تجمعه مع ناصر ومانديلا وغيرهما من الزعماء الذين انحازوا إلى الجماهير وإلى البناء والمصالحة لكنه للأسف أصابته اللعنة مبكرا وظن أنه المخلص الأوحد ودونه الطوفان والفوضى فمضى في غيه سادرا رافضا لأي نصائح متمسكا بضيق أفق يحكم رؤيته لوطنه وشعبه وللعالم فخسر الدنيا والآخرة. والمرء يتساءل في ضوء قراءة ما سبق: هل يمكن أن تبلغ الرسالة كلا من علي عبد الله صالح في اليمن وبشار الأسد في سوريا؟ وهل بمقدورهما أن يعيدا ترتيب أوراقهما قبل أن تجف دماء القذافي ليسارعا إلى التجاوب مع مطالب شعبيهما ويتخليا عن رفقاء السوء الذين يحيطون بهما ويؤكدون أنهما ليس العقيد القذافي وبلادهما ليست ليبيا والمفارقة أن مبارك وزبانية حكمه كانوا يرددون نفس العبارة تقريبا وهي أن مصر ليست تونس ومبارك ليس بن علي والعقيد نفسه رأى أنه مختلف عن مبارك وبن علي وهل يدرك صالح وبشار قبل فوات الأوان أن إرادة الشعوب من إرادة الله ويقبلان بالحتمية التاريخية التي لم يفسد معناها ودلالاتها أبداً على مدى ما عاشته البشرية ومؤداها أنه لا يمكن أن يقف حاكم في وجه ثورة الشعب وليس بمقدور حاكم أن يستمر على رأس السلطة وهو يمارس القتل والقمع واغتيال أشواق الشعب فأي شرعية يمكن أن تنبثق من جماجم البشر والدماء المسفوكة أظن أن الرسالة بالبريد المستعجل وصلت إلى قصري صالح في صنعاء وبشار في دمشق غير أنني أخشى ألا يقوم العسس والبصاصون بإبلاغها لهما في التوقيت المناسب. السطر الأخير: سافرت إليك بادرتك بعشقي كتبتك في دفاتري شعرا حلمت بك أميرة لقلبي قاسمتك خبزي وبهجتي ووجعي أحيانا فلا تحاصريني لاتكوني قبضة أوسيفا أو حقل صبار لا تكوني جذع نخلة يابسة أو رشق سكين أو طعنة خنجر من رحم قلب جبار كوني امرأة للحلم شمسا تورق إطلالة النهار elazab1@gmail.com
540
| 24 أكتوبر 2011
في الطابق الرابع حيث صالة تحرير جريدة الأهرام كنت مشغولا بمتابعة وقائع ثورات الربيع العربي -الأحد قبل الماضي - استعدادا لإضافة جديدها إلى الطبعة الثانية التي تصدر في الحادية عشرة مساء لم أنتبه لعبارات تتردد حولي بشأن مسيرة ضخمة من الأقباط مرت على مبنى الصحيفة الأضخم في المنطقة ورددوا شعارات مناهضة لها رغم أن الأهرام باتت أكثر انفتاحا من ذي قبل على مفردات الواقع المصري بعد ثورة الخامس والعشرين ولا تختلف متابعتها لأحداثها ومعطياتها عن أي صحيفة من الصحف التي كانت تصنف في خانة المعارضة للنظام السابق إن لم تتقدم عليها في بعض الأيام. كان ذلك في نحو السادسة مساء ولم أعر المسألة كثير اهتمام فالمسيرات والاحتجاجات أضحت جزءا من المكون اليومي للحياة المصرية بعد الثورة غير أنه بعد حوالي السابعة مساء أخذت التطورات تتصاعد وتتدفق على نحو شكل مفاجأة وهو ما تجلى في جلوس رئيس التحرير ومسسئولي الدسك المركزي على الطاولة الرئيسية بصالة التحرير خاصة مع ورود أنباء عن مواجهات أمام مبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون والذي يطلق عليه "ماسبيرو" بعد توجه المسيرة إليه والتي انطلقت من منطقة شبرا وهي واحدة من المناطق التي يسكنها تجمع مسيحي عالي الكثافة نسبيا في العاصمة ثم الإعلان عن استشهاد مجندين تابعين للجيش المصري في هذه المواجهات ثم توالى الإعلان عن تصاعد أعداد استشهاد المجندين وغيرهم من المدنيين وبدا لنا الأمر أشبه بحرب حقيقية في ماسبيرو ونحن نتابع سير المواجهات عبر شاشات التلفزيون التي تتصدر الصالة من محطات مختلفة فتيقنت أن ثمة خطرا حقيقيا يحدق بالمحروسة فالنيران تشتعل أمامنا والقتلى والجرحى من الجانبين تتزايد أعدادهم وأسلحة نارية تستخدم إلى جانب ما يسمى بالشوم والسنج والسيوف وزجاجات المولوتوف وقطع الرخام التي لا يعلم أحد كيف وصلت إلى الموقع بهذه الكثافة وبهذه النوعية وكأنما طرف أو عدة أطراف استعدت لهذه المواجهة ثم أنباء عن قيام مدرعات تابعة للجيش بدهس مواطنين وامتدت المواجهات التي أخذت شكل الكر والفر إلى المناطق المحيطة بماسبيرو إلى ميدان عبد المنعم رياض وإلى ميدان التحرير وشارك أهالي منطقة بولاق أبو العلا التي يقع فيها مبنى الإذاعة والتلفزيون منحازين إلى صف الجنود وبدأ نوع من الاستقطاب على أساس ديني مما حدا بجماعات سلفية للاحتشاد والسعي إلى الدخول في المواجهات التي استمرت إلى ما بعد منتصف الليل وفي المنطقة المحيطة بالمستشفى القبطي بشارع رمسيس البعيد عن منطقة ماسبيرو بحوالي 3 كيلو مترات جرت مواجهات أخرى أخذت طابعا طائفيا مقيتا وفي مناطق المواجهات بدأ الفرز الطائفي على نحو بغيض من هذه الفئة أو تلك واشتعلت الكراهية في تلك الليلة خرج مخزون من الغضب المكتوم لدى كل جانب وخشيت أن تتحول القاهرة إلى بيروت أخرى بحيث يتم القتل على الهوية وهو ما حدث بالفعل في بعض المناطق وكادت الأمور تخرج عن السيطرة فتم اللجوء إلى قرار فرض حظر التجول في منطقة وسط القاهرة التي شهدت المعارك من الساعة الثانية ليلا حتى الساعة السابعة صباحا وهو القرار الذي أنقذ العاصمة من الوقوع في براثن حرب طائفية حقيقية خاصة مع ورود أنباء عن حشود لحوالي خمسة آلاف من السلفيين استعدادا للدخول في المواجهة مع المتظاهرين من الأقباط وبعيدا عن الوقائع التي بات يعرفها الجميع فإن المرء يشير إلى جملة من الملاحظات الرئيسية في قراءة ما جرى من وقائع الفتنة في ماسبيرو يمكن إيجازها فيما يلي : أولا : تراخي السلطات الحكومية بداية عن التعامل مع أزمة كنيسة ماريناب بإدفو جنوب مصر ومحاولة احتوائها على نحو ينتصر للعدالة والقانون والمنطقة وبما يوقف تداعياتها التي سعت دوائر قبطية في القاهرة إلى استثمارها في سياق ما تراه من أزمة مع الأغلبية المسلمة وكان يمكن في هذا الصدد إرسال لجنة حكومية من العاصمة إلى منطقة الأحداث والوقوف على الحقائق ميدانيا قبل أن تتفاقم الأمور إلى هذا الحد الدموي والذي أحدث شرخا في العلاقة بين نسيج الوطن الواحد وسيتطلب متسعا من الوقت حتى يمكن مداواته. ثانيا : غياب الاستعداد من قبل الأجهزة المعنية للتعامل مع المسيرة التي تم الإعلان عنها في وقت مبكر من قبل الدوائر القبطية التي أعلنت احتجاجها على ما جرى للكنيسة سواء عبر بيانات نشرتها وسائط الإعلام المعروفة أو من خلال شبكة التواصل الاجتماعي – الفيس بوك أو رسائل البريد الألكتروني وبعضها للأسف كان ينطوي على تهديد واضح بالتصعيد والمواجهة ولكن يبدو أن الأجهزة الأمنية المسئولة عن تجميع المعلومات وتحليلها لم تعد بالكفاءة المطلوبة أو أن ثمة أجنحة ما زالت تدين بالولاء للنظام السابق رأت ترك الأمور تمضي باتجاه التصعيد وهو ما يصب في مصلحة الفوضى التي بشر بها مبارك عندما قال في إحدى خطبه خلال مظاهرات يناير أما أنا أو الفوضى وليس ثمة بيئة مواتية للفوضى من توظيف الفتنة الطائفية وإشعال معركة بين الجيش والمسلمين من ناحية والأقباط من ناحية أخرى. ثالثا : من أين جاء المندسون أو البلطجية وكيف تسنى لهم اختراق المظاهرة السلمية للاقباط ولماذا تركوا يعملون أسلحتهم المتنوعة قتلا وإصابة سواء في قوات الجيش والأمن والأقباط وما هي نوعية القوى والشخصيات التي تقف وراءهم بحيث بات سيناريو تدخلهم يتكرر في كل مسيرة أو مظاهرة ذات طابع سلمي فسرعان ما تتحول إلى كرة من نار تظل تتمدد حتى تجهض أهدافها بل وتعلي من حجم المخاطر وتوسع الهوة بين الجيش والشعب وبين الأمن والشعب وبين الحكومة والشعب وتبث حالة من الكراهية والإحباط إلى الحد الذي أدى بالبعض إلى الكفر بثورة الخامس والعشرين من يناير. رابعا : نحن في حاجة إلى معرفة الحقائق المتصلة بواقعة فتنة ماسبيرو وبالذات الأسباب التي أدت إلى لجوء الجيش إلى العنف في التعامل مع المتظاهرين وهل كان قيام مدرعة أو مدرعات تابعة له بدهس متظاهرين كان ممنهجا أم محض ردة فعل على اعتداءات بالأسلحة النارية وغيرها من أنواع مختلفة على أفراده الذين كانت خزائن أسلحتهم خاوية من الذخيرة؟ فالجيش أعلن أن الدهس لا يدخل ضمن مفردات عقيدته القتالية حتى مع العدو وما فهمته أن ما جرى في هذا الجانب بالذات جاء للتصدي لسيل الاعتداءات التي تعرض لها جنوده والذين كاد بعضهم يتعرض للاحتراق داخل مدرعته واستشهد ثلاثة من الجنود فضلا عن إصابة أكثر من عشرين آخرين. خامسا : إلى أي مدى اتسمت التغطية الإعلامية بالذات من قبل التلفزيون الحكومي بالتحريض على الأقباط؟ ذلك سؤال مطروح بقوة ويتطلب إجابة موضوعية وشفافة من لجنة مستقلة محايدة فثمة اتهامات من قبل دوائر عديدة للتلفزيون بأنه لجأ إلى استخدام لغة التحريض وتوجيه نداءات للإسراع إلى الدفاع وحماية الجيش من اعتداءات الأقباط الأمر الذي دفع بعض الفئات المتوجسة إلى الإسراع بالتجاوب مع هذه النداءات خاصة من أهالي المناطق القريبة من ماسبيرو بينما يرى المجلس الأعلى للقوات المسلحة أن التلفزيون تعامل مع الموقف بموضوعية ومهنية خاصة أن التغطية للأحداث كانت على الهواء مباشرة وما زالت هذه القضية موضع جدل واسع بيد أنه يمكن الإشارة الى أن البعض من المذيعين والمذيعات والذين كانوا يتابعون الوقائع مباشرة لم يتمكنوا من الالتفاف على عواطفهم عندما شاهدوا بأم أعينهم جنودا يقتلون وتنزف دماؤهم فسارعوا في حماس إلى توجيه الدعوة لحماية الجيش وهو خطأ مهني لأن الجيش ليس في حاجة إلى حماية المدنيين له وهو جيش الجميع مسلمين ومسيحيين والذين تتكون وحداته منهم فضلا عن ذلك فإن ذلك أسهم دون أن يقصد هؤلاء المذيعون في تأجيج البعد الطائفي وهو ما يتطلب مساءلة وتقديرا لطبيعة اللحظة الانفعالية. سادسا: بات المطلوب بإلحاح من الجماعة الوطنية المصرية أن تتجاوز الخطاب الطائفي والسعي إلى احتواء تداعيات ما وقع في ماسبيرو والتركيز على المراحل المنتظرة التي تهدف إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة المصرية عبر صيغة الاقتراع المباشر التي ستقود إلى انتخاب البرلمان بمجلسيه ثم رئيس الجمهورية تكريسا للخيار الديمقراطي وهو أحد المطالب الرئيسية لثورة الخامس والعشرين من يناير صحيح أن الجرح سيظل لفترة نازفا غير أن مصلحة الوطن فوق الطائفة أو الأشخاص ومن هنا فإن المرء يتوجه مخلصا إلى رموز المؤسسة الدينية خاصة بعد الإعلان رسميا عن إنشاء بيت العائلة برئاسة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب والبابا شنودة بابا الكنيسة الكاثوليكية لوضع محددات جديدة وعقلانية وشفافة تعيد التوهج للنسيج الوطني الواحد باتجاه يعلي من قيمة المواطنة وعلى حساب الطائفة والاحترام المتبادل للجانب العقيدي وتجنب أي محاولة للاستقواء بالخارج تغذيها بعض دوائر الأقباط في المهجر والأهم من كل ذلك وقف كل عمليات التحريض الطائفي والديني التي تتولاها بكفاءة منقطعة النظير فضائيات من هذا الجانب أو ذاك وأغلبها يمول من الخارج. السطر الأخير: دعيني أؤكد لك أنك صباحي ومسائي ربيعي وخريفي ضيائي وطني ومنفاي elazab1@gmail.com
389
| 17 أكتوبر 2011
