رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الشرق الأوسط لا يحتاج إلى اتفاقيات جديدة بل إلى عملية إقليمية تجعل التنافس أقل قابلية للتحول إلى حرب، فكلما هدأت حرب في الشرق الأوسط، عاد الحديث عن السلام. تُعقد المؤتمرات، وتُطلق المبادرات، وتتحرك الوساطات، ثم لا تلبث المنطقة أن تواجه أزمة جديدة. وخلال العقود الماضية، لم يعرف إقليم في العالم هذا العدد من مبادرات السلام والاتفاقات السياسية كما عرفه الشرق الأوسط، ومع ذلك بقي الاستقرار هشًا، وبقيت الحروب تتكرر بأشكال مختلفة. وربما يكمن السبب في أننا ما زلنا نطرح السؤال الخطأ. فمنذ عقود، انصبّ الاهتمام على كيفية إنهاء الصراعات، بينما بقي سؤال أكثر أهمية خارج دائرة النقاش: كيف يمكن بناء نظام إقليمي يجعل الصراعات أقل احتمالًا، حتى عندما تستمر الخلافات؟ فالخلافات بين الدول ليست استثناءً في العلاقات الدولية، ولن تختفي بمجرد الرغبة في ذلك. أما ما يميز الأقاليم الأكثر استقرارًا، فليس غياب التنافس، بل وجود قواعد ومؤسسات وآليات تمنع هذا التنافس من التحول إلى مواجهة عسكرية. ومن هذه الزاوية، تستحق تجربة هلسنكي أن تُقرأ من جديد. ليس لأنها تقدم نموذجًا جاهزًا للشرق الأوسط، بل لأنها تقدم درسًا في كيفية التفكير بالأمن الإقليمي. فعندما اجتمعت الدول الأوروبية، إلى جانب الولايات المتحدة وكندا، في سبعينيات القرن الماضي، لم تكن الحرب الباردة قد انتهت، ولم يكن أحد يتوقع سقوط جدار برلين أو انهيار الاتحاد السوفيتي. كانت الخصومة قائمة، وانعدام الثقة عميقًا، لكن تلك الدول لم تنتظر التسوية النهائية حتى تبدأ الحوار، بل أطلقت عملية سياسية طويلة الأمد هدفت إلى إدارة التنافس، لا إنهائه. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لعملية هلسنكي. فهي لم تُنهِ الحرب الباردة، ولم تُزل أسبابها، لكنها جعلت الخصومة أقل قابلية للتحول إلى مواجهة مباشرة. لقد أثبتت أن الأمن لا يبدأ عندما تختفي الخلافات، بل عندما تتفق الدول على وضع قواعد لإدارتها. وهذا هو الدرس الذي يبدو أكثر أهمية بالنسبة للشرق الأوسط اليوم. فالمنطقة لا تعاني من نقص في المبادرات السياسية، ولا في الوسطاء، ولا في أدوات الردع. لكنها ما زالت تفتقر إلى عملية إقليمية مستدامة تجعل الحوار جزءًا من بنية الأمن، لا مجرد استجابة مؤقتة لكل أزمة. لقد نجحت دول المنطقة في بناء قدرات عسكرية متقدمة، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في بناء قواعد دائمة لإدارة علاقاتها الأمنية. ولذلك، كثيرًا ما يتحول سوء التقدير، أو انقطاع قنوات الاتصال، أو حادث محدود، إلى أزمة إقليمية، حتى عندما لا تكون الحرب خيارًا مفضلًا لأي طرف. ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول الاختيار بين الردع والحوار، فالأمن يحتاج إلى كليهما. لكن الردع وحده لا يصنع الاستقرار؛ فهو يرفع كلفة الحرب، لكنه لا يمنع سوء الفهم، ولا يبني الثقة، ولا يوفر قنوات اتصال قادرة على احتواء الأزمات قبل انفجارها. ولهذا، يحتاج الشرق الأوسط إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء عملية دائمة لإدارة التنافس. وإدارة التنافس لا تعني إزالة الخلافات أو التقليل من خطورتها، بل تعني وضع قواعد تسمح للدول بالاستمرار في المنافسة من دون أن تتحول هذه المنافسة إلى صراع عسكري. إنها انتقال من التعامل مع الأزمات بعد وقوعها إلى بناء بيئة سياسية وأمنية تقلل من احتمال وقوعها أصلًا. ولا يعني ذلك استنساخ التجربة الأوروبية، فالشرق الأوسط يمتلك خصوصياته وتحدياته المختلفة. لكن التاريخ لا يقدم وصفات جاهزة، بل يقدم مبادئ يمكن الاستفادة منها. وربما كان أهمها أن الحوار ليس نتيجة للثقة، بل وسيلة لبنائها، وأن المؤسسات لا تُنشأ بعد تحقيق السلام، بل قد تكون أحد الشروط التي تساعد على الوصول إليه. وقد أثبتت السنوات الأخيرة أن دول المنطقة تمتلك خبرة متزايدة في الوساطة والحوار والحفاظ على قنوات الاتصال حتى في أوقات التوتر. لكن هذه الجهود ظلت، في معظمها، مرتبطة بأزمات محددة، ولم تتحول بعد إلى إطار إقليمي دائم. ومن هنا، فإن التحدي لم يعد إطلاق مبادرة جديدة مع كل أزمة، بل بناء عملية سياسية وأمنية مستدامة تجعل الحوار ممارسة مؤسسية، لا استجابة ظرفية. ويمكن أن تبدأ هذه العملية من القضايا التي تمثل مصالح مشتركة للجميع، مثل أمن الملاحة، وأمن الطاقة، وحماية البنية التحتية الحيوية، وآليات الحد من مخاطر الحوادث العسكرية وسوء التقدير. وقد تبدو هذه الملفات تقنية، لكنها تمثل الأساس العملي لبناء الثقة. فالثقة لا تُصنع بالخطابات، بل بالتعاون المتدرج، والالتزام بقواعد واضحة، وإثبات أن الحوار قادر على الاستمرار حتى في لحظات الخلاف. وهنا تبرز أهمية إدارة التنافس. فهي لا تعني إنهاء الخلافات أو التقليل من حدتها، بل تعني تنظيمها ضمن قواعد تمنع تحولها إلى مواجهة عسكرية. إنها انتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء نظام يقلل من احتمال وقوعها أصلًا. ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي تقدمه هلسنكي بعد خمسين عامًا. فقد نجحت، ليس لأنها أنهت الحرب الباردة، بل لأنها أرست عملية للحوار وبناء الثقة خففت من مخاطر التصعيد، رغم استمرار الخلافات الجوهرية بين أطرافها. واليوم، يقف الشرق الأوسط أمام لحظة تتطلب تحولًا مشابهًا في طريقة التفكير. فاستقرار المنطقة لن يتحدد فقط بموازين القوى أو طبيعة التحالفات، بل أيضًا بقدرتها على بناء إطار إقليمي يجعل الحوار قاعدة دائمة، لا استثناءً تفرضه الأزمات. ولهذا، ربما لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو: كيف نصل إلى اتفاق سلام جديد؟ بل: كيف نبني عملية إقليمية تجعل السلام، عندما يتحقق، أكثر قدرة على الصمود؟ فالسلام المستدام لا يبدأ بتوقيع اتفاق، بل ببناء قواعد تنظم العلاقات بين الخصوم، وتُبقي قنوات الحوار مفتوحة، وتجعل إدارة التنافس جزءًا من بنية الأمن الإقليمي. وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي تقدمها هلسنكي للشرق الأوسط اليوم: أن أعظم الإنجازات الدبلوماسية لا تبدأ عندما تنتهي الخصومات، بل عندما تقرر الدول أن تديرها بحكمة، بدلًا من أن تتركها تقود المنطقة، مرة بعد أخرى، إلى حرب جديدة.
708
| 26 يوليو 2026
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي،...
7116
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى...
1572
| 26 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد،...
1134
| 29 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا...
1110
| 30 يوليو 2026
في كثير من المؤسسات تبدو الأمور واضحة على...
999
| 29 يوليو 2026
تعمدت في المقال السابق ألا أجيب مباشرة عن...
936
| 28 يوليو 2026
حين نتحدث عن الجريمة، يتجه الذهن مباشرة إلى...
837
| 23 يوليو 2026
الشرق الأوسط لا يحتاج إلى اتفاقيات جديدة بل...
708
| 26 يوليو 2026
في كثير من المؤسسات، يُحال الموظف أو المسؤول...
690
| 27 يوليو 2026
كل حضارة عظيمة بدأت بفكرة لم يكن لها...
669
| 23 يوليو 2026
ربما يبدو العنوان غريبًا بعض الشيء، إذ إننا...
615
| 25 يوليو 2026
ما أكثر ما غيَّر حياتك؟ سؤال يبدو بسيطا،...
543
| 23 يوليو 2026
مساحة إعلانية