رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

صعود الصين المبهر وتغير الخطاب العالمي

في كتابه «القرن الحادی والعشرون الآسيوي» يصف المفكر السنغافوري «كيشور محبوباني» القرن الحالي على أنه القرن الآسيوي، ويستدل لذلك بالمستجدات المتسارعة الحاصلة في المجالات الاقتصادية والسياسية والعلمية في الوقت المعاصر، حيث إن صعود بعض الدول الآسيوية في هذه المجالات عمل على تفنيد دعوى الخنوع والاستسلام للأنظمة الغربية وطروحاتها التي منيت بها دول العالم الثالث، والتي طالما فرضت ذاتها على أقدار الدول الآسيوية والأفريقية، غير أن الحظوظ هذه المرة بدأت تبتسم للبعض من هذه الدول مثل الصين التي أكسبتها قوتها الاقتصادية المركز الأول - وذلك لأول مرة في التاريخ الحديث- من بين الدول الكبرى المصدرة للبضائع والمنتجات، الأمر الذي أقض مضاجع صناع القرار في بعض الدول الغربية التي رأت في ذلك تحديا كبيرا لمنظومتها الاقتصادية وخرقا باديا لمكانتها العالمية الرائدة، ومن هنا بدأت تخطط لاحتوائها وتطويقها، وإلحاق الضرر بها اقتصاديا وسياسيا وإعلاميا، غير أن الصين ماضية في سبيلها تشق طريقها لتصل إلى القمة عن طريق إقامة مشاريع تنموية ضخمة، وتطوير بنى تحتية مميزة في وتيرة أسرع، وتدشين مبادرات الممرات الاقتصادية عبر العالم، وكسب تحالفات استراتيجية مع الدول المهمة، وهي استراتيجية ذكية ومتزنة ومرنة حدت بالصين للإبحار في هدوء للوصول إلى سواحل تعج بمكاسب اقتصادية وتجارية وسياسية هائلة. والقصة هي أن الغرب عادة ما سعى في العصر الحديث إلى فرض هيمنته الاقتصادية والسياسية وتمرير خطاباته وطروحاته، بيد أننا نرى أخيرا أن التنين الصيني يستيقظ من سباته العميق منذ قرون طويلة ماضية، فطفق يبث أنفاسه في قارات العالم المختلفة، ويصعد إلى السماء فيطير في الفضاء أو يهبط للأرض فيغوص في الماء ويعوم إلى جزر نائية عائمة في مياه المحيطات الهادئة والصاخبة، في رمز قوي إلى واقع يراه العالم ماثلا أمام عينيه، ومثلما تفعله كل القوى الصاعدة، فإن الصين تدير علاقاتها السياسية والتجارية مع الدول الآسيوية والإفريقية وأمريكا اللاتينية بدافع التعاطف الإنساني معها وبدعوى مقاسمة قصة نجاحها وتجاربها التنموية، وذلك عن طريق ضخ استثمارات ضخمة تتجاوز تريليون دولار في إحياء طريق الحرير أو مبادرة الطريق والحزام الضخمة، كما تمد الدول الضعيفة اقتصاديا عن طريق إقراضها الديون في مليارات الدولارات ما يسهم في تبني مشروعات تنموية في تلك الدول تخرجها من آفات الفقر والبؤس والشقاء. وبالطبع مثّل صعود الصين المبهر وشموخ مكانتها المتعاظمة أملا وتفاؤلا كبيرين بالنسبة للدول النامية حيث رأت فيها دولة ترفع قضاياها في المحافل الدولية، إلى جانب تقديمها مساعدات اقتصادية وتقنية لها، وبناء مؤسسات ومنظمات دولية تتبنى قضايا دول عالم الجنوب مثل منظمة شنغهاي للتعاون، والبريكس بلس وغيرهما من المنظمات التي غدت متحدثة بلسان دول عالم الجنوب. هذا، وتزامن تعاظم الثقل الصيني السياسي والاقتصادي مع التغير الملحوظ في الخطاب العالمي إزاء قضايا وطروحات عدها الغرب جوهرية بصرف النظر عن جوهريتها بالنسبة لدول عالم الجنوب من عدمها، فالحديث عن كفاءة النظام الديمقراطي وقدرته وحده على بناء دولة حديثة متطورة لم يعد له ذلك البريق الذي كان العالم ينبهر أمامه، وبالقدر الذي تضاعفت فيه مكانة الصين الدولية، فبنفس القدر يراها العالم تلعب أدوارها المنوطة بها، فهي تمثل دور الوسيط الذي يجمع بين الأطراف المتنازعة مثلما تفعله في الآونة الأخيرة مع التكتلات والأطراف الفلسطينية العديدة لتوحدها وتشمل كلمتها حتى يأتي الحديث عن إقامة دولة فلسطينية قويا، ومع تزايد تبنيها قضايا عالم الجنوب، فإننا لا نتمالك إلا أن نشعر بتغير ملموس في الخطاب العالمي بتنا نراه ونعيشه.

1014

| 07 فبراير 2025

جنوب آسيا وتغير المناخ

كان ذلك في شهر أغسطس من عام 2022 حيث أمطرت السماء مدرارا، وانهمرت الأمطار لأيام متتالية، فامتلأت الأنهار، وتدفقت المياه من فوق الجبال، وسحت الوديان، وضربت الفيضانات مناطق شاسعة في البلاد فأغرقت زهاء ثلث مساحتها الأرضية في المياه، وتلاقت مياه السيول مع مياه الأمطار المنهمرة ما فاقم الوضع، وغدت المياه راكدة لأسابيع متعاقبة لا تكاد تنحسر، ما أجبر الزواحف والحيوانات على النزوح ومقاسمتها العيش مع البشر في اللجوء إلى المرتفعات تأوي إليها فرارا من بحار المياه المتزايد منسوبها باستمرار، وعانت المجتمعات بسببها ويلات الأضرار المادية والاقتصادية، حيث تضررت المزارع، ونفقت الحيوانات، وفقد المئات من الناس أرواحهم، ووفقا للإحصائيات الحكومية فقد طالت الفيضانات 33 مليون نسمة، وتلت الفيضانات الأمراض الناتجة عن المياه الراكدة والآسنة من الكوليرا، والماليريا والجرب وغيرها. وعودة إلى العام الجاري فرأينا في شهري مايو ويونيو أن موجات الحر الشديدة ضربت المنطقة، فالسماء تكاد تتميز غيظا، وتلسع البسيطة بشواظ من النار، وحصدت أرواح بعض البشر، وترامى إلى الأسماع أنباء موت الطيور، وسقوط القرود من الأشجار مغميا عليها من شدة الحر والجفاف، وارتفعت درجات الحرارة حتى في المدن الساحلية مثل مومباي التي عادة ما تشهد جوا معتدلا، ما جعل الرجال يستغربون الحر الشديد الذي لم يتعودوا عليه، فوقع بعضهم ضحايا للطقس الحار، وتأخر هطول المطر، فأخر المزارعون زرع حقولهم، وتقلصت المنتوجات، وراج تفشي الغلاء الفاحش، وازدادت أسعار الحبوب الغذائية، وتضاعف استهلاك الكهرباء ما نجم عنه الانقطاعات المتقطعة لها وحتى في المدن ناهيك عن تأزم الوضع في القرى البعيدة. الفقرتان السابقتان تبدوان كما لو كانتا شريطين سينمائيين يصوران أحداثا خيالية، غير أننا ما قرأناه ليس من صنع الخيال، بل هو تجسيد للواقع المعاش، فالفقرة الأولى تصور لواقع عاشه الباكستانيون قبل سنتين حيث ألفوا أنفسهم في مواجهة فيضانات هائجة حصدت الأخضر واليابس، والفقرة الأخيرة تعكس الواقع الذي يعيشه الهنود هذا العام إذ وجدوا أنفسهم محاطين بخطر بيئي جسيم يحدق بهم إذ لفحت جلودهم موجة الحر الشديدة، فجعلتهم محبوسين في ديارهم. والمجرم الوحيد الذي يراه الخبراء يجمع بين الحالتين - وقع الفيضانات وموجات الحر - هو تغير المناخ الذي بات يشغل هموم الخبراء والنشطاء البيئيين وقادة الفكر الدوليين الذين يرون فيه خطرا كبيرا يحدق بهم، ووفقا للتقارير الدولية مثلما أصدرته منظمة البنك الدولي، فإن منطقة جنوب آسيا تعد واحدة من أكثر المناطق تضررا بالكوارث البيئية الناجمة عن تغير المناخ مما قد يؤدي إلى حدوث أعاصير مدمرة، وفترات الجفاف والقحط الممتدة إلى جانب الأضرار الاقتصادية الجسيمة. ونظرا لذلك فمن المحتم أن ينبري الرجال في جنوب آسيا - قادة وشعوبا- لاتخاذ خطوات جريئة ومبتكرة للحد من تداعيات تغير المناخ والعمل المشترك على إيجاد حلول بيئية مستدامة.

