رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

بين "النقد" و"النقض"

في العربية مسافةُ حرفٍ، ولكن بينهما في المعنى مسافةُ منهجٍ ومقصد؛ فالنقد في أصل اللغة تمييزُ الدراهم وإخراجُ الزائف منها؛ فهو فحصٌ وتمحيص، لا يراد به الإعدام بل الإبقاء على الصحيح وتنقيته من الشوائب. أما النقض فهو حلُّ ما أُبرم، وهدمُ ما بُني، وإفسادُ ما استقام؛ يقال: نقض العهد إذا أبطله، ونقض البناء إذا هدّه بعد إحكام. فإذا انتقل اللفظان إلى ميدان الفكر، صار النقد تقويمًا يُصلح، وصار النقض تقويضًا يُسقط. فالأول يبحث عن موضع الخلل ليُعالجه، والثاني يبحث عن موضع القوة ليُضعفه. ومن هنا كان الخلط بينهما خلطًا في المقاصد قبل أن يكون خلطًا في الألفاظ؛ لأن الفرق بين أن تُنقِّح فكرةً وأن تنقضها هو الفرق بين من يعمل لبنائها ومن يعمل على هدمها. فالفرق بعيدٌ بين التفكير الناقد والتفكير الناقض؛ فالأول يفتّش عن الحقيقة، والثاني يفتّش عن الغلبة، فالناقد يقف أمام الفكرة كما يقف الجرّاح أمام الجسد: لا ليُتلفه، بل ليُصلح موضع الخلل فيه، فيُبقي الصحيح ويستأصل العليل. أمّا الناقض، فإنه يقف موقف الخصم، لا الطبيب؛ همُّه أن يُسقط لا أن يُقوّم، وأن يُظهر عواره لا أن يُعين على شفائه. وبحكم عملي الأكاديمي، ألحظ في الندوات والمؤتمرات هذا التباين جليًّا؛ فكم من باحثٍ يعرض فكرته وهو ينتظر عينًا فاحصةً تُنقّح، وعقلًا منصفًا يُضيف، لا لسانًا متعجّلًا يهدم؛ فالأول يسأل ليُحسن الفهم، ويعترض ليُحكم البناء، ويُخالف ليُثري النقاش؛ فهو شريكٌ في الإنتاج المعرفي، لا خصمٌ فيه. أما الثاني، فربما أراد أن يُسمع صوته أكثر مما يُسمع الفكرة، أو أن ينتصر لذاته لا للحقيقة؛ فيتحوّل النقد عنده إلى نقض، والحوار إلى مبارزة، ولا أريد التعمق في الأسباب فلست خبيرًا نفسيًا أو اجتماعيًا، لكن يشغلني الأثر. فالفكرة – أيّ فكرة – لا تولد كاملة؛ بل إنها تنمو كما تنمو الشجرة، تحتاج إلى تقليمٍ يحفظ توازنها، وإلى ريٍّ يُقوّي جذورها، وكل فكرة بشرية قابلة للنقد، بل إن النقد الصادق من أنبل وسائل تطويرها، فما من نظريةٍ عظيمةٍ في تاريخ الفكر إلا مرّت بمراحل من المراجعة والتقويم، فاشتدّ عودها بعد ضعف، واتّسع أفقها بعد ضيق؛ فمما لا شك فيه أن النقد البنّاء يفتح لصاحب الفكرة أفقًا لم يكن يراه، ويكشف له زاويةً لم يكن يلتفت إليها؛ فهو إضافةٌ لا إلغاء، وتكميلٌ لا تقويض. أما النقض، فأثره قاتل؛ لأنه لا يكتفي بمساءلة الفكرة، بل يُحمّلها ما لا تحتمل، بل يحمّل صابحها أحيانًا ما لم يقصد، إنه يُغلق أبواب الحوار، ويزرع في النفس رهبةً من الطرح والمبادرة، وكم من موهبةٍ خمدت، لا لضعفها، بل لأن يدًا قاسيةً امتدت إليها قبل أن تشتدّ، فالإبداع بطبيعته هشٌّ في بداياته، يحتاج إلى بيئةٍ تحميه، لا إلى ساحةٍ تُشهر فيه السيوف. ولعلّ ما دفعني إلى كتابة هذه الكلمات ندوةٌ علمية حضرتها مؤخرًا؛ كان المتحدث فيها لبقًا في عرضه، ذكيًّا في تلقي الملاحظات، واسع الصدر حتى لما جاوز النقد حدَّه إلى النقض. غير أنّ بعض "الناقضين" لم يمهلوه؛ بل كانوا يتعقبون عباراته قبل أن تتمّ، ويعترضون على الفكرة قبل أن تكتمل، حتى كدتُ أنفجر قائلًا: أمهلوه قليلًا، دعوه يُفصّل حتى تبلغ الفكرة تمامها، فإن الحكم على نصف القول ظلمٌ للقول وصاحبه. فالفكرة لا تُفهم إلا إذا استوت في صورتها الكاملة، أما اقتطاعها في الطريق فليس نقدًا، بل إجهاضٌ قبل الميلاد. ومع ذلك، فليس معنى هذا أن كل فكرةٍ تُصان، ولا أن كل طرحٍ يُحتفى به؛ فثمة أفكارٌ لا يُجدي معها التقويم، لأنها قائمةٌ على خللٍ في الأصل، أو مبنيةٌ على مغالطةٍ في الأساس، فهذه لا تحتاج نقدًا يُهذّبها، بل نقضًا يكشف زيفها، وردًّا يصدّ أثرها، غير أن الفرق يبقى في المقصد والمنهج؛ فالنقض المشروع ليس اندفاعًا ولا استعراضًا، بل بيانٌ بالحجة، وتفنيدٌ بالبرهان، يقصد حماية الحقيقة لا الانتصار للنفس، فكما أن البناء فضيلة، فإن إزالة البناء الفاسد فضيلةٌ أخرى، إذا كان ذلك على بصيرةٍ وعدل. وموقفي هنا موقف اعتدال، فأنا لا أدعو إلى مجاملةٍ تُميت الفكرة، ولا إلى قسوةٍ تُميت صاحبها، بل أدعو إلى ميزانٍ دقيق بعقلٍ ناقدٍ يُمحّص، وقلبٍ منصفٍ يُقدّر الجهد، ولسانٍ يقول الحقّ بلطفٍ لا يُفسد المقصد، فبمثل هذا النقد تُصان الأفكار، وتترقّى العقول، ويُثمر الحوار معرفةً لا ضجيجًا.