أولا: مزقت دفاتري القديمة: حاولت الحلم ارتداء الأشواق للزمن الآتي ركوب السفن المتجهة لضفاف أكثر خضرة وأشجارا مزقت دفاتري القديمة أوراقي الزاخرة بأمنيات الطفل داخلي حشدت أسلحتي للمواجهة قمت بزيارة أضرحة الأولياء لعلي أعثر على بعض من تشجيع مسكون ببركتهم فكت حبيبتي ضفائر وجعها مشطت شعرها بأيقونة من قصائدي فيها باركتني عيناها قلت: إن الصفاء المقيم بهاتين العينين كفيل بأن يدفعني للإبحار صوب وجهة واحدة هي الثورة في الطريق إليها كابدت الأمواج والسحب المعتمة والرياح العاصفة تريد أن تضفي عليها – أي الثورة – حالة من السكون والفتور وربما الخروج عن نصها الذي أبدعه أهل المحروسة في الخامس والعشرين من يناير هم يبذلون ليلهم ونهارهم لمحاصرتها وانتهاك براءتها وكتابة نهايتها والدفع بها إلى دوائر الصمت والتلاشي هم يركبون كل صعب من أجل إجهاض أحلامها وهتك مستورها وحجب أشعتها وكسر عمودها الفقري حتى يسهل هضمها هم يناورون ويمارسون الصخب والضجيج فالثورة عدوهم الأوحد والشعب الذي فجرها لا يليق به التمتع بثمارها بل يتعين أن يدفع ثمن تهوره والاندفاع إلى شوارع المحروسة مطالبا برأس من كابدوا معه سنوات القهر والإذلال خرجوا من المستور يدفعون الأموال. يقدمون الإغراءات. وثمة من يستجيب لهم فيندفع في التخريب والانفلات وممارسة الفتنة والإفساد ثانيا: مولع أنا بالعشق: يقيم بداخلي هيام للوطن للمحروسة بلا حدود لكني أخشى عليها من الذين يعلنون عشقها عبر الكلمات والفضاء فقد كان الرجل الذي جثم عليها ثلاثين عاما يكتب فيها كل قصيدة عشق غير أنه ثبت أنه عشق للذات. عشق للولد الذي يؤهل لامتطاء صهوة جوادها ولنفر أحاطوا به وصنعوا منه صنما يعبدونه ويقدمون له الولاء مقابل نفحاته التي تقدر بالمليارات ومساحات لا تحصى من أراض وهبها الخالق لتكون مصدر خير للوطن وليس للصوص وسارقي الأحلام والبهجة من عيون صبايا المحروسة التي أدمتها ثلاثية الجوع والحرمان والوجع. ثالثا: الكتابة في دفتر الوطن: لم يعد ثمة جدوى من البقاء دون حراك لاسترداد تجليات الثورة وملامحها التي تكاد تصاب بالوهن فمن يمتلك القدرة على الغوص في الأعماق لتقديم إسناد لها يقيلها من عثراتها؟ هم شباب المحروسة الذين سارعوا بكتابة حروفها الأولى في دفتر الوطن وهو ما يستوجب منهم الخروج من عباءة الانقسام التي طالت أجسامهم جميعا على نحو غطى كل مساحاتها فشاهدنا الدم المنزوف واللبن المسكوب والجروح الطاغية والبلاهة أحيانا من فرط الشعور بتضخم الأنا. هم شباب سمتهم البراءة والشفافية فلماذا وقعوا في فخ الانشطار الذي يتيح للخصوم النفاذ منه ومن ثم إقامة سرادقات العزاء – لا قدر الله. هم نفر من العاشقين بقوة للمحروسة فما الذي أودى بعشقهم إلى سبل مختلفة رغم أن المحبوب واحد وعشق من هذا النوع يتطلب التوحد في المحبوب؟ وأهل المحروسة بدورهم ليس بوسعهم الدوران خارج منظومة عشقها وبعضهم للأسف يلتف على جوهرها يحبط مسعاها يقف حجر عثرة في طريقها فهم مطالبون باستعادة حيويتهم الحضارية التي أصابها قدر من الجمود فانجرف نفر منهم صوب الترويع وبث الخوف في القلوب وانتهاك الحرمات وسرقة الأراضي وإهلاك الممتلكات العامة وقتل الأبرياء بعد الاستحواذ على أشيائهم الخاصة إن سكان المحروسة معروف عنهم الوداعة والسكون والتسامح فما الذي دفعهم إلى التناقض مع خصائصهم التي أحبتها البشرية فيهم. أجل كانوا يكابدون في الزمن القديم لكن زمانا مغايرا حل بهم فلماذا لا يرحبون به ويتعاملون وفق قوانينه الجديدة؟ رابعا: أتساءل معذبا إن الثورة تدفقت في دماء المحروسة لتعيد غزل أصوافها فيتدثر بها أبناؤها عشقا وحنوا على الأرض والبشر والمقدرات ولتمنحها لغة مغايرة ونقاء تستعيده النفوس التي ظلت عصية على السقوط. أتساءل معذبا: لم كل هذه المساحات من الكراهية تفجرت واشتعلت بالنيران؟ لم كل هذه الورود ملقاة في الطرقات والنوارس خرجت من البحار التي سجرت؟ لم كل هذه الأشجار تيبست جوانبها ونزع منها لونها الأخضر؟ من دفع بالعتمة لتطفئ الأنوار التي أورقها الخامس والعشرين من يناير؟ من قذف بكرة الثلج في مجرى الأحبة فصارت قلوبهم خاوية من الدفء المعهود؟ تسألني عن دور النخب الطالعة في المشهد؟ هي مطالبة بالقراءة الصحيحة لفعل الثورة وما بعد الثورة والكف عن أي محاولة للالتفاف عليها بزعم تكريس الاستقرار وأحيانا حمايتها. فهو – أي الاستقرار- لن يتبلور إلا بالقبول بأشعتها والتفاعل مع وهجها والكتابة في دفترها فقط وليس دفاتر الزمن القديم فهو ولى وبات موغلا في الغياب. وهي – أي الحماية - لن تقع إلا عبر التوقف عن ممارسات مناقضة لما رسمته الثورة في الخامس والعشرين من يناير بشأن الحرية والخبز والكرامة. فأي فعل يدنس هذه الثلاثية المقدسة يشعل النيران في حدائق الثورة وملامح المشهد تشهد بكثير من الدنس فالحرية باتت بلا أبواب من فرط ألم استعادة قانون الطوارئ والخبز بكل تجلياته أضحى في خانة الصعب إن لم يكن المستحيل والكرامة ثمة من يسعى إلى تهميشها والانقضاض عليها لولا أن نفرا من القابضين على جمرها ما زالوا يكابدون من أجل إبقاء جذوتها متقدة. خامسا: هي ثورة إذن هي ثورة إذن لن يكون بمقدور كارهيها سرقتها أو الدفع بها صوب خانة الماضي إنها بدأت الخطوة الأولى نحو الزمن الآتي صحيح أن ثمة من يترصد لها وهم كثر من الداخل والخارج لكن الملايين هي أيضاً لهم بالمرصاد تمارس غوايتها في عشق الميادين والإقامة فيها بردا وسلاما. هي ثورة تدعونا إلى أن نعض عليها بالنواجز، نقيم نقاط الحراسة في كل بقعة من المحروسة نتمدد بداخلها نندفع باتجاه بواباتها نسد الطرق في وجه من يحاول سرقتها أو يصبغها بلون الدم والكراهية. هي ثورة كتبت علينا فيتوجب البقاء في خيمتها والإقامة بوجدها المتوهج فينا المرسوم بذاواتنا المبحر في صلواتنا وتسبيحاتنا وقراءتنا للقرآن. خرجنا من قبو الظلمات إلى فضاء النور خاصمنا شتاءات حاصرتنا بالوجع فانطلقنا إلى ربيع يتوقد بالحيوية والحبور رسمنا قسمات القادم فمن بمقدوره أن يوغل في الأزمنة القديمة ليعيدها إلى البهاء هي صمت وكهوف مجهولة وأنت – أيتها – الثورة - عناق مع المجد ووثب إلى العزة أنت قيامتنا نهارنا المتخلق من شموس وأقمار من ندى فجر انبثق في يوليو بشرنا به ناصر من حكمة تدلت من عصور موغلة أنت عشقنا المسافر فينا المكتوب في مقاديرنا الساكن بحقولنا وحدائقنا وسواحلنا فخذيني إليك أيا فاتحة كتابنا وقعي لحنك بروحي العطشى إلى نبضك الأسطوري متوحد فيك فحلى بجسدي حللت أنا فيك موثقا عهودي بك كوني براءتي سمتي المطل من علياء الكتابة لا تخذليني بعد أن امتطيت صهوة روحك وشرعت في الغناء من هودجي المقيم فيك السطر الأخير: - أمر عبر ديارك انتظر انبثاق الفجر من عينيك كي أبصر روعة كون تقيمين فيه نجمة وحيدة ومهرة وحيدة وبهجة استثنائية - أقيم فيك بنيان عشقي فزوديني بمرجانك وياقوتك وألوانك المدهشة - صانعة سطوري لك عشقي الممتد فتنتك تسكنني وفجرك يباغتني فتورق شمسه يقينا بأنك بهجة وجودي - سافري بعيني أقيمي خيمتك الزاخرة بالشعر بشراييني فأنت من يمنحني الإبحار إلى سواحل العشق ويورق الشمس بتكويني - خذيني إلى موطأ الحلم فيك فأنا متهم بعشقك وهو شرف لقلبي elazab1@gmail.com
1162
| 10 أكتوبر 2011
بالطبع لن تتوقف التهديدات الأمريكية عند حد إصدار الكونغرس لقرار بوقف المساعدات الغذائية المخصصة للفلسطينيين إذا لم يتوقفوا عن حركتهم النشطة باتجاه الحصول على العضوية الكاملة لدولة فلسطين – التي ما زالت في سياق الحلم – في الأمم المتحدة، وأحسب أن هذا القرار هو الخطوة الأولى وثمة خطوات أخرى منتظرة من قبيل إغلاق مقر البعثة الفلسطينية بواشنطن وإنزال العلم الفلسطيني الذي تم رفعه عليه في شهر يناير الماضي وقد يصل الأمر تحت ضغوط اللوبي الصهيوني وبنيامين نيتانياهو رئيس وزراء الكيان المتشدد إلى مستويات أخرى أكثر خطورة على مسار القضية الفلسطينية من بينها بالطبع استخدام حق الفيتو على الطلب الفلسطيني خاصة بعد أن قذف العرب بكل أوراقهم منذ عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات في سلة واشنطن إثر مقولته الشهيرة التي أعلنها بعد انتهاء حرب أكتوبر من العام 1973 أن 99 في المائة من أوراق اللعبة باتت بأيدي الولايات المتحدة وتلك في يقيني كانت بداية التفكير في المآلات التي أدت بنا إلى تبني دبلوماسية التسول لدى واشنطن وفق التعبير الشهير لمعالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري قبل سنوات. لقد أضحت واشنطن كعبة العرب السياسية- إن جاز لي استخدام هذا التعبير -وظل السادات يراهن على دورها في بلورة تسوية عادلة لكن رهانه ذهب مع الريح فلم تبد الإدارة الأمريكية تحت أي عهد ديمقراطيا كان أم جمهوريا أي تجاوب حقيقي مع أشواق الفلسطينيين ومعهم أمة العرب في حل عادل يأخذ في اعتباره الحقوق المشروعة لهم في إقامة الدولة المستقلة بل كان ثمة على الدوام انحياز شديد الوضوح لتوجهات قادة الكيان وكلها تصب في منحى يرمى إلى سحق الشعب الفلسطيني والحيلولة دون وصوله إلى حلم الدولة المستقلة بما يعني عمليا إتاحة المساحات السياسية والجغرافية واللحظة التاريخية لصالح المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني. لقد صبر الفلسطينيون ومعم أمة العرب على كل ما طرحته واشنطن التي تهيمن على القرار الدولي فيما يتعلق بقضيتهم وما برحوا يصدقون هذه الطروحات والتي قادت إلى مفاوضات مباشرة مع الكيان رغبة في التوصل إلى اتفاق سلام وابتهجت النخب السياسية - إلا من رحم ربي - بما يسمى خيار الدولتين والذي تبناه الرئيس السابق سيئ الذكر جورج بوش لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة جنبا إلى جنب مع دولة الكيان وأخذت هذه النخب خاصة التي باتت مصالحها أكثر ارتباطا بواشنطن وفي كثير من الأحيان بالكيان تروج لهذا الخيار بحسبانه يقدم التصور العملي لحل تاريخي ينهي الصراع في الشرق الأوسط ودخل الفلسطينيون بعد ذلك في متاهة التفاوض المباشر وظلت القدس المحتلة تستقبل أبومازن خاصة في عهد غير المأسوف عليهما أريل شارون وإيهود أولمرت في جولات غلب عليها طابع العلاقات العامة دون أن تفضي إلى خطوات عملية ثم دخل الفلسطينيون في متاهة أخرى أطلق عليها المفاوضات غير المباشرة في زمن القادم الجديد للبيت الأبيض باراك أوباما الذي جاء إلى القاهرة بعد بضعة أشهر من توليه منصبه الجديد طارحا جملة من الأفكار والتوجهات التي صدقناها من فرط حماسه لها ولكن سرعان ما ثبت أنه مجرد حاو ولم تخرج طروحاته عن حملة علاقات عامة لتسويقه في المنطقة وفي العالم . إذن سدت كل خيارات التفاوض أمام الفلسطينيين خاصة مع تمسك حكومة بنيامين نيتانياهو بمشروعها الاستيطاني رغم أكاذيبها التي صدقها العالم بشأن وقفها المؤقت لبناء وحدات استيطانية جديدة في الأراضي المحتلة وسرعان ما أدركنا أن هذه الحكومة لم توقف للحظة أي بناء بل أتاحت أمام الشركات والأفراد كل قدرة لمواصلة إقامة الوحدات والتي ما زالت سادرة في غيها ولا تتلقى سوى عبارات رافضة لها من قبل واشنطن وما يسمى باللجنة الرباعية الدولية التي لا ترى في المستوطنات سوى عقبة في طريق السلام بينما هي في حقيقة الأمر تدمر كل سبيل إلى السلام. ومن ثم لم يكن أمام الفلسطينيين خيار سوى التوجه إلى الأمم المتحدة للحصول على العضوية الكاملة لدولتهم الحلم في المنظمة الدولية ورغم رمزية الخطوة والتي لن تشكل قفزة نوعية في التعامل مع القضية الفلسطينية كما يجمع الكثير من الخبراء إلا أنها أقلقت قادة الكيان وأزعجت واشنطن فبدأ التحرك المضاد لإجهاض الخطوة والتهديد من قبل الإدارة الأمريكية باستخدام الفيتو عند عرض المسألة للتصويت في مجلس الأمن وهو الأمر الذي ما زالت تحول دونه صعوبات بل ثمة أنباء من نيويورك تشير إلى إمكانية أن تؤجل المنظمة الدولية عرض الطلب الفلسطيني لإتاحة الفرصة أمام خيار العودة للتفاوض المباشر وهو اقتراح قدمته اللجنة الرباعية الدولية والتي ليس بمقدورها أن تخرج عن السمع والطاعة لواشنطن. والسؤال المشروع الذي يتعين طرحه في تلك اللحظة التاريخية على النخب السياسية العربية: هل ستتركون الفلسطينيين بمفردهم في مواجهة ضغوط واشنطن وتعنت قادة الكيان الصهيوني وهل أصبحت الجعبة العربية خالية من أي إمكانية لإعلاء قيمة الطلب الفلسطيني وإشعار القيادة الفلسطينية التي بذلت جهدا مقدرا بأنها ليست وحيدة في مواجهة الغول الأمريكي والذئب الصهيوني؟ بالتأكيد ثمة خيارات عديدة يمكن اللجوء إليها في مقدمتها بصريح العبارة التهديد بوقف ضخ البترول العربي إلى الولايات المتحدة إذا استمرت في تهديداتها بوقف المساعدات للسلطة الوطنية أو استخدمت الفيتو لإجهاض الطلب الفلسطيني في الأمم المتحدة فلا يجوز أخلاقيا بل وسياسيا أن نقدم لها كل هذه الكميات من النفط وهي لا تقدم لنا سوى الفتات والكلمات وحملات العلاقات العامة والإهانات وبوسع العرب تجريد قرار الكونغرس بوقف المساعدات عن الفلسطينيين من أي فعالية لو قرروا بدورهم صادقين عازمين النية على التطبيق وليس مجرد تسجيل موقف مثلما يحدث في واقع الحال وتقديم كل عون ومساعدة للشعب الفلسطيني من خلال تزويده بالأموال وهي متوافرة بحمد الله لدى دول عربية كثيرة وبعضها لديه فائض منها والتي تساهم في مشروعات استثمارية وتنموية وثمة تجربة قطرية متميزة في هذا الشأن بوسع باقي العرب الاقتداء بها. إن النظام الإقليمي العربي ليس مجردا من عوامل القوة وثمة قيمة مضافة إلى هذه القوة تتمثل في الثورات التي شهدتها كل من تونس ومصر وليبيا وتتفاعل في سوريا واليمن وهو ما يمكن أن يشكل عنصر ضغط على الحكومات والنخب السياسية التي ما زال بعضها للأسف يؤمن بنظرية الانبطاح أمام واشنطن. على أي حال إذا تمكن الكيان مدعوما بضغوط واشنطن من إجهاض التحرك الفلسطيني والعربي بل والإسلامي في الأمم المتحدة فإن القضية الفلسطينية ستدخل نفقا أشد قتامة من كل المراحل السابقة وهو ما يستوجب الإسراع بعقد مؤتمر لوزراء الخارجية العرب يخصص لبحث البدائل العربية لتقديم الإسناد إلى القيادة الفلسطينية التي ما زالت صامدة في مواجهة كل هذه الضغوط ولكن لا أحد يضمن أن تستمر في صمودها وهي لا تحصل من الأشقاء سوى على العبارات البليغة والخطب الحماسية بينما الفعل يقوده الكيان وتدعمه إدارة أمريكية تسعى إلى الحصول على فترة رئاسية ثانية ولو على جماجم الفلسطينيين والعرب. السطر الأخير: أرحل فيك أنشق عطرك السرمدي أبثك أشواقي مكابدا أمواجها أطارحك قصائدي العطشى إلى ينابيعك المرتوية بالصبابة أعزفك نغما صباحيا فتنزعين من حضوري معنى الرتابة أندس بين ضفافك تحتويني أذرعك الربابة يسافر جوع يسكنني وتخذلني الكآبة elazab1@gmail.com
504
| 03 أكتوبر 2011
هل نسينا القضية الفلسطينية في ظل اشتعال ثورات الربيع العربي والتي يبدو أن قضايا الداخل المتعلقة بغياب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية تهيمن على توجهاتها؟ ربما يكون ذلك صحيحا بل هو صحيح إلى حد كبير ومع ذلك فإنها - أي القضية الفلسطينية - ما زالت تسكن الوجدان وتقيم في الذاكرة الشعبية وتشكل واحدة من أهم محاور حركة النخب السياسية الرسمية والفكرية. ولعل ما وقع في مصر من أحدات تتصل بالسفارة الصهيونية بالقاهرة في مطلع الشهر الحالي يؤكد - رغم الطابع المحلي لما جرى - أن فلسطين في القلب. ويجسد هذه الحقيقة سقف الزخم العالي في مساندة التوجه إلى الأمم المتحدة للحصول على العضوية الكاملة للدولة الفلسطينية المستقلة والذي يشهد حاليا صراع إرادات داخل أروقة المنظمة الدولية فجميع العرب أبدوا مساندتهم للخطوة وهو ما شكل عنصر إسناد قويا للقيادة الفلسطينية وهي تتابع خطواتها في نيويورك. لقد بدا الرئيس محمود عباس – أبو مازن – محملا برصيد ضخم من القوة المعنوية وهو يقدم طلب الحصول على العضوية الكاملة للدولة القادمة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون " ثم وهو يلقي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي جاء زاخرا بالحقائق بما ينسجم مع متطلبات ومحددات الشرعية الدولية ووفقا لمحددات القانون الدولي واللافت أن حديث عباس لم يتجاوز في طرحه لجملة الحقائق المتعلقة بالصراع العربي الصهيوني الثوابت الوطنية المعروفة بل إنه لم يقدم ما يمكن اعتباره جديدا فهو أعاد إلى الأذهان مبررات لجوء القيادة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة منطلقا من أن المفاوضات مع الكيان كادت تنهار بسبب مواقف حكومة نيتنياهو رغم أن الجانب الفلسطيني دخلها بقلب صادق وجرب خلالها كل الطرق لإنجاحها لكن الكيان ظل يلتف حولها عبر تكريس مشروعه الاستيطاني في الأراضي المحتلة إلى حد التفاخر بذلك وهو الأمر الذي يهدد بتقويض وضرب بنيان السلطة الوطنية وإنهاء وجودها وبالتالي هدم فرص حل تحقيق الدولتين. واستند أبو مازن في طروحاته إلى مواصلة استمرار الكيان في فرض سياسة الأمر الواقع على الأراضي الفلسطينية والدخول إلى المناطق الخاضعة للسلطة عبر عمليات القتل والاغتيال إضافة إلى تصاعد العمليات الإجرامية للمستوطنين بحماية استثنائية. ولم تفت أبو مازن الإشارة إلى التأكيد على حل قضية اللاجئين الفلسطينيين وفق القانون الدولي وإن كنت أختلف معه لأنه تركها من دون تحديد وكان من الأفضل أن يقول وفقا للقرار الدولي رقم 194 واستجابة للثوابت الوطنية والمطالبة بالإفراج عن الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال والتمسك بالمبادرة العربية للسلام ونبذ العنف ورفض الإرهاب خصوصا إرهاب الدولة وهنا أنقذ نسفه من تهمة وصف المقاومة الفلسطينية بالإرهاب وركزه على ممارسات الكيان الصهيوني التي تجاوزت كل أشكال الاحتلال على مدى التاريخ قسوة وانتهاكا لحقوق الشعب المحتل واغتيال أحلامه. إذن أبو مازن لم يقل إلا حقائق ولم يتحدث إلا الصدق معبرا عن أشواق شعب للاستقلال والتخلص من سطوة الاحتلال. أما رئيس وزراء الكيان بنيامين نيتنياهو فلم يعجبه هذا الحديث معتبرا أن ما أقدمت عليه القيادة الفلسطينية خطوة أحادية ملونا خطابه أمام الجمعية العامة بالأكاذيب والافتراءات والسطو على كل ما هو ثابت وطنيا وذلك في حد ذاته يعكس السمات الحقيقية للنخبة الحاكمة لهذا الكيان فقد حاول أن يوهم العالم أنه مد يده للشعب الفلسطيني من أجل السلام وهو ما قوبل للأسف بتصفيق من الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي يتأهب للدخول في معركة الترشح لفترة رئاسة ثانية وغيره من زعماء الغرب الذين يبدون لي في حالة خنوع واستسلام استثنائي للكيان وتوجهاته وهو ما تجلى في موقف الاتحاد الأوربي فضلا عن الولايات المتحدة لأي محاولة للحصول على الاعتراف الدولي والتركيز على المفاوضات الثنائية وهو ما سعى نيتانياهو إلى ترويجه داخل الأمم المتحدة إلى حد التمادي بالقول مهينا ومحذرا بأن السلام لن يمر من خلال القرارات الصادرة –وما أكثرها- عن المنظمة الدولية بل عبر المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين وإسرائيل فهل ثمة تبجح أكثر من ذلك ومع ذلك ينال التصفيق الأمريكي والأوربي ولاشك ثمة عدد رسائل ملغومة ومسمومة في آن عمل نيتانياهو على تسريبها للمجتمع الدولي عبر الأمم المتحدة ومنها أن الدولة الفلسطينية في غزة، وليست في الضفة، وأن الفلسطينيين يرفضون التفاوض مع إسرائيل ناسيا أو متناسيا أن الفلسطينيين وقعوا اتفاقيات أوسلو قبل عقدين تقريبا واعترفوا بحق إسرائيل في الوجود دون أن يحصلوا منها على شيء، مع أنهم ألغوا ميثاقهم الوطني….! ومن هذه الرسائل التي وجهها لرعاة السلام من الفلسطينيين والعرب هي تمسك إسرائيل بالضفة التي وصفها ضرورية لكيانه، لأنها امتداد لفضائه الجوي، وذكر أن قرار مجلس الأمن رقم 242 ينص على انسحاب إسرائيل من "أراض" عربية، وليس من الأراضي العربية المحتلة عام 1967. ومنها أيضا أن السلام أولا ثم الدولة الفلسطينية المنزوعة السلاح مقابل دولة يهودية خالصة نووية بطبيعة الحال!! وطالب الفلسطينيين الاعتراف بها معتبرا أن معاقبة الفلسطينيين لمن يبيع أرضا لإسرائيل بالتمييز العنصري، كما سخر من حق العودة، وإزالة المستوطنات من الضفة، وأكد أنه لن يكون هناك سلام من دون الاعتراف بالدولة اليهودية. إذن هي ثوابت الكيان ولاءاته والتي للأسف يمتلك القدرة على ترجمتها عمليا بفعل التراكم الطويل في الإسناد الأمريكي والأوربي له منذ نشأته في 1948 وفق نظرية النهب والاغتصاب والقتل الممنهج التي ما زال يطبقها باقتدار. والمرء تصيبه الدهشة عندما يتابع هذه القدرة الصهيونية الاستثنائية على تسويق الأكاذيب والافتراءات بحسبانها حقائق بل ويصدقها في أغلب الأحيان العالم الذي لا يؤمن إلا بقوة الأمر الواقع بينما العرب والمسلمين مغيبون في متاهات الصراعات الداخلية والفلسطينيين أنفسهم قدموا بتمسكهم الهزلي بالانقسام الذي تجاوز المدى وبشكل خاص بين فتح وحماس العون الأكبر لنيتنياهو ليكرس مشروعه الاستيطاني ويواصل نهجه في الاحتلال وتحدي الشرعية الدولية. على أي حال ما يجري في أروقة الأمم المتحدة هو صراع إرادات تحكمه معادلات القوة على الأرض وهي من حيث الشكل ليست في صالح الجانب الفلسطيني والعربي ومن ثم تبدو المراهنة على التحرك النشط خلال الأيام القليلة القادمة على مستوى الجمعية العامة التي يبدو أن ملف المسألة سينقل لها بعد الفيتو الأمريكي المتوقع والمحسوب في اللحظة الراهنة لصالح إعادة انتخاب أوباما رئيسا لفترة ثانية وظني أن أغلبية دول العالم الحر لن تبخل بالتصويت لحق شعب يطالب بدولة مستقلة ليغير قواعد اللعبة في إدارة الصراع مع الكيان ومع ذلك فإن الأمر يتطلب عدم التهاون مع مطلب تفعيل المقاومة بكل أشكالها وهو ما يستوجب بداية صياغة المشهد الوطني الفلسطيني على أسس مغايرة تقود إلى مصالحة حقيقية راسخة على الأرض مع تقديم الإسناد العربي والعون الإسلامي الحقيقي الذي يقوم على الفعل وليس الكلام والبيانات وهي المعادلة التي ما زالت سائدة في التعامل مع القضية الفلسطينية حتى الآن. السطر الأخير: أنسج وجدي من حقول عينيك فكوني ضوءا يسكن مرايا وجودي سندسا يحتويني براءة ترسم تضاريسي وحدودي أيا شهد القرى. عسجد البلاد رائحة الزنابق تتوهج فتزيح عتمة الفؤاد في انتظار مجيء أمطارك لترسم غاية المنى تعيد صياغة كتابة الميلاد elazab1@gmail.com
452
| 26 سبتمبر 2011