531

| 10 يناير 2025

الدول النامية و«فخ الدخل المتوسط»

لماذا تجد معظم الدول النامية نفسها منزلقة نحو متاهة فخ الدخل المتوسط؟ سؤال لازمني طويلا بعد أن قرأت مقالا مستفيضا عنه، ورحت أقرأ عنه أكثر وأسأل ذوي التخصصات فيه، وفي أحد لقاءاتي مع صديقي الدكتور «خالد خان»، العالم الاقتصادي في إحدى الجامعات بالهند، قادنا حديثنا إلى التساؤل: لماذا تقف العديد من البلدان النامية عاجزة عن الخروج من دائرة الدول منخفضة الدخل؟ تبسّم صديقي ضاحكا، ورأيته يسرح به التفكير في الاقتصاد الحديث ليأتي بمصطلح «فخ الدخل المتوسط» الذي أطلقه لأول مرة باحثان لدى مجموعة البنك الدولي عام 2007 لرسم صورة سائدة تغلف العديد من الدول النامية. والمصطلح يعني بالضرورة مرور البلدان النامية بطفرات نمو اقتصادي لسنين متواصلة ينعم فيها أهلها بالدخل المتوسط على أن تعقبها فترة زمنية تصاب فيها تلك الدول بالتباطؤ في النمو نظرا إلى لزومية الإجراءات الحمائية المفروضة من قبل الدول، والزيادة المتوقعة في الإنفاقات الحكومية في وجه الشيخوخة التي تتسرب إلى شريحة واسعة من فئات العمال لتبقى الدول في تلك الحالة غير قادرة على دفع عجلة التقدم والنمو المستدام، الأمر الذي يجعلها تتجمد في وضعها الحالي وبالتالي تنزلق نحو خانة الدول متوسطة الدخل. وطبقا لتقرير البنك الدولي للعام 2024، فإن 108 دول نامية حول العالم مهددة بخطر الوقوع في فخ الدخل المتوسط، فالدول النامية مثل الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وغيرها يشاع عنها إمكانية سقوطها في هذا الفخ، وبخصوص الهند فإن التقرير يتوقع بقاء الهند في خانة الدول متوسطة الدخل لعقود قادمة ما لم تتمكن من إدخال إصلاحات لازمة في هيكلها الاقتصادي تدفعها نحو إيجاد نمو اقتصادي شامل ومستدام. وذلك أمر بالغ الأهمية، والوزراء الهنود المعنيون ليسوا بغافلين عنه، ووفقا لتصريح صادر عن «المؤسسة الوطنية لتحويل الهند»، «فإن الهند في مسيس الحاجة إلى نمو اقتصادي بمعدل يتراوح بين 7 و10 في المائة لمدة 20 إلى 30 عامًا القادمة للخروج من فخ الدخل المتوسط والتحول إلى دولة متقدمة»، فالهند تشعر بالضروة الملحة لإدخال إصلاحات بغية تحقيق النمو الاقتصادي المستدام، والاستفادة القصوى من طفرة ديموغرافية قوية وشابة قبل دبيب الشيخوخة إليها. هذا، ويتطلب الخروج من «فخ الدخل المتوسط» العمل على ثلاثة محاور: تتمثل المرحلة الأولى في جذب الاستثمارات، بينما تتطلب المرحلة الثانية دمج التقنيات الواردة من الخارج وتعميمها في مختلف القطاعات، والمرحلة الثالثة تحتم على الدول العمل على الابتكار والاختراع. ولنا أمثلة على ذلك، فالدول مثل جنوب كوريا وسنغافورة وتشيلي عملت على هذه المحاور الثلاثة لتنقذ نفسها من هذا الفخ وتنضم إلى مصاف الدول مرتفعة الدخل. فهل تتمكن الهند وبقية الدول النامية في العقود القادمة من الانفلات من هذا الفخ؟