456

| 04 يونيو 2026

نريد إعلاماً بحجم الرياضة الخليجية
نريد إعلاماً بحجم الرياضة الخليجية

لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام...

3429

| 02 أكتوبر 2026

ميري وكومار
ميري وكومار

كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين...

3228

| 06 أكتوبر 2026

التوظيف.. بين الوزارات وشركات الوساطة
التوظيف.. بين الوزارات وشركات الوساطة

التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم...

1248

| 01 أكتوبر 2026

أزمة هرمز.. كيف نخرج منها باقتصاد قطري أكثر مرونة؟
أزمة هرمز.. كيف نخرج منها باقتصاد قطري أكثر مرونة؟

في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات...

1035

| 04 أكتوبر 2026

حين تتمدد الصلاحية وتنكمش المسؤولية
حين تتمدد الصلاحية وتنكمش المسؤولية

في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً...

951

| 06 أكتوبر 2026

العزاء واحتساء الشاي!
العزاء واحتساء الشاي!

•لكل مجتمع عاداته في مناسبات الفرح والحزن، لكن...

570

| 01 أكتوبر 2026

وللطب مكانة
وللطب مكانة

أتدرون يا سادة يا كرام عند من مكانته...

492

| 01 أكتوبر 2026

حين تضيق الطرق نصنع طريقًا
حين تضيق الطرق نصنع طريقًا

أحيانًا نرى مشهدًا بسيطًا، لكنه يبقى معنا طويلًا،...

492

| 02 أكتوبر 2026

جنون طائرة «فلاي دبي» أم بروباجندا الإرهاب؟!
جنون طائرة «فلاي دبي» أم بروباجندا الإرهاب؟!

في مشهد يحبس الأنفاس، أقرب إلى جنون أفلام...

462

| 04 أكتوبر 2026

الوكرة تكبر.. والخدمات أين؟
الوكرة تكبر.. والخدمات أين؟

إذا كانت الوكرة تكبر وتتوسع وسكانها في ازدياد،...

444

| 02 أكتوبر 2026

الراتب الأول
الراتب الأول

الراتب الأول لحظة مهمة، وأتذكر كثيرًا من الفتيات...

423

| 07 أكتوبر 2026

لا تَسْتَسْلِم أبدًا!
لا تَسْتَسْلِم أبدًا!

صراعات الإنسان في هذه الحياة متنوّعة وَمُتداخلة ما...

411

| 02 أكتوبر 2026

أخبار محلية