أدرك أن البناء يتطلب متسعا من الوقت غير أن الواقع يشير إلى أننا مازلنا نسكن منطقة الكلمات *العزب الطيب الطاهر ثمة شعور بغياب أو بالأحرى بسفر البهجة وكأنما هي تراوغنا لا ترغب في الإقامة لدينا هل نحن نجيد خصومتها إلى هذا الحد؟ ثمة ثورة في المحروسة نهضت معانقة أحلامنا في الخامس والعشرين من يناير في الحرية والخبز والعدالة. قدم المئات أرواحهم فداء لهذه الأحلام غير الآلاف الذين مازال أنينهم يتصاعد من فرط ألم فقد أجزاء من أجسادهم. وانبعث ميلاد جديد لشعب ظل قابضا على جمر الحياة على مدى ثلاثين عاما متطلعا للعتق والخروج من زمن القيود وإجهاض الأشواق إلى الكرامة. ابتهجنا بالثورة، قلنا ولى زمن القهر وحان قطاف الثمار، بيد أن الأشهر تمضي دون أن تتجسد ألوان البهجة في أرجاء المحروسة ومع أن الشمس أشرقت بعد الحادي عشر من فبراير إلا أن الغيوم والسحب مازالت تحول دون بلوغ أشعتها مراميها. هل سكنت همة الرجال؟ لا أظن. بدليل هذه المليونيات التي تطل علينا بين الوقت والآخر هل احتشد الرافضون والكارهون للشمس؟ أجل هم يحتشدون من اللحظة الأولى التي انطلقت فيها شرارتها. غير أن الرجال في البدء كانوا يترصدون لهم ويجهضون أحلامهم في العودة فما الذي جرى في المحروسة بعد هذه الأشهر التي تقترب من التسعة وهي فترة الحمل الطبيعية التي من المفترض أن ينتج عنها مولود جديد. الرأس الكبرى وثمة رؤوس أخرى معه في الزنازين والأقفاص لكن عسسهم وبصاصيهم مازالوا يقبضون على المواقع الحيوية يوجهون الأحداث يقذفون بالثورة وراء ظهورهم فثمة رجل أمن قال لناشط ثوري بعد اعتقاله: هي ليست ثورة إنها أحداث يناير وثمة رجال في دوائر نافذة تقول اللغة نفسها فأحدهم قال عندما كان يحقق مع نفر من الثوار الذين تم اعتقالهم غدرا في الشهر الثاني بعد انبثاق الثورة في وقائع مازالت غامضة بميدان التحرير: هل صدقتم أنكم قمتم بثورة؟ وإذا توقفت عند مسيرة الحرية التي انطلقت الملايين مطالبة بها عبر ثمانية عشر يوما منذ اندلاعها في الخامس والعشرين من يناير ترصد هامشها يضيق بدلا من أن يتسع ولعل آخر تجلياتها تفعيل ما يسمى بحالة الطوارئ وهو ما ينبئ عن أن الأشخاص أنفسهم في زمن مبارك مازالوا يشيرون على صانع القرار ما الذي ينبغي أن يفعله ودون تفكير يستجيب وينفذ من غير أن يدرك أن مناخا مغايرا من المفترض أن يسود في المحروسة بل يبدو لي- في ضوء الخطوات المقيدة للإعلام مؤخرا - أن ثمة محاولة لإعادة إنتاج توجهات هذا الزمن من خلال القذف بالكرة في ملاعب الآخر فهاهي الجزيرة مصر مباشر تتهم بأنها تمارس عملها من دون ترخيص وبالتالي يتعين إغلاقها بينما هي في واقع الحال كانت تقدم منتجا إعلاميا شديد المهنية افتقده الإعلام الرسمي الذي لا يمنح كوادره المهمش المطلوب من الحرية والحركة رغم كفاءتهم العالية لكن الخطوط الحمراء مازالت مقيمة في ماسبيرو حتى لو جاء أسامة هيكل الوفدي الهوية بدلا من أنس الفقي في زمن الحزب الوطني الذي كان حاكما وذلك رغم تحفظ المرء على بعض أنماط الشكل الذي تقدم به مضمونها والفاجعة الكبرى أن يسارع وزير سيادي في حكومة من المفترض أنها تنتمي للثورة إلى توجيه الاتهام لـ"دول عربية شقيقة" بتقديم تمويل لجمعيات أهلية مصرية بمئات الملايين من الجنيهات بهدف الإسهام في إثارة الفتنة والاضطرابات حتى لا تنجح الثورة المصرية وتقدم نموذجا لهذه الدول المتوجسة خيفة منها. وهكذا ببساطة عثرنا على المعضلة وقدمنا التشخيص وحددنا أسباب الداءات التي تكابدها المحروسة ومن ثم ينبغي أن نلجأ إلى العلاج اعتمادا على روشتة خارجية وهي تكاد تكون نفس الروشتة التي كان يقدمها النظام السابق لمشكلاته بما في ذلك طريقة تعامله مع مقدمات ثم وقائع ثورة 25 يناير. إنها عملية إعادة إنتاج لأسلوب لم يعد يليق تبنيه من سلطة جاءت على أكتاف الثوار وتدافعت في بداية الثورة لتصحح مسار علاقات مع دول عربية تركناها في زمن مبارك فلجأت إلى الأطراف الإقليمية والدولية كي تحقق لها منظومتها الأمنية بينما كان النظام السابق لا يقدم لها سوى الوعود وحتى تدخله في أزمة الكويت بعد احتلالها المرفوض من نظام صدام حسين جاء ضمن سياق تحالف دولي قادته الولايات المتحدة في حين أنه لو كان يتسم بالقوة والرشد السياسي لمنع تفجر الأزمة بين بلدين عربيين شقيقين أو على الأقل لحال دون غزو قوات صدام للكويت مثلما فعل الزعيم الخالد جمال عبدالناصر. فبدلا من أن نفتش عن أخطائنا في الداخل وأسباب التعثر في إدارة المرحلة الانتقالية وتجاوز نتوءات صنعها الحكام الجدد ربما لمحدودية خبرتهم السياسية أو لضيق الخيارات والبدائل المتاحة أمامهم وجهنا عيوننا إلى الخارج وتحديدا إلى دول شقيقة -على حد تعبير الوزير السيادي - وتلك سمة الفاقدين للخيال السياسي والقراءة الموضوعية للواقع واللافت أن الحديث عن الدور الصهيوني في محاولة إجهاض الثورة وشل حراكها الإيجابي وإثارة الفتنة لم يعد يرتفع في الآونة الأخيرة، وللإنصاف فإن الدكتور يحيى الجمل كان هو الذي يشير إلى هذا الدور في معظم أحاديثه الصحفية والتلفزيونية ولكن الرجل نتيجة بعض الأخطاء سرعان ما ذهب من دائرة السلطة فهل كان ذلك مقصودا؟ مجرد تساؤل. إنني قليل القراءة لطروحات ومقالات الكاتب المصري الدكتور مأمون الفندي بسبب خلفيته الفكرية والسياسية المنحازة لما يسمى بالليبرالية الجديدة وتشجيعه للتطبيع مع الكيان تحت مسمى الدعوة إلى السلام فضلا عن أشياء أخرى رغم أنه بلدياتي من جنوب مصر لكنه كتب قبل أشهر مقالا في الزميلة الشرق الأوسط دعا فيه إلى ضرورة التخلص من رجال الصف الثاني في المؤسسات الحكومية المصرية فلا يكتفي بإبعاد الرجل الأول مثلما وقع خلال الأشهر الثمانية المنصرمة من عمر الثورة بل يتعين التوجه لقيادات الصف الثاني والثالث وهي المتحكمة في إدارة المرحلة الانتقالية من حيث التخطيط والتدبير وتقديم المشورة والنصح لرجال الصف الأول ومعظمهم لا يمتلك الخبرة بوزارتهم ومؤسساتهم وهو ما أفضى إلى أن الكثيرين لم يشعروا أن ثمة تغييرا حقيقيا جرى في الدوائر الحكومية خاصة السيادية منها والتي تشرف على تسيير أمور البلاد ومكمن الخطورة هنا أن هذا الشعور بدأ يأخذ طريقه إلى من شاركوا في صناعة الثورة والجماهير البسيطة التي سارعت إلى تقديم الإسناد إليها. إن الثورة تعني في أبسط مفاهيمها التغيير الجذري بيد أن ما وقع في المحروسة حتى الآن هو تغيير لامس القشور والرؤوس فحسب. إنني أدرك أن البناء - ليس مثل الهدم - يتطلب متسعا من الوقت. غير أن الواقع يشير إلى أننا مازلنا نسكن منطقة الكلمات والأدهى أن الانقسامات طالت قوى الثورة فيما بينها وتفجرت خلافات بين الثوار والمجلس الأعلى للقوات المسلحة رغم الشعار الذي تسيد الموقف على مدى أيام الثورة وما تلاها من أحداث وهو الشعب والجيش يد واحدة وهو أمر يتعين أن نعض عليه بالنواجز فأول معول يوجه للثورة –وهو ما أخشى منه بشدة - هو اتساع الانقسامات والخلافات بين قوى الثورة والقوة الوحيدة التي ساندتها وحمتها من السقوط وحافظت على بنية الدولة المصرية بينما كانت مؤسساتها المهمة في طريقها إلى التلاشي. نحن في حاجة إلى استعادة البهجة الغائبة أو المسافرة فمازال مكانها شاغرا ونترقب أشعتها كي تهبط علينا رطبا وسلاما وأمنا واستقرارا وعودة للمحروسة وهو ما يستوجب إعادة النظر في خطواتنا لصياغة المستقبل وبلورة مكونات المرحلة القادمة بعيدا عن المنهجية واللغة والخطاب الذي كان سائدا في زمن مبارك. فللثورة محدداتها ومنهجها القائم على الشرعية الثورية التي تقود وفق ضوابط قانونية وسياسية إلى الشرعية الدستورية التي نتطلع إليها غير أن الأهم في اللحظة الراهنة هو مكابدة ما يسمى بالانفلات الأمني حتى لا يحبط كل أشواقنا للثورة وما بعد الثورة . السطر الأخير: وأنت أيا شمس وجودي انطلقي للبهجة كوني حقلا لحبوري كوني نهرا يغزل زهري وورودي كي أنسى وجعا مرسوما بدفاتر أيامي دثريني بغطاء عينيك ارزعي الحنطة بسواحلي ابني لي قصرا ببهاء وجدك أغلقي سيرة الخوف أكتبك تميمة العمر elazab1@gmail.com
513
| 19 سبتمبر 2011
نعم نكرهكم. نكرهكم بعمق. فغادروا بلادنا. اتركونا لم نحبكم من قبل ولن نحبكم من بعد. جئتم إلينا إلى عاصمة المحروسة إلى القاهرة بلا دعوة فرضتم وجودكم غير المرغوب فيه على نيلها. أصررتم على أن تكون سفارتكم في الطوابق العليا من مبنى شاهق يطل على النهر الخالد مرفوعا عليه الراية التي نمقتها والمدجنة بنجمة داوود القميئة ترفرف في فضائنا الطاهر فتدنسه. قبلناكم على مضض. لم نندفع للترحيب بكم. إلا من نفر من أصحاب المصالح الذين أغوتهم دعاية السادات الرجل الذي قدم القرابين لكم منذ أكثر من اثنين وثلاثين عاما، نرفض السفارة وكل رموزها من تطبيع وسلام زائف ولغة حاولتم فرضها علينا. رغم أن أيديكم ملطخة بدمائنا، صدق البعض منا توجهكم لما يسمى بالسلام وخاطبتنا الآلة الإعلامية للسادات ثم مبارك بأن الرخاء قادم معكم لكننا على مدى هذه العقود الثلاثة لم نلمس رخاء. بل داهمتنا الخطوب والمعضلات وتفاقمت مساحات الفقر وانتشرت الأمراض التي ساعدتم في بثها بأرض المحروسة. بفعل سعى البعض منا للحصول على بذوركم وخبراتكم الزراعية التي لم تفض إلا إلى تجريف الأرض وقتل البشر قالوا لنا إن وجودكم هنا على أرض المحروسة سيشكل بوابة للانطلاق لبناء الثقة ففوجئنا بكم أول من يخون هذه الثقة. فتزخر البلاد بعسسكم وبصاصيكم تتنقلون في الأنحاء بحثا عن المستور وتشعلون الفتن فيما بيننا وهو ما أقر به مسؤول سابق لاستخباراتكم التي تعاملت مع المحروسة بحسبانها عدوا وليس صديقا وفق ما نصت عليه الاتفاقيات معكم. لم تشأ قيادتكم سواء من اليمين أو اليسار إلا أن تدفع باتجاه تقزيم المحروسة. وإجهاض انطلاقتها وتحجيم حركتها. وساعدكم في ذلك كنز استراتيجي لكم فيها كان اسمه حسني مبارك. لم يرفض لكم مطلبا ولم يكن يغمض له جفن قبل أن يلبي كل احتياجاتكم. كان يصيبه الحبور العظيم وهو يستقبل قادتكم في القاهرة أو في الإسكندرية أو في شرم الشيخ. كان يسكنه الاكتئاب لو تغيب أحدهم عن زيارته صحيح أنه لم يقم إلا بزيارة وحيدة لعدة ساعات لأرض فلسطين المحتلة للمشاركة في جنازة قاتل وعدواني اسمه إسحاق رابين بحجة أنه كان يسعى إلى السلام بيد أنه كان متوددا لهم لا يفتأ أن يتبنى قناعاتهم وتوجهاتهم وسبلهم ويحج إلى واشنطن سنويا ليتلقى بركات العم سام مادام راضيا عن سلوكه معكم. كانت سفارتكم في عاصمة المحروسة دوما أشبه بالحية التي نتعايش معها. رغم أنها تبدو في حالة استعداد دائم للانقضاض على من حولها. كنت كلما أمر من أمامها وهو ما يحدث يوميا في طريقي من وإلى منزلي بمنطقة الجيزة. أشعر بالوجع وكثيرا ما وجهت لعناتي إلى المبنى والمعنى والعلم. لكني كنت كغيري من شعب المحروسة محترما لتعهدات وقعنا عليها ويحثنا ديننا على الوفاء بها رغم أنكم – أي قطعان بني صهيون_ لم تحترموا يوما تعهدا أو تلتزموا باتفاقية وهو ما تجلى في الإقدام على قتل الكثير من جندنا المرابضين على الحدود مع فلسطين، وكان مبارك ورجال عهده غير المأسوف عليه يطالبوننا بضبط النفس. وهو ما كان يشعرنا بالخزي والعار خاصة أن نفرا من