4854

| 11 أكتوبر 2024

هل الدول الخليجية جاهزة لحمل لواء الثقافة العربية الحديثة؟

إن الازدهار الثقافي والعلمي يتطلب تواجد ظروف ملائمة في ظل الاستقرار السياسي والاجتماعي على امتداد سنين طويلة ما يفضي إلى إيجاد بيئة مواتية تتوافق ومتطلبات تطور الثقافة وانتشارها خارج حدودها، ولذا نرى الدول المتقدمة تولي اهتماما متزايدا بإثراء ثقافاتها بشتى الطرق كونها تعد واجهة لامعة لها تعرض عما يتميز به أهلها من قوة في الخلق والإبداع، وبراعة في إثراء الفكر والعلم، وعمق في التأثر والتأثير، ولعله من السذاجة في الأمر أن نرى البعض يدعون أن الاعتناء بمجال الأدب والثقافة على المجمل قد ولّى زمنه، حيث باتت الدول - في نظرهم الخاطئ- تولي اهتماما أكثر وأكبر بالمجالين العلمي والفكري وحدهما فقط نظرا لعوائدهما القوية وإمكاناتهما الهائلة التي لا تحدها حدود، غير أن ادعاءهم هذا أبعد ما يكون عن التعقل والحصافة، فالنظرة السريعة في قائمة الدول المتصدرة للمشهد الثقافي والأدبي في عالمنا المعاصر تدحض هذا الادعاء حيث نرى الدول المتقدمة تستثمر كثيرا وبكمية هائلة من الموارد في تعزيز وإثراء المجال الأدبي والثقافي، وبالطبع له نتائجه المثمرة على المدى القريب والبعيد، ولا غرو في أننا نجد أجناسا ونظريات أدبية وفكرية حديثة - على وجه العموم- واردة إلى العالم الشرقي من العالم الغربي ما يفند دعاوى المقلين من شأن الاهتمام بأمور الأدب والثقافة، فالذي بات يشغل هموم العالم المتقدم هو تقوية ثقافته وأدبه وتصديرهما للعالم بما يخدم مصالحه من أجل إرساء دعائم متينة للقوة الناعمة، الأمر الذي يصب في نهاية المطاف في رفع شأنها ومكانتها بين الدول. وبالنظر إلى المشهد السياسي والثقافي في العالم العربي المعاصر مع ما يمر به من تحولات جذرية على الأصعدة المختلفة فإننا نكاد نجزم القول بأن قطر والسعودية والإمارات وبقية دول الخليج مترشحة لتلعب دورا أبلغ أثرا، وأكثر أهمية في السنوات القادمة، فهي حظيت بالاستقرار السياسي والاقتصادي منذ عقود فائتة إلى جانب احتضانها لأرباب الفكر والقلم المتميزين، فضلا عما تتمتع به من بنى تحتية ممتازة توفر بيئة صالحة للخلق والإبداع، والابتكار والتجديد. هذا، والشيء الذي يجعلنا نتفاءل ونثق في قدرتها على حمل الثقافة العربية هو سيرها على المسار الصائب آخذة في الاعتبار الظروف الصعبة التي تمر بها البلدان العربية التي كانت في الماضي القريب منبعا للخلق والإبداع، فسوريا ولبنان مشحونتان بصراعات وتوترات داخلية أنهكتهما، ومصر غارقة في تدهور اقتصادي يثقل كاهلها، والعراق بالكاد يقف على قدميه بعد سنين دامية حرمته الأمن والاستقرار، وهي دول كانت لها دور مشهود ومشهور في النهضة العربية الحديثة غير أن الأوضاع السياسية والاقتصادية بها تضعها في وضع لا يُحسد عليه. وفي السنوات القليلة الماضية كثر الحديث -وبكل جدارة واستحقاق- عن دور دول الخليج المهم في نشر وترويج اللغة العربية في مختلف بقاع المعمورة، وبصفة خاصة في الدول الناطقة بغيرها ومنها الهند ودول آسيوية أخرى، وجاءت مبادراتها بهذا الجانب مركزة على بذل جهود أكبر لفتح مجالات أرحب وأوسع تمكّن معلمي هذه الدول ومتعلميها من الاستزادة من الزاد العلمي والثقافي، في ظل توجيهات كوادر علماء اللغة والأدب المميزين، وبإيعاز من أصحاب القرارات والمصالح المعنيين، وذلك شيء ليس بمستغرب على دول خليجية حرصت دوما على توفير بيئة مواتية تتبوأ فيها اللغة العربية مكانتها المتميزة واللائقة بها مع ما يصاحبه من إطلالات مضيئة على الثقافة العربية وترويجها للعالم، وفي ذلك يكمن سر مسايرة الركب الثقافي والحضاري العالمي ومواكبة روح الابتكار والتجديد في عالم الثقافة والأدب. (أكاديمي هندي مقيم في نيو دلهي)

1461

| 28 يونيو 2024

العولمة والحمائية... هل انقلب السحر على الساحر؟

في كتابه ذائع الصيت الموسوم «العالم مسطح» (بالإنجليزية The World is Flat) المنشور في عام 2005، لصاحبه الكاتب الأمريكي «توماس فريدمان» نجده يبدأ كتابه بسرد قصة زيارته إلى مدينة بنغالور الهندية المعروفة بـ»وادي السيليكون الهندي» ورؤيته لشركات تكنولوجية عالمية عملاقة بنت لنفسها فروعا كبيرة في تلك المدينة القائمة في جنوب الهند، بما يبعد عن العاصمة بألفي كيلومتر، غير أن امتلاكها لرؤوس الأموال الضخمة ووجود كبرى الشركات العالمية بها جعلاه يتيقن دعوى تكافؤ الفرص أمام دول العالم، إذ لم تبق رؤوس الأموال والشركات والصناعات حكرا على بضع دول متقدمة ومتطورة، حيث إن الكثير من الدول النامية بدأت تنافسها في مجالات وصناعات كانت تُعدّ لأمد طويل عصا سحرية لعالم الشمال، ومن هنا تراءى للكاتب أن العالم مسطح للجميع ومتساو أمامهم من حيث توفيره فرصا متكافئة لهم جميعا، وهو الأمر الذي تبجح به مؤيدو العولمة منذ زمن حيث رأوا فيها تحول العالم لقرية كونية تتفاعل، وتتواصل وتتاجر فيما بينها متمسكا ومدافعا عن الليبرالية في التجارة والأنظمة والسياسات التي بدأت تؤتي ثمارها، وبالتالي تمخض عنها خطاب فكري وثقافي وسياسي في عالم معولم، غير أن الخطاب ذاته بدأ يتزحزح ويضعف مع صعود الدول الآسيوية مثل الصين والهند وغيرهما التي شرعت تنفتح وتتطور وتتقدم إلى الأمام وتبني اقتصادات قوية وتتاجر مع دول العالم ما أكسبها قوة اقتصادية وسياسية كبيرة بدأت تتزاحم وتتنافس مع الدول المتقدمة، ومن هنا بدأت قواعد اللعبة تتغير، والقرية الكونية رغم شبكة علاقاتها المميزة بدأت تشوبها شوائب التناقض والتحيز ومحاولة الانفلات من قيم وفرضيات العالم المعولم. فها هو ذا الموقف الليبرالي ينهار أمام قوة الصين الإنتاجية للسلع وحشوها السوق العالمية بما فيها أسواق الدول المتقدمة في عقر دارها ببضائع وسلع رخيصة، فانتفضت لها تلك الدول ووجدت نفسها أمام مفاجأة ليست بسارة لها، إذ بدأت السلع والمنتجات الصينية الرخيصة في كميات هائلة تغزو ديارها فتترك صناعاتها المحلية في دوامة الاحتقان، وعلى شفا الخسارة الفادحة، ومن هنا نسمع في شكل شبه يومي فرض ضرائب جمركية فادحة على السلع الصينية تعلنها أكبر دولة مدافعة عن العولمة والتجارة الحرة التي طالما اختارتها الدول المتقدمة نموذجا يحتذى به. وفي خضم ردود الأفعال والتعليقات من الطرفين ظهرت خطابات وتصريحات تناقض الليبرالية والتجارة الحرة قلبا وقالبا، فالحمائية التي تبنتها بعض الدول تبدو متنافية مع روح المتاجرة الحرة التي دعت إليها العولمة وساندتها بكل قوة، ومما يبعث على الاستغراب أكثر هو التصريح الأخير الذي أدلى به العديد من القادة الغربيين حيث ادعوا أن قوة الإنتاجية المفرطة للصين لإنتاج السلع ومقدرتها الفائقة عليه تؤديان إلى تدني مستوى تنافسية مصانعها في مقابل المنتجات الصينية، الأمر الذي يدفع صناعاتها وشركاتها تواجه أخطار الخسارة الفادحة وعدم صمودها أمام بضائع صينية مما يهدد بإغلاقها ما لم تقدم لها حكوماتها الدعم المالي. ونظرا لذلك نرى أن الكثير مما تباهى به داعمو التجارة الحرة في الماضي لعله كان من باب الإكثار من جلب منافع اقتصادية كبيرة في وجه الصناعات الشحيحة والضعيفة في دول العالم الثالث، ولذا كان العالم «مسطحا» في نظرهم، أما الآن، ومع تغير الظروف فقد غدا العالم «دوّارا» فهل انقلب السحر على الساحر؟.