وزرائه لم يكن صوتهم يعلوا مع أي حادثة تقتلون فيها واحدا من جنودنا أو من أبناء شعبنا بينما يرفع عقيرته محذرا ومنذرا بأغلظ الأيمان. وأحيانا بلغة غير مهذبة عندما وقعت حادثة من جند حماس رغم رفضنا لها. في سيناء حرصتم على أن تكون لكم اليد الطولى في مناطقها خاصة القريبة من فلسطين. حددتم الأفراد ونوعية التسليح ووضعتم الخطوط الحمراء فأضحت حركتنا على الحدود ضيقة وهو ما أتاح لكم القدرة على قتل أفرادنا دون شعور بأن ثمة رادعا أو من سوف يرد على هجماتكم من قبلنا. وقبل أقل من شهر لم تعيروا أهمية لأي قوانين أو أعراف سارع جندكم من قطعان بني صهيون باختراق حدودنا ولم يعبأوا بأي رد فعل. فقتلوا ضابطا وأربعة من جنودنا بدم بارد تحت حجة مطاردة المسلحين من الفلسطينيين الذين هاجموكم في عملية نوعية بمدينتا العربية المصرية - أم الرشراش – التي أطلقتم عليها زيفا وبهتانا – إيلات. لم يكن بوسع شعب المحروسة أن يصمت. بل لم يكن بمقدور حكامها الجدد تجاهل ما جرى مثلما كان يفعل كنزكم الاستراتيجي وزبانيته خلال الثلاثين عاما. فانتاب الجميع الغضب والاحتقان من فعلكم العدواني المدبر والمخطط والمقصود رغم تصريحاتكم البلهاء التي ذكرتم فيها أنه عمل غير مقصود. ومن الطريف أن أحد زبانية الحرب لديكم واسمه على ما أتذكر - إيهود باراك – سارع بالإعلان عن الأسف. غير أنه رفض على وجه الإطلاق تقديم اعتذار رسمي مكتوب لحكومتنا التي هلل نفر منها وبعض وسائط إعلامها لأسفه المجرد من كل معنى وقيمة. فتحرك شعبنا معلنا اعتصامه في محيط السفارة ونهض شباب الوطن حاملين كل عشق له وكل كراهية لكم إلى المبنى الذي تعلوه رايتكم المدجنة بنجمة داوود المقيتة فاعتلى شاب نهاية المبنى وأنزل الراية. ووضع في مكانها راية المحروسة ولأول مرة تهب النسمات لتحركها فتخفق في الفضاء وتشرق في ليل القاهرة ويرقص النيل طربا. وكأنما ثمة من يريد أن ينغص علينا بهجتنا. فسارع نفر من حكومتنا التي مازال بعضهم يدين بالولاء لمبارك وعصره إلى بناء ما أطلق عليه بالجدار العازل. لتأمين مقر السفارة الممجوجة وجاءت الحافلات الضخمة بليل محملة بقطع الجدار الست والثلاثين وأنهوا تركيبها في غضون ليلتين فسارع شبابنا إلى صبغها بألوان راية الوطن وكتبوا عليها العبارات المنددة بقطعان بني صهيون لكنه ظل - أي الجدار - عنوانا على استفزاز متعمد لنا. فجاءت ليلة الجمعة الفائتة وسارع شبان إلى هدم الجدار. وبدا لهم الأمر وكأنهم يحطمون مبنى السفارة المكروهة ذاتها بل إن أحدهم انتابه شعور بأن يحطم الجدار الذي صنعه القطعان بين الضفة الغربية وفلسطين. انتابت الجميع نشوة غريبة فحملوا المطارق والتي لا أدري كيف توافرت لهم في سرعة مدهشة وانطلقوا يحطمون قطع الجدار ولم تمض سوى ساعات قصيرة حتى أتوا عليها دون أثر وجاء الغسق. فتهادت بهجة تحطيم الجدار في النفوس المتوهجة والتي سارع بعضها إلى تقرير اقتحام المبنى والمعنى والرمز والعلم. وبعد فترة وجيزة كانوا في الطوابق العليا من المبنى الشهير فدخلوها وحطموا الأسطورة. وأنزلوا الراية المدجنة بالنجمة وارتفع علم الوطن وسقطت الأوراق السرية من علو شاهق تلقفتها النفوس المسكونة بالأشواق في رحيل السفارة لأنها تكرهكم ومازالت. صحيح أنه من المنظور القانوني. ثمة أخطاء في الفعل بحكم ارتباطاتنا التعاهدية لكنه هو بالأساس رد فعل على العدوان المتكرر والصلف المتواصل. واللافت أن أوباما الرئيس المعجزة على وزن الطفل المعجزة سارع بمطالبة السلطات المصرية إلى توفير الحماية للسفارة بينما لم نرصده يركض بمثل هذه السرعة مطالبا قطعان بني صهيون لوقف عدوانهم على جند مصر وقتلهم لجنودها على الحدود وحسنا فعل المدعو سفيركم مستجيبا لطلب حكومته باستدعائه ومغادرته القاهرة فجر أمس الأول. وأتمنى أن يكون ذهابه دونما إياب وأن يستوعب الدرس. فهو ضيف غير مرغوب فيه وزائر ثقيل الظل هو وكل أركان سفارته وكل من يحمل نجمة داوود رمزا وعنوانا وحلما "نكرهكم فارحلوا ". إنها أغنيتنا التي سنرددها في كل موقع بالمحروسة احفظوها جيدا حتى لا تفكروا في العودة إلى نيلنا وشمسنا وفجرنا الذي انبثق في الخامس والعشرين من يناير. السطر الأخير: أيتها المحبوبة الساكنة بضلوعي لن ترحلي من تخومي بل أنت حدودي ووطني والمنفى الذي أحن إليه بهجتي ودموعي لك وحدك عشقي ومقامي ولك من قلبي محبة لا تمحى وسلامي elazab1@gmail.com
589
| 12 سبتمبر 2011
لجوئي إلى استخدام الرمز التاريخي للإمبراطورية العثمانية وهو مقر خلافتها في اسطنبول والذي كان يطلق عليه الباب العالي لا يعكس حالة حنين إلى منهجية الحكم التي كانت تستند إليها هذه الإمبراطورية الإسلامية خاصة في عقودها الأخيرة والتي أفرزت حالة من الانقسام والضعف والهشاشة مما سمح للقوى الكبرى في ذلك الزمان البعيد بالانقضاض على جسدها وتمزيقها إلى دويلات وتوزيعها بين قبائل أوروبا بقدر ما تجسد رغبة قوية في استعادة الفعل الإسلامي القوي والموحد في التعامل مع الأعداء والخصوم والذين يتباهون بغطرسة القوة مثلما يفعل الكيان الصهيوني منذ تأسيسه على أيدي القوى الأوروبية أيضاً مضافا إليها القوة البازغة الجديدة الولايات المتحدة في العام 1947 ثمة صحوة لاشك لدى الباب العالي والكائن حاليا في أنقرة وليس اسطنبول والتي تشكل عنصر الإسناد القوي تاريخيا وحضاريا لرجب طيب أردوغان الرجل الذي يتربع على عرش الباب وإن تغير مسماه إلى مقر رئاسة الوزراء بالدولة التركية في انطلاقتها الجديدة التي تحققت مع وصول حزبه العدالة والتنمية إلى الحكم في مطلع الألفية الجديدة وهذه الصحوة لا تتوقف عند حدود الداخل بكل تفاعلاته وتشابكاته بل وتعقيداته وتحقق على هذا الصعيد مردود شديد الإيجابية يلمسه المواطن التركي البسيط قبل النخب في ظل حالة من النمو الاقتصادي الذي يلبي متطلبات الأغلبية فضلا عن حالة الشفافية السياسية ودرجة مقبولة من الأمن بما في ذلك الأمن الاجتماعي. لكن ما يعنيني بالدرجة الأولى هو ما يحققه الباب العالي الجديد تحت حكم رجب طيب أردوغان من فتوحات في السياسة الخارجية وبالذات على صعيد العلاقات مع الكيان الصهيوني وهو ما ينطوي على رسائل واضحة في كيفية إدارة الصراع مع هذا الكيان خاصة بالنسبة للنظام الإقليمي العربي وفي صدارته الدولة المصرية التي تشكل القطب الأهم في هذا النظام. ففي خلال الساعات الثمانية والأربعين الأخيرة أقدم الباب العالي على قرار مذهل يتمثل في طرد سفير الكيان الصهيوني من أنقرة وتخفيض مستوى تمثيله إلى درجة سكرتير ثان فضلا عن وقف العمل بالاتفاقيات العسكرية والتي كانت تشكل العمود الفقري للعلاقات بين الطرفين على العقود الخمسة المنصرمة الأمر الذي يخلق في تقديري معادلة جديدة بوسعها أن تتدحرج ككرة الثلج في المنطقة العربية والتي هي في أشد الحاجة إلى مثل هذه المعادلة لتتخلص من عقد سنوات طويلة ظل فيها الخوف من قوة هذا الكيان ومن يقف وراءه هاجسا يحول دون أي إجراءات رادعة ضده حتى في حالة عدوانه الواضح على الأرض والبشر والحدود لم يخش الباب العالي الجديد من ردود فعل من داخل الكيان أو من القوى الكبرى وبالذات الحليف الأكبر له الولايات المتحدة أو حتى من شركائه في حلف شمال الأطلسي (الناتو). كان يهمه هو الرد على محاولة النيل من الكرامة والسيادة والوطنية التركية ووصل الأمر بوزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو إلى التأكيد على أنه: "لا عودة إلى العلاقات الطبيعية قبل أن تقبل إسرائيل بالمطالب التركية " والتي تتمثل في الاعتذار الرسمي وتقديم تعويضات للضحايا الأتراك. وجاء هذا الموقف القوي من قبل الباب العالي تعقيبا على تقرير الأمم المتحدة الأخير بشأن الممارسات الإجرامية التي أقدمت عليها قوات الاحتلال الإسرائيلية في حق أسطول الحرية في مايو من عام 2010 والذي شارك فيه قرابة 750 ناشطا ممثلين عن أكثر من 50 دولة بينهم أكثر من 10 من أعضاء المنتدى والتي أسفرت عن قتل أكثر من 19 من بينهم 9 أتراك وإصابة أكثر من 26 من المتضامنين. واللافت أن هذا التقرير بكل ما انطوى عليه من انحياز واضح لرؤية الكيان الصهيوني خاصة فيما يتعلق بوصفه لحصار غزة بأنه أمر مشروع لم يحالفه الصواب ويسيء لسمعة الأمم المتحدة ويشجع على العدوان والحرب ويمكن أن تتخذه إسرائيل ذريعة لاستمرار حصار غزة ولعل ذلك هو ما دفع الموقف التركي إلى تبني هذه الجملة من القرارات القوية والجريئة والتي لم يتوقعها قادة الكيان والقوى الكبرى والتي سارعت إلى وقف ما وصفته بالتدهور في العلاقات التركية الصهيونية دون أن تقف عند أصل المعضلة المتمثلة في الشراهة العدوانية التي امتدت إلى مواطني دولة صديقة بل واعتبرت في بعض المراحل من حلفاء الكيان قبل حكم حزب العدالة والتنمية الذي أسس لمرحلة مغايرة في أشكال التعاون مع الدولة العبرية وضعتها في مكانها الصحيح بحسبانها مجرد دولة عدوانية ومن تستحق تعاملا قويا في الرد على شراهتها العدوانية التي لم تتوقف عن التمدد أفقيا أو رأسيا وكان آخر تجليات تلك الشراهة اختراق الحدود المصرية وقتل ضابط وأربعة من الجنود بحجة ما وصفته قوات هذا الكيان بأنه مطاردة لعناصر مسلحة دخلت الأراضي المصرية بعد قيامها بالعملية الفدائية النوعية في مدنية إيلات مؤخرا. وثمة تساؤل أظنه مشروعا: ألا يدعو هذا الموقف أمة العرب إلى الاقتداء بالنموذج التركي؟ وحتى أكون أكثر وضوحا ألا يدعو تحديدا صانع القرار في مصر الدولة المحورية في هذه الأمة إلى أن تتحرك وفقا لهذا النموذج؟ ومحاولة للإجابة سأقتبس بضعة سطور من بيان لحزب تحت التأسيس اسمه "التيار المصري" والذي أصدر بيانا دعا فيه السلطة الجديدة في المحروسة والتي تتمثل في المجلس الأعلى للقوات المسلحة وحكومة الدكتور عصام شرف إلى الاقتداء بالنموذج التركي في إدارة ملف العلاقات الدبلوماسية الدولية والإقليمية بحيث تكون كرامة وسمعة وسيادة مصر هي العليا فوق أي مصالح عاجلة. وذكر البيان أن الأمم ذات العزة والكرامة لن تعدم أن تجد وسيلة للحفاظ على هيبتها وسيادتها ضد من تسول له نفسه أن ينتهك أيا منهما دون الدخول في الحرب، ولا يوجد عاقل في هذا العالم ينادي بالحرب أو يمهد لها إلا في حال انسداد كل الطرق والمسالك لاستعادة الحقوق. وأضاف "أن الدم التركي ليس أغلى من الدم المصري كي يجد من يثأر له، فكل الدماء عند الله سواء" وتابع: "إن السفينة التركية التي هوجمت في البحر ليست أطهر عند الله من أرض سيناء ورمالها المقدسة التي رواها الآباء والأجداد وجنود مصر وضباطها من دمائهم الزكية كي يستردوها ويطهروها من النجس الإسرائيلي". ماذا يعني ذلك؟ إن رسالة الباب العالي في أنقرة تدعو بوضوح إلى تجاوز المواءمات السياسية التي تقود إلى الإجهاز على صدقية الإرادة الوطنية ومن ثم فإن مصر مطالبة بتبني قرارات أكثر قوة وجرأة مما تم اتخاذه في الرد على الفعل العدواني الصهيوني على حدودها ومقتل جنودها مؤخرا تتمثل في ضرورة طرد السفير الصهيوني من عاصمة المحروسة والإسراع بسحب السفير المصري من تل أبيب ووقف كافة أشكال التطبيع التي ما زالت قائمة سواء على مستوى تصدير الغاز الطبيعي إلى الكيان أو عبر اتفاقية الكويز التي يتشارك بمقتضاها رجال أعمال مصريون مع نظراء لهم في الكيان لتصدير منتجات إلى الولايات المتحدة أو غيرها من الأشكال لن أطالب هنا بالسعي إلى إلغاء اتفاقية كامب ديفيد والتي شكلت على 32 عاما نقطة اختراق للأمن القومي المصري بفعل ما تحتوي عليه من بنود جائرة خاصة فيما يتعلق بوجود القوات المسلحة في سيناء فقناعتي أن الوقت ليس ملائما لمثل هذه الخطوة والتي يمكن أن ينظر لها الكيان بحسبانها إعلان حرب ولكن يمكن الضغط بقوة باتجاه تعديل بعض بنودها على نحو يعيد السيادة الوطنية الكاملة على أرض الفيروز سيناء ترقبا ليوم أنا على يقين بأنه آت تلغى فيه هذه الاتفاقية وتستعيد مصر توهجها وإشعاعها القيادي والحضاري على المنطقة. السطر الأخير: أيا عصفورة القلب اسكني في العش لا تبارحيه لا تقذفي بأوراقنا الخضراء كوني سرا للبهجة ولسانا ذاكرا بالمحبة فأنا المغني بحديقة قلبك جئتك عاشقا من بلاد نائية الأطراف ملتمسا شعري في عينيك باحثا عن سندسي فيك قلت إنك المبتدى والمنتهى فكوني ضوءا لا عتمة يؤويني elazab1@gmail.com
1134
| 05 سبتمبر 2011
دعني أحيطك علما ياسيدي الرئيس أنني واحد من كتيبة ظلت تدافع بقلمها وفكرها عن دور سوريا القومي وفي صدارة قوى الممانعة في مواجهة دوائر ظلت تسعى باستمرار إلى تقزيم هذا الدور وإجهاض فعاليته لمصلحة الكيان الصهيوني وقد زرت دمشق مرتين في عهد الراحل والدك الرئيس حافظ الأسد في مطلع التسعينيات من القرن الفائت بصحبة الزميل أحمد علي رئيس تحرير صحيفة الراية وقتذاك وعدت إلى الدوحة محملا بعشق هذه المدينة وتاريخها وكان من حسن حظنا أننا كنا أول من حصل على مضمون الموقف الرسمي السوري تجاه الخوص في عملية السلام وفقا لمحددات مدريد بعد أن أجرينا سلسلة من اللقاءات مع كبار مسؤولي هذه الفترة بعضها كان للنشر وبعضها الآخر كان للفهم. ودعني أحيطك علما يا سيدي الرئيس أن سوريا تسكن في عمق وجداني فهي كانت الإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة في الفترة من العام 1958 وحتى العام 1961 وهي الفترة التي شهدت إطلاق أول دولة وحدوية في التاريخ العربي المعاصر ولكنها تعرضت لمؤامرات الداخل والخارج فتم إسكات صوتها مبكرا ولم يكتب لها الاستمرار خوفا من تأثيراتها الإستراتيجية خاصة على صعيد إدارة الصراع مع الكيان الصهيوني وشخصيا ما زلت أحمل في أعماقي فيضا من المشاعر لهذه الفترة خاصة لهذا الشعب الذي حمل سيارة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر أبان إحدى زياراته لـ" الشام " وهو الاسم الذي يطلق على دمشق وخلال فترة عملي بالدوحة التي استمرت زهاء العشرين عاما كانت السفارة السورية واحدة من أهم السفارات التي أتعامل معها بأريحية سواء على الصعيد المهني أو الصعيد الإنساني كنت أرتبط بعلاقات وثيقة مع معظم القائمين بالأعمال والسفراء خلال هذه الفترة انطلاقا من محبتي للإقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة. ظللت في كتاباتي متبنيا مواقف سوريا الوطنية والقومية ولا أخفيك أنك عندما جئت رئيسا لم أعترض كثيرا في قرارة نفسي رغم أنك كنت أول من كرس نظرية التوريث في النظم الجمهورية فقد كنت على قناعة بأن سوريا في حاجة إلى استقرار يجنبها السقوط في براثن اضطرابات داخلية تؤثر على هذه المواقف في ظل قيادتها المواجهة مع الكيان الصهيوني والتي كانت تأخذ أشكالا غير مباشرة وبالذات في لبنان. كان يهمني ويهم غيري من الغيورين على الدور السوري الممانع المحافظة على الجيش السوري حتى يمتلك القدرة على تحرير الجولان المحتلة منذ أكثر من أربعين عاما في الزمان الذي يراه مناسبا. ولا أخفيك أنني تفاءلت بك كثيرا بعد أن تابعت تصريحاتك وخطاباتك عن الإصلاح والدخول في مرحلة مغايرة باتجاه بناء نسق جديد يقوم على احترام حقوق الإنسان وتطهير البلاد من الفساد وتحقيق شكل ديمقراطي يتناسب مع الخصوصية السورية التي أقدرها وكنت أتطلع مع غيري من المحبين لسوريا :الوطن والدور. إلى بلورة هذه الرؤى في خطوات عملية وهو ما تم على استحياء للأسف ولكن كنا نحاول أن نعثر على مبرر بأن حالة المواجهة المستمرة التي تعيشها سوريا مع الكيان تتطلب التحرك بتأن في هذا الاتجاه. لكنني يا سيدي الرئيس فوجئت مثل غيري - بعد أكثر من عقد على توليك الموقع الأول في سوريا - أن الأمور تراوح مكانها ولا أدري ما سر ترددك في الإقدام على خطوات تعيد التوهج إلى الشام وبقية مدن الوطن على نحو يصبغ الوجوه بالابتسامات بدلا من الخوف والشعور بالقهر الذي تمارسه الأجهزة الأمنية صحيح أن سطوتها في عهدك تخففت بعض الشيء من وضعيتها خلال حكم والدك حافظ الأسد لكن قرارها ظل هو المهيمن على المشهد السوري. لم تبادر يا سيدي مع صحوة الشعوب العربية إلى تبني وعودك أنت لتتجاوب مع مطالب الشعب السوري التي بدأت كغيرها بالدعوة إلى تحقيق الإصلاحات الداخلية والتخلي عن بعض رموز الحكم التي تمارس الفساد بكل تجلياته فضلا عن القهر باسمك طالبوك فلم تستجب ومع تصاعد المطالب سارعت بإدخال الجيش في مواجهة مع الشعب وتلك أم الخطايا فهذا الجيش هو جيش الشعب ومهمته الأولى محددة بالدفاع عن الوطن وتحرير الأجزاء التي ما زالت محتلة من قبل الكيان، سوق أركان النظام وأنت شخصيا لمقولة الجماعات الإرهابية المسلحة ولكن حتى مع صحة هذا التسويق فإن مواجهة هذه الجماعات لا تكون بتصويب فوهات المدافع والدبابات وكل الأسلحة الحديثة- والتي كنت أظن أن النظام يجهزها للمواجهة المنتظرة مع العدو القابع على بعد أميال محدودة من دمشق- إلى صدور الشعب الأعزل. وإنما تكون ببضع قوات من الأمن الداخلي ولكن يبدو أن هذه المقولة لم تكن إلا محاولة للالتفاف على المطالب الشعبية المتصاعدة بتحقيق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وبناء الدولة الحديثة التي لا تقوم على القهر. أطلقت العنان لجند الشام ليقتلوا ويذبحوا أشقاءهم وخرجوا في طوابير ممتدة لاقتحام المدن والبلدات على نحو يشبه ما يفعله جند العدو في فلسطين والجولان ولبنان في فترات سابقة. لماذا يا سيدي تقدم على ارتكاب أم الخطايا كيف نصدق أن جيش الشام سيكون قادرا على مواجهة العدو بعد أن أنهكته في مواجهات مع شعبه بما في ذلك الأطفال وتلك سبة في جبينك ياسيدي؟ وهو ما يدفعني إلى القول : إن هذا الفعل بالذات يصب في مصلحة العدو بالدرجة الأولى والذي ضمن حياديته في أول مواجهة قادمة معه وكنا – أنا وغيري من عشاق الشام - نظنه بمثابة الاحتياطي الإستراتيجي العربي في معاركنا الفاصلة مع الكيان والتي ستأتي بالتأكيد يوما ما. إنني أخشى يا سيدي على جيش الشام إن استمر عنادك في الاستجابة لمطالب شعبك والتي لم تعد تقف عند حدود الإصلاحات الجزئية التي تجاوزتها الهتافات والدماء المسفوكة والشهداء الذين عطرت أرواحهم الذكية طرقات المدن والبلدات والقرى السورية. أخشى أن يتوافق المجتمع الدولي على ضرب هذا الجيش وهو ما سيحقق مصلحة الكيان الصيهوني والولايات المتحدة بالدرجة الأولى بحجة أنه مستمر في قتل المدنيين وفقا للنموذج الليبي والذي يبدو أنك ماض فيه عمدا مع سبق الإصرار فأنت تتعامل مع شعبك بمنطق معمر القذافي باعتباره يستحق الإعدام والقتل مقابل بقائك في السلطة بيد أن إرادة الشعوب باتت -وفي ضوء التجربة المصرية والتونسية والليبية- غير قابلة للاختراق حتى ولو طال أمد القهر والقتل فيها. إن الحتمية التاريخية تقول إنه ليس بوسع الحكام فرض سطوتهم على الشعوب بمنطق القوة فهي قادرة على تقديم المزيد من الشهداء مقابل استعادة حقها في امتلاك مقدراتها وهو ما يبدو أنك لم تستوعبه بعد وأخشى أن تفعل ذلك بعد فوات الأوان مثلما فعل كل من زين العابدين بن علي وحسني مبارك وكلاهما تعامل مع إرادة شعبه بمنطق التعالي والجفاء وانتهاك الحقوق. يا سيدي أسرع بقيادة ثورة ضد نظامك، انس مسألة الإصلاحات، قل لشعبك إنك أخطأت وإنك ترغب في إنهاء أوضاع قادت إلى قتل أبنائه، حاسب من أضلوك وضللوك وأبعدوك عن نبض الشعب فسكنت قمة عالية بينما شعبك يقبع في وديان القهر والصمت والأرض الجرز ( التي لا تنبت) تعاليت عليهم بعد أن ضخمك المحيطون بك وأدخلوك الدائرة الجهنمية التي يسكنها معك أشقاء وأصهار لك ونخبة من المستفيدين. ياسيدي ثر أنت. تحرك باتجاه الجماهير الثائرة. اذهب إليها. عانقها. تبن مطالبها. قل لهم : إنك منهم. وإلا فاذهب قبل أن يجتاحك طوفانها مثلما فعلوا مع عقيد ليبيا ظل ينظر لشعبه باعتباره مجموعة من الجرزان ولكنه بعد ستة أشهر فحسب من عدم الفهم والتصديق أصبح جرزا لا يقدر على إبراز رأسه من جحره الذي لا يعلمه أحد. السطر الأخير: في آخر أيام الشهر أدعوك يا الله أن تتقبل مني صوما وقياما ودعاء وجهته لمقامك الأعلى أن تحمي أمتك الثكلى المسكونة بقهر الحكام القتلة المأجورين على سفك دماء عبادك انصرهم يا الله اهزم عدوهم يا جبار كما هزمت من قبل فرعون وهامان لا تذر في دنيانا من يقبض على سلطة دون عدل لا تبقي من يحول دوننا والحرية اخفض مقامه امنحه الذل elazab1@gmail.com
492
| 29 أغسطس 2011
ثمة خيارات لتوفير رد يشعر الكيان الصهيوني معه بأنه ارتكب حماقة لا تغتفر وضع الكيان الصهيوني السلطة الجديدة في مصر والتي يمثلها المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مأزق حقيقي بهذا العدوان السافر (دعوني أستخدم لغة الخمسينيات والستينيات من القرن الفائت) والذي راح ضحيته استشهادا يوم الخميس المنصرم ضابط في الجيش المصري وعدد من جنود الأمن المركزي فضلا عن إصابة عدد آخر في محاولة تتسم بالخبث لوضع المجلس والقيادة العسكرية في مواجهة مع الوضعية الثورية التي تعيشها مصر وتتصدرها مشاعر العزة والكرامة الوطنية وأظن أن بنيامين نتنياهو رئيس حكومة هذا الكيان يسعى من وراء هذا المنحى العدواني إلى إظهار عجز السلطة الجديدة عن الرد على هذا الاستفزاز وهو ما يجعلها عرضة للانتقاد من قبل القوى والحركات الثورية إلى جانب الأحزاب السياسية المختلفة التي هبت عن بكرة أبيها رافضة للعدوان ومطالبة باتخاذ إجراءات صارمة للرد عليه وإن لم يصل الأمر إلى حد المطالبة بعمل عسكري. إن قادة الكيان يدركون أن المؤسسة العسكرية المصرية مشغولة بهموم الداخل بعد أن أوكلت إليها مهمة إدارة المرحلة الانتقالية ومن ثم لن يكون بمقدورها أن ترد بعمل عسكري على هذا العدوان حتى لو توافرت لها إمكانية القيام بذلك وهو ما يقلص من ثقة الشارع فيها وفق المنظور الصهيوني الذي يهمه بالدرجة الأولى "تفجير" العلاقة بين الشعب المصري وجيشه الذي يحظى باحترامه وتقديره. لقد استعاد الشارع المصري بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير عافيته الوطنية والتي كادت أن تطمس على مدى العقود الثلاثة الماضية من حكم الرئيس السابق حسني مبارك والذي كان يوصف بالنسبة للكيان الصهيوني بأنه كنز إستراتيجي بحكم ما قدمه من خدمات له أسهمت في توسيع نفوذه الإقليمي وتحولت مصر في عهده إلى مجرد رقم في المنطقة دون أن تمتلك القدرة على التأثير في مسار الأحداث والتطورات التي كان الكيان يستحوذ عليها على نحو أو آخر ولعلنا نتذكر ردود الفعل السلبية التي كانت تتسم بالهشاشة والضعف والخنوع على أي فعل عدواني صهيوني سواء ضد مصر أو ضد الفلسطينيين أو ضد دول عربية أخرى والتي لم تتجاوز عبارة ضبط النفس بينما كانت الآلة الإعلامية والسياسية لنظام مبارك تتحرك بقوة وفاعلية تجاه تصرفات لا تقبل بها من حركة مثل حماس أو حزب الله. ولاشك أن قادة الكيان الصهيوني بعدوانهم الأخير على جنود المحروسة في أرض الفيروز- سيناء – أرادوا أن يقولوا للسلطة الجديدة والحكام الجدد في مصر والذين أفرزتهم ثورة الخامس والعشرين من يناير: ماذا أنتم فاعلون لنا؟ هل بوسعكم أن تردوا أو تنتقموا؟ خاصة بعد أن وصلت وحدات من الجيش المصري إلى قرب المناطق الحدودية مع فلسطين المحتلة في مسعى للقضاء على الاضطرابات الأمنية التي شهدتها منطقة العريش في الآونة الأخيرة. بالطبع فإن تقدير المؤسسة العسكرية المصرية للموقف لن يستند إلى محددات عاطفية تتفاعل مع مطالب القوى الثورية التي طالبت برد سريع وحاسم وصارم على العدوان الصهيوني ولكنه سيتكئ بالضرورة على قراءة لجوهر الارتباط التعاهدي بين مصر والكيان المتمثل في اتفاقية كامب ديفيد والتي أعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعد توليه السلطة في أعقاب سقوط نظام مبارك التزامه ببنودها وإن كان البعض من القانونيين المصريين يرى أن العدوان الأخير يشكل اختراقا واضحا لهذه الاتفاقية كما سيتكئ على قراءة للواقع السياسي الإقليمي والدولي فضلا عن أبعاد الوضع الداخلي الذي يمور بالمتغيرات والتفاعلات التي تشكل قوة معنوية دافعة بلاشك لكنها لا توفر الإسناد اللوجستي في حالة اتخاذ قرار بالتعامل عسكريا مع العدوان الصهيوني خاصة في ظل حالة التفكك التي تتسم بها مؤسسات الدولة المصرية في المرحلة الانتقالية مع غياب سلطة سياسية قادرة على تحديد المواقف بوضوح واتخاذ قرارات تتحمل مسؤوليتها وأعباءها. ومع ذلك يمكن القول إنه في حالة استبعاد الرد ذي الطبيعة العسكرية والذي يبدو غير ممكن في المرحلة الراهنة لاعتبارات داخلية وإقليمية تبدو ثمة خيارات أمام السلطة القائمة لتوفير رد يشعر الكيان بأنه ارتكب حماقة لا تغتفر في ظل التزامها باستمرار العلاقات معه رغم الرفض الشعبي وتتمثل هذه الخيارات فيما يلي: أولا: السعي إلى إجراء تغييرات جوهرية في اتفاقية كامب ديفيد مع الكيان والتي مضى على توقيعها أكثر من ثلاثين عاما وتوفر الكثير من الميزات لمصالح هذا الكيان على حساب المصالح الوطنية المصرية وذلك يستوجب اللجوء إلى خبراء في القانون الدولي يوفرون الحجج والبراهين المطلوبة لإجراء هذه التغييرات خاصة فيما يتعلق بالوجود الدائم للقوات المسلحة وتسليحها في سيناء على نحو واضح لا يجعل هذا الوجود مرتبطا بالتطورات مثل الأحداث الأخيرة في العريش. لقد رفع المتظاهرون مساء يوم الجمعة الماضي أمام مقر السفارة الصهيونية المطلة على نيل القاهرة وجامعتها العريقة شعار" الشعب يريد إسقاط كامب ديفيد "وهو مطلب عادل لكنه يتطلب توافر مقومات غير متاحة الآن لأن إسقاط هذه الاتفاقية يعني بالضرورة إعلان حالة الحرب مع الكيان وهو أمر لا تطيقه مصر في الوقت الراهن ومن ثم فإن خيار تعديل الاتفاقية هو الأقرب للواقع ويمثل في الوقت ذاته ورقة ضغط قوية يمكن توظيفها وفق محددات القانون الدولي بما يخدم المصالح الوطنية المصرية. ثانيا: المسارعة إلى الطلب من السفير الصهيوني إلى مغادرة القاهرة وعدم الاكتفاء باستدعائه لوزارة الخارجية المصرية وفقا لقرارات المجموعة الوزارية لإدارة الأزمة فجر أمس وإصدار قرار واضح بسحب السفير المصري من تل أبيب بدلا من حالة الغموض التي أحاطت بهذه المسألة في ضوء بيان بثه موقع التواصل الاجتماعي التابع لمجلس الوزراء المصري لكن البيان الرسمي للاجتماع المذكور لم يشر إلى هذه الخطوة بل إن مصدرا بمجلس الوزراء المصري أفاد بأن هذه الخطوة تأتي في مرحلة تصعيدية لاحقة إذا ما عجزت الخطوات الحالية عن تحقيق ردع للكيان. إن ما وقع من عدوان على جنود مصر وداخل حدودها يجعل من المنطق أن تطالب حكومتها وفق الأعراف الدبلوماسية والقانونية بالقيام بهذه الإجراءات خاصة أن ثمة ضبابية تبدو في الموقف الصهيوني الذي تعمد أن يظهر الأمر وكأنه مجرد خطأ غير مقصود وأنه لم يكن في نية قواته الإقدام على قتل الضابط والجنود المصريين الخمسة صحيح أن السلطة الجديدة أعربت في بيان رسمي لها الجمعة الفائتة عن احتجاجها على العملية العسكرية الصهيونية بلهجة قوية سواء في بيان المجلس العسكري أو في بيان المجموعة الوزارية لإدارة الأزمة والتي أعلنت أنها في حالة انعقاد دائم لمتابعة تداعيات العدوان وطالبت بإجراء تحقيق شامل بشأنها من قبل سلطات الكيان بيد أن ذلك لم يلب أشواق الوطنية المصرية المتصاعدة بعد ثورة يناير لامتلاك ناصية العزة والكرامة الحقيقية خاصة أن مثل هذا الموقف كانت تنتهجه دبلوماسية وزير الخارجية الأسبق أحمد أبو الغيط ومن ثم فإن الخطوة القوية المطلوبة كحد أدنى في هذا الصدد تتمثل في طرد السفير الصهيوني من القاهرة وسحب السفير المصري من تل أبيب بشكل واضح. ثالثا: الإسراع إلى إلغاء اتفاق تصدير الغاز الطبيعي المصري إلى الكيان والذي يمثل بكل المعايير إضرارا بالمصالح الاقتصادية للبلاد في ظل الأسعار المتدنية التي كان يحصل عليها الكيان على مدى العقدين الماضيين خاصة بعد أن ثبت أنه لا يوجد بند في اتفاقية كامب ديفيد ينص على ضرورة أن توفر مصر هذه السلعة الإستراتيجية والتي قدمها مبارك لحلفائه في الكيان ضمن منظور ضيق الأفق للمصلحة الوطنية وهو شكل واحدة من أهم قضايا الفساد التي يحاكم عليها لأن التوصل إلى اتفاق بشأنها كان بقرار مباشر منه وفقا لاعترافات وزير البترول السابق سامح فهمي النزيل بسجن طرة ضمن رموز حكم مبارك. وفي تقديري إذا ما تمكنت السلطة الجديدة بمصر من الاستجابة لهذه المطالب فإنها بذلك ستحقق نقلة نوعية في التعاطي مع كيان لا يفهم غير لغة القوة والحسم والردع والتي ليس من الضروري أن تتيحها عملية عسكرية مباشرة ردا على عدوان الخميس الفائت وإنما يمكن لبعض الإجراءات السياسية والاقتصادية والتي تتجاوب مع مطالب الحد الأدنى للشارع المصري الثائر أن تلحق الضرر بمصالح الكيان على نحو يجعله ألف مرة قبل أن يفكر في إعادة إنتاج عدوانه على المحروسة. السطر الأخير: في حضرة من أعبد أشواقي لفيض الرحمة لا تتوقف فأرجوك يا ربي امنحني عفوك ورضاك أسكنني بحدائق عافيتك ارزقني الفناء فيك ادفع أنوارك لتزيح العتمة من قلبي هبني من لدنك إشراقا يسكن دربي أنا عبد التهمته دنيا فانية أبعدته عن سبلك لكني الآن أدعوك فلب elazab1@gmail.com
450
| 22 أغسطس 2011
يبدو لي أن قدرا من تيبس المشاعر وتحجر القلوب يسكن أطراف الأمة التي تتابع تقارير وصور المجاعة المستشرية بأرض عربية مسلمة هي الصومال دون أن يتحرك لها جفن رغم أن تعداد شعوبها يتجاوز المليار و300 مليون مسلم منتشرين في أنحاء المعمورة ويمتلكون الثروات والإمكانات الهائلة. بالطبع يتعين علي أن أستثني حتى الآن مبادرات قطر والسعودية والإمارات والكويت وتركيا وإيران ومصر والتي سارعت حكوماتها ومؤسساتها الخيرية إلى تخصيص مبالغ مالية وإرسال مساعدات عاجلة عبر الطائرات إلى مقديشيو للمساهمة في تخفيف المعاناة حتى حين كنت ضيفا في برنامج قضية ساخنة بقناة الكوثر الإيرانية الفضائية والذي خصص حلقة مساء الخميس الماضي لمناقشة أزمة المجاعة بالصومال ولفت انتباهي إشارة أحد ضيوفه إلى غياب المجتمع الدولي خاصة الولايات المتحدة وغيرها من دول العالم المتقدم عن تقديم العون للشعب الصومالي في محنته فاستنكرت الطرح وقلت لمحاوري: إننا لسنا في حاجة إلى هذه الدول فالأمة لديها من المقومات ما يتيح لها إمكانية إنقاذ هذا الشعب لكن يبدو أن الإرادة السياسية ما زالت هي الغائبة. ذلك يدعوني إلى ضرورة أن يعمل الاجتماع الطارئ للجنة التنفيذية لمنظمة التعاون الإسلامي والتي تضم عددا من وزراء خارجية الدول الأعضاء بالمنظمة والذي سيعقد بعد غد الأربعاء باسطنبول بدعوة من الحكومة التركية إلى توفير وسائل تفعيل هذه الإرادة حتى تتحرك مفردات الأمة بقوة لإنقاذ شعب معرض للإبادة في ظل استمرار المجاعة التي تنتشر في أغلب مناطق وسط وجنوب الصومال والتي تفاقمت وضعيتها بعد التقارير التي أشارت إلى بدء انتشار مرض الكوليرا نتيجة استخدام السكان للمياه الملوثة وتشير آخر الإحصاءات إلى أن هناك زهاء 6ر3 مليون شخص مرشحين للمعاناة من المجاعة إذا لم يتم الإسراع بتوفير متطلبات الحد الأدنى للحياة لهم . أود أن يعقد هذا الاجتماع الطارئ برئاسة الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي الدكتور أكمل الدين أحسان أوغلي وفق الأنساق التقليدية التي ينتهي مفعولها بعد رحيل المشاركين فيه اكتفاء بما يمكن وصفه بتبرئة الذمة عبر إصدار بيان يحتوي على عبارات التعاضد والمشاركة في الألم وإرسال بعض المساعدات العينية التي لا تكفي بالطبع لإنهاء هذه المجاعة التي تقطع صور الأطفال والنساء والرجال الذين يعانون منها نياط القلوب ما أريده ويريده غيري أن يتحول هذا الاجتماع إلى ما يشبه ورشة العمل التي تشخص الأزمة على نحو موضوعي وتحدد طرق ووسائل التعامل معها بما يقود في أقرب وقت إلى احتوائها ثم إنهائها عبر خطة سريعة تتضمن تقديم العون الغذائي والطبي الذي يقضي على صرخات الجوعى والمتألمين والمرضى والذين تبرز عظامهم بطريقة فظة خاصة الأطفال الذين لا حول ولا قوة لهم ثم خطة بعيدة الأمد تعمل على توفير وسائل حفر آبار والسعي إلى استزراع الأراضي اليابسة التي تعرضت للجفاف في الفترة الأخيرة مما أدى إلى المجاعة والأهم - وفق هذه الخطة المطلوبة - هو السعي إلى تحقيق نوع من المصالحة الوطنية الحقيقية التي تؤهل شرائح الشعب الصومالي وقواه المختلفة والمتحاربة إلى الانضواء تحت راية نظام سياسي واحد يكون بمقدوره استعادة الأمن والاستقرار تمهيدا لبدء خطط تنمية تعيد الصومال إلى امتلاك قدرة إنتاجية في ظل ما تمتلكه من ثروات وموارد طبيعة هائلة وأظن أن البنية التحتية لتنفيذ مخططات من هذا النوع متوافرة تحت عباءة منظمة التعاون الإسلامي التي تشهد قدرا كبيرا من الحيوية منذ تولى أدارتها الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلي وذلك في ظل عدد من المعطيات أولها أن هناك مكتبا تابعا للمنظمة بمقديشيو من شأنه الإشراف إذا ما وفرت له الكفاءات البشرية والطاقات التقنية الجماعية على عملية توزيع المساعدات الإنسانية والطبية والغائية على نحو يقود إلى تسليمها إلى ضحايا المجاعة والمنتشرين داخل العاصمة والمناطق المحيطة وحتى مناطق الحدود مع كل من كينيا وإثيوبيا التي زحفت إليها حشود النازحين والمصابين بالأمراض. ثانيا أن الكلفة المالية المطلوبة ليست بعيدة المنال بعد أن أتيحت مبالغ لا بأس بها وفي صدارتها 60 مليون دولار خصصها الملك عبدالله بن عبدالعزير العاهل السعودي و10 ملايين دولار وفرتها الحكومة الكويتية ويمكن زيادة هذه المبالغ خلال الاجتماع المرتقب باسطنبول بعد غد. ثالثا: يتعين توظيف