2256

| 21 يونيو 2024

سباق محموم للتسلح ومأساة الدول الفقيرة

في فيلم وثائقي عن طرق غير معبدة يستخدمها الناس في دولة الكونغو الشاسعة جلبا لمستلزمات الحياة الأساسية إلى قراهم النائية - والمشاهد ذاتها تتكرر في العديد من البلدان الفقيرة بالرغم من امتلاكها موارد طبيعية وفيرة- نرى رجلين ينضحان عرقا تلمع حبيباته على وجهيهما في قيظ النهار، وهما يضعان حمولة تزن مائة وخمسين كيلو جراما أو أكثر على دراجتهما الهوائية، ويجرانها وسط طريق غارقة في الوحول، تحفها أشجار كثيفة على جانبيها، ويسكنها قطاع الطريق، ما يقدّم صورة قاتمة للحياة البائسة التي تعيشها مجموعات بشرية تقاسمنا العيش في هذا الكوكب غير أن عوادي الأيام غمرتهم في بحار من الفقر والبؤس والشقاء، لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وجل ما في الأمر أن حظوظهم لم تحالفهم كي يظفروا بنصيب ضئيل من الموارد المالية التي ينفقها البعض من بني جنسهم في جزء آخر من المعمورة في اختراع وتصنيع وتخزين آلات الفتك والدمار يرونها تجلب السلام بدلا من الحروب متناسين دورهم في محاربة الجوع والخوف. ففي الجزء الآخر من الكرة الأرضية، وفي السابع عشر من شهر أبريل لعام 2024م، أعلنت أستراليا تخصيص ميزانية تصل الى ٥٠ مليار دولار في المجال الدفاعي متذرعة بدعوى تحصين حدود بلادها وضمان أمنها وتعزيز ترسانتها الحربية لمجابهة التهديدات الأمنية التي تظنها قادمة من الصين وغيرها، وفي نفس الوقت بالذات تقريبا بثّ الإعلام العالمي نبأ تمرير البيت الأبيض 95 مليار دولار مخصصة لتقديم المساعدة العسكرية إلى أوكرانيا في حربها ضد روسيا، إضافة إلى تقديم مساعدة عسكرية إلى كل من تايوان وإسرائيل، هذا، وتركز الدول في العديد من القارات على زيادة ميزانيتها المخصصة للمجال الدفاعي من أجل زيادة حجم ترسانتها الحربية ضد الأعداء الحقيقيين أو المتخيلين، في سباق محموم يفضي إلى هدر الموارد المالية الباهظة، ما أحرى بها لو تم استخدامها في إطعام مئات الملايين من الأفواه الجائعة في العالم أجمع، وخاصة في دول عالم الجنوب التي تعاني أوجه الفقر والمجاعات والأمراض في ظل شح الموارد وغياب المراكز الصحية البسيطة والتفشي المرعب للجهل والأمية غير أن عالم الشمال مهووس بحكر الموارد وتجويع ملايين من البشر، بل وخلق فوضى خلاقة تتدخل بواسطتها في شؤون الدول الفقيرة بغية تحقيق أطماعها المتمثلة في استنزاف مواردها وكسب أرباح طائلة بواسطتها. هذا، ويجري سباق التسلح على قدم وساق، فتنفق الدول مئات مليارات الدولارات سنويا عليها، ما يصب في نهاية المطاف في جني شركات مصنعة للأسلحة أرباحا باهظة، فطبقا لتقرير نشرته أوكسفام لعام 2022م، فإن الشركات المصنعة للأسلحة والآلات الحربية ربحت إيرادات وصلت مليارات الدولارات، ووفقا للتقرير السالف الذكر فقد «جمعت أكبر 100 شركة أسلحة ما يقرب من 600 مليار دولار من الإيرادات في عام 2022 فقط - وهو ما يكفي لتغطية النداء الإنساني العالمي للأمم المتحدة حوالي 13 مرة». وتأتي هذه الطفرة الهائلة في الإيرادات في وقت «تضاعف فيه عدد الأشخاص الذين هم على شفا المجاعة تقريباً منذ العام الماضي، وأغلبهم في غزة حيث يموت الأطفال بالفعل بسبب سوء التغذية والمرض نتيجة لسياسة الحكومة الإسرائيلية المتمثلة في استخدام المجاعة كسلاح حرب». ويبدو من غير المعقول أن يستمر الوضع على ما فيه من هيمنة السياسات المفضية إلى السباق المحموم للتسلح وهدر الموارد الغالية، وهو أمر يستدعي اتخاذ قرارات صعبة للحيلولة دون اتساع رقعة الحروب والظلم وتغليب أصوات العدل والسلام في العالم.

2049

| 07 يونيو 2024

التعليم الجامعي لأبناء المقيمين.. ملف لا ينبغي إهماله
التعليم الجامعي لأبناء المقيمين.. ملف لا ينبغي إهماله

هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ...

11460

| 22 أكتوبر 2026

كرفانات من ذهب
كرفانات من ذهب

هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات...

4044

| 27 أكتوبر 2026

مؤتمرٌ بلا صحافة وتصنيفٌ بلا معايير
مؤتمرٌ بلا صحافة وتصنيفٌ بلا معايير

تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"،...

3705

| 22 أكتوبر 2026

أين الخلل في منظومتنا الكروية؟
أين الخلل في منظومتنا الكروية؟

نستطيع لـوم اتحاد القدم وإدارات الأندية ووكلاء جلب...

3378

| 22 أكتوبر 2026

قطر والغاز الأمريكي.. ما وراء صفقة الشراء؟
قطر والغاز الأمريكي.. ما وراء صفقة الشراء؟

قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من...

1422

| 25 أكتوبر 2026

حين يصبح التوظيف بداية الفشل
حين يصبح التوظيف بداية الفشل

قد تبدأ مشكلات المؤسسة قبل أن يتخذ الموظف...

1263

| 27 أكتوبر 2026

مأساة تعز وضرورة تحرك المجتمع الدولي
مأساة تعز وضرورة تحرك المجتمع الدولي

تبدو الحملة العسكرية (الحوثية) والحصار المفروض على مدينة...

924

| 26 أكتوبر 2026

رسالة من متقاعد إلى من يمثّل المتقاعدين
رسالة من متقاعد إلى من يمثّل المتقاعدين

أبارك للأخ حمد راشد المهندي على اختياره عضوًا...

840

| 25 أكتوبر 2026

ستر بيوتنا في خطر
ستر بيوتنا في خطر

في أكتوبر 2025 فتحت شركة أمريكية باب الطلب...

630

| 21 أكتوبر 2026

ما بين الدابة والعصا
ما بين الدابة والعصا

إن من أعظم العِبَر في قصة نهاية مُلك...

594

| 21 أكتوبر 2026

الذكاء الاصطناعي.. هل يتكرر سيناريو الدولار؟
الذكاء الاصطناعي.. هل يتكرر سيناريو الدولار؟

شكّلت هيمنة الدولار وحجب الوصول إلى النظام المالي...

462

| 23 أكتوبر 2026

في المسألة خلاف
في المسألة خلاف

لئن عجت كتب الفلاسفة الغربيين بالجدل حول ثبات...

420

| 25 أكتوبر 2026

أخبار محلية