الأجواء المحيطة بشهر رمضان المبارك في الحصول على إسناد شعبي لتوفير المزيد من الأموال من خلال دعوة الخيرين من أبناء الأمة إلى الدفع بزكوات أموالهم وزكاة الفطر وغيرها من أنواع الصدقات التي يسارعون بإنفاقها في هذا الشهر الكريم للمساهمة في إنقاذ أشقائهم من أبناء الشعب الصومالي وثمة فتاوى من مراجع دينية سنية وشيعية أجازت ذلك ولكنه في حاجة إلى نوع من التنظيم والتوظيف الأمثل تحت إشراف المنظمات الخيرية والإنسانية في عدد من الأقطار العربية والإسلامية ومعلوماتي أن بعضا منها أخذ المبادرة بالفعل وتحرك في الشارع وبدأ يجمع الأموال والمساعدات عبر حسابات خاصة بالبنوك والمصارف فضلا عن تخصيص مراكز لتلقي المساعدات العينية. رابعا: ليس مطلوبا الاستبعاد النهائي للمنظمات الإنسانية الدولية أو لمساعدات بعض الدول الأجنبية فهي يمكن أن تمثل رافدا مهما في احتواء المجاعة خاصة بفعل ما لديها من خبرات في التعامل مع هذه النوعية من الكوارث وفي هذا السياق فإنه ينبغي التنسيق مع الجاد منها والذي يتحرك وفقا لدوافع إنسانية وليس دوافع سياسية خاصة أن ثمة حالة من عدم الثقة في بعض من هذه المنظمات التي تحاول أن تستغل الأمر لأهداف تتعلق بمشروعاتها التبشيرية وهو ما يمكن مواجهته عبر تكثيف وجود المنظمات الإسلامية ذات الكفاءة العالية والخبرة الطويلة المكتسبة من العمل في مواقع أزمات وكوارث مثل أفغانستان والبوسنة والهرسك وكوسفو وغيرها من المناطق المشتعلة. خامسا: إن الأجواء الأمنية والتي ظلت مصدرا للشكوى على مدى السنوات الثلاث السابقة باتت مهيأة الآن لدخول المساعدات والكوادر المصاحبة دون خوف من هذه الميليشيا أو تلك بعد أن تمكنت قوات الحكومة الانتقالية من إجبار ميليشيا شباب المجاهدين من الخروج من العاصمة وتعهدها بتوسيع سيطرتها على باقي مناطق الصومال وأظن أن تلك مهمة مطلوب أن تساهم فيها الدول الإسلامية بإلحاح حتى يكون بمقدور حكومة شيخ شريف أحمد أن تفرض سطوتها وبالتالي قانونها على جميع الأراضي الصومالية وهو ما لم تنجح فيه حتى الآن بفعل عوامل إقليمية ودولية تحبذ إبقاء الحالة الصومالية في حالة عدم الاستقرار وبعيدا عن سيطرة حكومة مركزية قوية. إن شعب الصومال ينادي أمته كي تسارع بإنقاذه من محنته فهل تمتد أيدي حكوماتها وشعوبها لكي تشكل منظومة قوية قائمة على أسس علمية وإنسانية تحميه من خطر الإبادة سواء بفعل حروب الطبيعة أو من جراء حروبه الداخلية؟ أحلم بذلك السطر الأخير: متعب أنا يا الله مسكون بهواجس ومخاوف جمة الأحزان تلاحقني والأوجاع تعبث بمقاديري ثمة من يلهو بشعوب الأمة يقتل يذبح فيها كي يبقى على عرش السلطان كي يكنز ذهبا ولؤلؤا ومرجان لا يتورع من أن يبدو شيخا قدسيا يتلو القرآن أتوجع يا مولاي وأنا ألمح دما يسفك وجسدا يهان أو عينا تفقأ أو يقطع لسان من ينقذنا يا الله من نفر افتقدوا روح الإنسان؟ لمن يتوجه الجوعى والحيارى والمعذبون ومن قتلهم عقيد فاقد الهمة وذبحهم بشار لك وحدك يا الله فأنت القادر والقيوم المنتقم الجبار
553
| 15 أغسطس 2011
الشعوب العربية تتوق إلى التغيير وإعلاء قيمة الديمقراطية ومحو فصول الاستبداد لست في معرض الشماتة في هذا الرجل الذي أمضى زهاء الثلاثين عاما متربعا على عرش مصر ثم أسقطه الشعب بعد أن رفض في غرور غير مسبوق الاستجابة للمطالب العادلة بالإصلاح والتغيير التي تصاعدت أصواتها في الشارع خلال العقد الأخير لكنه تعامل معها وكأنها أصوات قادمة من بلاد بعيدة وشعب لا يخصه وبدا الأمر وكأنه تحد للإرادة الإلهية عندما قال منذ سنوات إنه باق في الحكم حتى آخر نبض في قلبه ثم دخل قفص المحاكمة يوم الأربعاء المنصرم في خطوة لم يتعرض لها حاكم مصري منذ أزمنة الفراعنة. كنت أتابع وقائع المحاكمة والدهشة تسكنني مثل الملايين من أبناء الشعب المصري والشعوب العربية التي تتوق إلى التغيير وإعلاء قيمة الديمقراطية ومحو فصول الاستبداد من كتاب الحكم ومبعث دهشتي يعود إلى معرفتي الدقيقة بطبيعة المكونات المحيطة بالرئيس السابق خاصة في سنواته الأخيرة والتي بلغ فيها حالة من تضخم الذات والسلطة على نحو دخل منطقة التقديس بفعل هؤلاء النفر الذين شكلوا الحلقة الضيقة التي كانت تحاصره وتحدد حركته ومساره ولغته وللأسف فإن هذه الحالة طالت نجله جمال الذي كان يهيأ للقفز رسميا إلى الموقع الأول للسلطة في مصر بعد أن استحوذ عليه واقعيا وبالذات خلال السنوات العشر الأخيرة للدرجة التي كان يلقب فيها بالرئيس حتى داخل قصر العروبة الذي كانت والدته سوزان تحكم قبضتها على مفاصله اعتمادا على رجال مقربين من مبارك الأب من نوعية زكريا عزمي وصفوت الشريف وأحمد عز وفتحي سرور وحبيب العادلي وأنس الفقي وغيرهم من قيادات في الحكومة والحزب الوطني الذي كان حاكما. وبالطبع لم يكن- في ظل هذه الوضعية - بمقدور أحد الاقتراب من دائرة التقديس التي كان يعيش فيها مبارك والتي تجلت في طريقة تعامله مع وقائع الخامس والعشرين من يناير الماضي فلم يصدق مطلقا حجم ونوعية الكراهية التي أبداها الشعب لنظامه ورموزه وهو ما بدا واضحا في مضمون الخطب التي وجهها للشعب والتي كان يظهر فيها نوعا من التعالي والتجاهل لمطالب الملايين التي طالبت برحيله وسقوطه كان يظن أن هذه الملايين لا تقصده شخصيا فهو القائد التاريخي الذي خدم البلاد على مدى ستين عاما وأن ما يحدث تحركه فئة مندسة ونتيجة لمؤامرة خارجية وهو ما دفعه إلى المناورة ومحاولة امتصاص الغضب بمسكنات لم تكن في موضعها أو توقيتها الصحيح وحتى عندما قبل بالأمر الواقع على كره منه لاسيَّما بعد أن عقد المجلس الأعلى للقوات المسلحة اجتماعه الأول من دون حضوره فإنه لم يستوعب الرسالة على نحو سريع بل ظل يماطل في الاستجابة لمطالب الثوار الذين انحازت إليهم المؤسسة العسكرية وقبل بمناورات الولد وأمه والمحيطين به تحسبا لإمكانية بروز فرصة للإفلات من المصير المحسوم رغم فشل موقعة الجمل التي أعد لها زبانية الحزب الوطني ومجموعة رجال الأعمال المرتبطون بهم عضويا والتي شكلت المنعطف الحاسم في موقف الملايين منه بعد أن أبدى البعض تعاطفا معه خاصة بعد خطابه في التاسع والعشرين من يناير والذي نجح مستخدما بعض المفردات الإنسانية مستغلا الطبيعة العاطفية التي يتسم بها الشعب المصري. كل هذه المعطيات احتشدت في ذاكرتي وأنا أتابع محاكمة مبارك ونجليه ووزير داخليته وكبار مساعديه تساءلت: هل هو مبارك الراقد على سريره الطبي عالقة به أجهزة التنفس الصناعي ويرد في عبارة تنطوي على الانكسار " أفندم أنا موجود " عندما نادى عليه رئيس المحكمة لإثبات شخصيته صحيح أنه كان زائغ البصر مصابا بقدر من الدهشة وعدم التصديق وذلك من خلال حركة عينيه التي كانت تجول في القفص وما وراءه من مكونات المحكمة بيد أنه بدا مستسلما لواقع فرض عليه رغم أن نجليه حاولا أن يظهرا قدرا من التماسك مع محاولة الإيحاء بالاقتراب من الله عبر إمساكهما بالمصحف. في تلك اللحظات بدا مبارك لي ولغيري من الملايين التي كانت تتابعه مجردا من هالة التقديس والتأليه محض إنسان بلا قوة ولا حول هشا ضعيفا منزويا في قفص الاتهام وهو الذي وضع الآلاف في هذا القفص ظلما وعدوانا لأنه ظن أنهم يسعون إلى تجريده من موقعه الأول الذي كان قابضا عليه بالحديد والنار ويحولون دون توريثه لنجله جمال الذي لم يحظ يوما بأي قدر من التفاعل الشعبي معه. هذا هو مبارك ونجلاه ووزير داخليته الذين كانوا يقبضون على المحروسة في قبضة العدالة التي وفرتها ثورة الشعب التي تطالب بالقصاص منهم بعد أن قتلوا المئات من شباب الوطن وأصابوا الآلاف منهم جراحهم ما زالت مشتعلة وإصاباتهم في مقتل خانعين رغم ادعاء التماسك مرتعشين رغم محاولة إظهار القوة بعد أن شاهدتهم الملايين وهم في زي الحبس الاحتياطي والسجن. تذكرت وأنا أتابع وقائع المحاكمة وقت أن كنت أقوم بمتابعة نشاطات رئاسة الجمهورية لمدة ثلاث سنوات بداية من العام 1983 مندوبا للإذاعة المصرية أن مسجلي اقترب قليلا من الرئيس السابق ففوجئت بمن يسحبني بعنف إلى خارج المحيط الضيق الملاصق له بكف بدت لي حديدية رغم أنني أحمل البطاقة الصحفية الخاصة برئاسة الجمهورية وأجريت عني تحريات مكثفة قبل أن يقبل بي أمن الرئاسة وتقريبا يعرف رجاله وجهي فقد كان مجرد الظن بالاقتراب غير المسموح به من مبارك يشكل معضلة أمنية وتداعت في اللحظات ذاتها ما شاهدته في سنوات عديدة كنت أغطي خلالها خطبه التي كان يفتتح بها الدورات الجديدة لمجلسي الشعب والشورى فقد كانت الإجراءات الأمنية التي يطبقها أمن الرئاسة شديدة الرعب وكان رجاله يحتلون البرلمان قبل الخطاب بثلاثة أيام بعد أن يفتشونه شبرا شبرا. وقد تعقدت الإجراءات الأمنية المحيطة بمبارك وبنجل مبارك وحرمه سوزان على نحو مخيف بالذات في العقد الأخير خاصة بعد تعدد محاولات اغتياله والتي كانت أشهرها في إثيوبيا ثم في مدينة بورسعيد ومع ذلك فإنها لم تفلح في حماية نظامه عندما تهاوى من الداخل بعد تفشي معادلة السلطة والثروة وسيادة القهر والإذلال والانتهاك للحرمات وتدنيس الحريات الخاصة والعامة بأسلوب سلطوي فاحش بالرغم مما بدا أنه أحيانا هامش ديمقراطي لكنه كان محسوبا وبميزان وفق تقديرات الأجهزة الأمنية التابعة لمبارك والتي كانت توزع الأدوار (للأسف شاركت في ذلك نخب عديدة سياسية وإعلامية محسوبة على المعارضة) والتي كانت تهدف من وراء هذا الهامش إلى توفير مناخ للتنفيس أو قل للصراخ حتى لا يقع الاختناق غير أنه حاصر الملايين من أبناء الشعب المصري بعد أن غيبت من حياته قيم العدالة الاجتماعية واتسعت الفجوة الطبقية واشتعلت أزمة البطالة فضلا عن أن ما بدا أنه ممارسة للحرية لم يكن إلا فخا لاصطياد المناوئين حتى يمنع عنهم ذهب المعز ولا يبقى لهم إلا سيف "مسرور" في أشكال مختلفة. السطر الأخير: أقف على أبوابك يا الله أترقب غفرانك فأنا موغل في العسر مسكون بذنوب كبرى أشرعتي تبحث عن ريح وبحاري ساكنة ليس لي يا ربي إلا أنت أنهل من فيض رحمتك تمنحني صدق الرؤيا تسكنني أعلى جنانك elazab1@gmail.com
508
| 08 أغسطس 2011
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل...
31992
| 01 سبتمبر 2026
-أخطر دروس المأساة السودانية أن الدولة لا تحتمل...
4344
| 30 أغسطس 2026
قد تضم المؤسسة مديرين أكفاء، وتملك خططًا جيدة...
3417
| 29 أغسطس 2026
هل يمكن لشخص يملك عشرة آلاف ريال أن...
1791
| 26 أغسطس 2026
اليوم تنطلق الجولة الثانية من دوري نجوم بنك...
1140
| 27 أغسطس 2026
مع انطلاقة العام الدراسي الجديد، تتجدد تطلعات الميدان...
999
| 30 أغسطس 2026
كم مرة سمعت نفسك تقول: “ انتهت الإجازة،...
870
| 28 أغسطس 2026
* يحل علينا في شهر ربيع الأول من...
822
| 26 أغسطس 2026
في الحياة المهنية، لا تظهر أخلاق الإنسان عندما...
810
| 26 أغسطس 2026
هذه رسالة أوجهها إلى كل مسؤول أول في...
618
| 27 أغسطس 2026
تختصر مسيرة الحكم الصومالي عمر عرتن قصة صعود...
612
| 26 أغسطس 2026
عندما يُثار الحديث عن المنازعات العمالية، يتبادر إلى...
597
| 02 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية