رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

غزة.. سلاح الإعلام أمضى

لا تتعجبوا لأمر مسؤول (الأونروا) حين أجهش بالبكاء لهول ما شاهد في غزة عبر الصور التلفزيونية الحية.. أكبر التظاهرات المناوئة لإسرائيل التي شهدتها بريطانيا كانت الأسبوع الماضي في مدينتي لندن وكارديف على خلفية أحداث غزة المؤلمة التي نقلتها الصور التلفزيونية.. بالطبع كان ذلك أكبر إدانة للصمت العربي المخزي، بيد أن ذلك أكد فاعلية الإعلام خاصة الفضائي في صناعة الرأي العام المناوئ لمراكز القوى الدولية التي ورثناها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.. ليس غريباً أن يصف خبراء الإعلام والعلوم السياسية، الرأي العام بأنه أكبر قوة عرفها البشر.. بل يمثّل القوة المعنوية التي تتحقق بها الأهداف المشتركة لأي أمة من الأمم. وحين تتحول القوة المعنوية إلى قوةٍ ماديةٍ في ظروف معينة، تصبح كالطوفان، وتكتسح أمامها كل شيء ولا تبالي بأي شيء.. لقد أصبح الرأي العام أساس السلطة في عصرنا الحالي، عصر ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال وزمن الصراع الحاد على امتلاك المعلومة والمعرفة. لا يمكن في ظل عجز الإعلام العربي المُستمد من عجز النظم العربية المحتمية بغياب الديمقراطية والشفافية أن نتجاهل ما تقوم به قناة الجزيرة من دور فعال ومؤثر في كشف ألاعيب الدولة اليهودية وتحكمها في آلة الإعلام الغربي؛ فهذا الكاتب الأمريكي الشهير يشير إلى أنه لا أحد يستطيع أن يُظهر لا مبالاة بقناة الجزيرة. ويقول: "إن الجزيرة متحيزة للتطلعات العربية بلا جدال في سياق حلم جميع العرب بأن يتّحدوا ويتحرّروا من السيطرة الأجنبية. ولكن هذا لا يجعل نقلها للأخبار كاذبا"، مضيفاً: "إن الجزيرة في تغطيتها للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين عكست رأي أغلبية العرب". الواقع العملي عبر التاريخ يؤكد أن الإعلام سلاح ماضٍ يُستخدم في الأغراض السّياسية بشكل كبير جدا، بل إن البعض يذهب إلى القول بأن كثيرا من الأجهزة الإعلامية حول العالم ليست إلا مشاريع سّياسية بأهداف محدّدة، وتؤكد المدرسة الغربية في العلوم السياسية على أهمية الإعلام والاتصال باعتباره أبرز مكونات النظام السّياسي المعاصر.. وعليه ليس من المنطقي وبكل بساطة أن نتوقع من جهاز إعلامي عربي مثل "الجزيرة" أن يكون غير متحيّز إزاء القضايا الأساسية مثل قضية فلسطين التي يُجمع العرب الرأي عليها.. ألم تقر لجنة بمجلس النواب الأمريكي (الكونجرس) قبل أكثر من عقد من الزمان تخصيص مبلغ 245 مليون دولار لبدء بث تلفزيوني وإذاعي وبرامج تبادل ثقافي موجهة إلى منطقة الشرق الأوسط؟ وجاء ذلك بعد الإشارة إلى أن قناة الجزيرة كانت صوتا مؤثرا في المنطقة. وتم إقرار ذلك ضمن مشروع قانون أُطلق عليه برامج "دبلوماسية الرأي العام" يخصص أموالا لإنشاء قناة تلفزيون فضائية باللغة العربية تبث إرسالها 24 ساعة يوميا وموجهة للشرق الأوسط. وقد سُمّيت هذه القناة لاحقاً بقناة الحرّة. وأشار كاتب – آنذاك - في صحيفة الاندبندنت البريطانية إلى أن هناك قلقاً أمريكياً كبيراً بخصوص تأثير الجزيرة على الرأي العام العربي، مما دفع الحكومة الأمريكية في العام 2003م إلى إنشاء تلك القناة.ربما كنا اليوم أكثر قناعة بأن قيماً مثل الحرية والموضوعية في ظل ارتباط السياسة في الغرب بالإعلام تكون أقرب إلى الأطر النظرية من الفعل الحقيقي، فعلى سبيل المثال تعمل هيئة الإذاعة البريطانية من الناحية النظرية مستقلة عن الحكومات والأحزاب السّياسية والمصالح المختلفة، ولكنها تظل في النهاية خاضعة لإرادة البرلمان، وهي تعمل باعتبارها شركة بتفويض من البرلمان، وذلك لعدد معين من السنوات.. وتقدم هيئة الإذاعة البريطانية وجهة النظر البريطانية الرسمية من خلال تصريحات المسؤولين وإجراء مقابلات، وتتحقق وزارة الخارجية البريطانية من عدم تقديم الإذاعة باستمرار لمعلومات معارضة للحكومة، وتحاول وزارة الخارجية أحيانا أن تمارس سلطاتها بإرسال مسؤول صغير ليتحدث كضابط اتصال مع المسؤول المختص في الهيئة العتيقة.. في الولايات المتحدة، بات معروفاً لدى وسائل الاتصال الجماهيرية ما اشتهر بمصطلح "متطلبات الأمن القومي الأمريكي" في مواجهة "الأضرار" التي يمكن أن تصيب الرأي العام الأمريكي بالعطب أو الخلل في اطلاعه على الوقائع الحقيقية لمجريات ونتائج المغامرات العسكرية الأمريكية حول العالم.. ليس هذا فحسب بل إن نفوذ الدولة اليهودية قائم في كل مكان بشكل كبير عن طريق امتلاك الإعلام حول العالم والإشراف على القنوات الفضائية العالمية والصحافة ودور النشر ووكالات الأنباء. عبر الإعلام يقود اليهود عبر العالم بذور الفتن والشرور ليبقوا سادة العالم؛ يقول اليهودي الدكتور أوسكار ليفي في الطبعة الخامسة لكتاب بروتوكولات صهيون، ترجمة عباس محمود العقاد: "نحن اليهود لسنا إلا سادة العالم ومفسديه، ومحركي الفتن فيه وجلاديه".. بسبب هذه العقلية اليهودية ظل موقف تركيا وهي الظهير القوي للأمة العربية والإسلامية، منذ انقلاب "أتاتورك" ولوقت قريب تجاه العرب لا يفسره إلا نفوذ اليهود في تركيا، فلو بقيت الخلافة العثمانية ـ رغم ضعفها ـ قائمة لما أمكن قيام وطن يهودي في فلسطين، فنكب اليهود تركيا لذلك بتسليط بريطانيا عليها أثناء الحرب العالمية الأولى، وكادت بريطانيا تعقد الصلح مع تركيا أثناءها، ولكن اليهود عطلوه بزعامة وايزمان رئيس إسرائيل ـ كما ذكر هو في مذكراته ـ وبمساعدة بعض النساء فهم الذين حالوا دون الصلح بينهما، حتى تخرب تركيا وتنحل خلافتها وتمتد حاجة بريطانيا بشدة إلى اليهود. كما كان لهم نصيب كبير في إلغاء الخلافة، وكان أحد الثلاثة الذين سلموا الخليفة قرار العزل يهودياً. وكان لنفوذهم أكبر الأثر في طرح تركيا دينها الإسلامي وقوانينها الإسلامي وقوانينها الإسلامية ومحاربة اللغة العربية والتبرؤ من صلاتها بالعرب.

1093

| 02 أغسطس 2014

الصحافة السودانية تحت نيران البطش

حتى هذه اللحظة لم يُكشف النقاب عن أخطر اعتداء يتعرض له رئيس تحرير صحيفة سودانية، منذ الاعتداء الدموي على رئيس تحرير صحيفة الوفاق في العام 2006 الذي تعرض للخطف والقتل بطريقة بشعة لاحقا.. كل الخشية أن ينتهي ملف الاعتداء الأخير على رئيس تحرير صحيفة التيار الأسبوع الماضي إلى بلاغ ضد مجهول.. حتى اليوم أكتفت الرواية الرسمية إلى تقرير غامض مفاده أنه: (اقتحم مجهولون ملثمون مبنى صحيفة التيار واعتدوا بالضرب على رئيس التحرير عثمان ميرغني، وتسبب المهاجمون بجروح للضحية حيث نقل إلى المستشفى لتلقي العلاج).لاشك أن السلطات السودانية تتحمل المسؤولية من عدة جهات؛ فالبعض يتهم السلطات نفسها بتدبير الحادث في محاولة منها لإرهاب الضحية الذي عرف بآرائه السياسية الجريئة، وليكون عبرة لآخرين. ويقول أصحاب هذا الرأي أن عثمان ميرغني كان قد كسب قضية ضد السلطات الأمنية بعد مراحل تقاضي مضنية امتدت لأكثر من عام ونصف وأصدرت المحكمة الدستورية وهي أعلى مراحل التقاضي حكما لصالحه يقضي بعودة صحيفة التيار التي يملكها مع آخرين ويرأس تحريرها بعد أن أوقفها جهاز الأمن لنشر مواد أعتبرها الجهاز مهددة للأمن القومي.. واستأنفت الصحيفة صدورها قبل أسابيع قليلة، وبما أن رئيس التحرير مضى في انتقاد الحكومة ولم يعد من الممكن إعادة إغلاق الصحيفة فضلا عن أن الجهاز كان قد أغلق للتو صحيفة الصيحة التي تخصصت في نشر ملفات الفساد الحكومي للمرة الثانية لأجل غير مسمى وهي لم تكمل ثلاثة أشهر من صدورها؛ فأصحاب هذا الرأي يرون أن مهاجمة رئيس التحرير بتلك الطريقة أفضل سبيل لإرسال رسالة له بالكف عن مصادمته للحكومة وبالتالي تجنب حرج إغلاق صحيفته مرة أخرى. فإن استبعدنا تلك الرواية، فإن السلطات تتحمل مسؤولية الحادث الأليم من جهتين: الأولى، أن ضيقها بالرأي الآخر وإغلاق الصحف قد شجع جماعات وفئات متطرفة بأخذ القانون بيدها وتحذوا حذوا الحكومة في قمع الرأي الآخر بطريقتها.. الأمر الآخر الذي يلقي بالمسؤولية على السلطات أيضا فشلها في توفير الأمن والحماية للمواطنين؛ فصحيفة التيار تقع على بعد أمتار قليلة من القصر الجمهوري في قلب الخرطوم، فإن كان هذا الحال في الخرطوم عاصمة البلاد فكيف الحال بالمدن البعيدة والأطراف النائية؟!إن التلكؤ وعدم كشف الجناة وتقديمهم للمحاكمة سيضاعف المسؤولية على الحكومة وربما يعضد الاتهامات الموجهة إليها بل يطعن في كفاءة وقدرة الأجهزة الأمنية.. إن الطريقة التي هوجمت بها صحيفة التيار تشير إلى أن المهاجمين قاموا بفعل محكم التخطيط وعالي الترتيب ولم يكن رد فعل عفوي وانفعال لمجموعة لم تتقبل الرأي الآخر.. لقد استخدم المهاجمون تكتيكات عسكرية مستغلين سيارتين لاندكروزر من دون لوحات، فقد صادر المهاجمون الهواتف النقالة لكل الصحفيين الذين كانوا موجودين في الصحيفة أثناء الحادثة، وانتهوا من مهمتهم في حوالي ربع ساعة وغادروا المكان بسرعة دون أن يتمكن أحد من ملاحقتهم أو معرفة الجهة التي غادروا إليها.لقد توالت وبصورة مزعجة قصص إغلاق وتعليق صدور الصحف في السودان والمتهم الوحيد جهاز الأمن والمخابرات الوطني.. الذين يقفون خلف تلك القرارات في الجهاز القابض يستندون إلى المادتين (24، 25د) من قانون الأمن الوطني لعام 2010م، واللتان تخولان للجهاز مصادرة وإغلاق أي مطبوعة تهدد الأمن القومي.. الخلل أو (الميوعة) في هاتين المادتين أن تقدير تهديد الأمن القومي يختلف من ضابط إلى آخر.. الجهاز يعلق الصحيفة أولا ثم من بعد ذلك يحيل الأمر إلى القضاء، بيد أن قراره غير قابل للنقض أو الاستئناف كما هو الحال بالنسبة لصلاحيات المجلس القومي للصحافة والمطبوعات الذي كثيرا ما طُعن أوامره بإغلاق الصحف حتى يبت القضاء في المسألة موضوع النـزاع.في جانب آخر كان قرار وزارة العدل بإنشاء نيابات متخصصة للصحافة بالولايات منذ حوالي عامين قرارا مجحفا وكانت هذه البدعة، أحد أدوات الحرب على الصحافة السودانية وحلقة من حلقات مسلسل التضييق عليها.. لقد وجد ولاة الولايات المترعة بفساد أجهزتها المالي والإداري ضالتهم في ذلك القرار لتخفي عوراتها وترهب الصحافة لتبتعد عن كشفها وتسليط الضوء عليها.. قرار وزارة العدل بإنشاء نيابة متخصصة للصحافة بولاية الجزيرة ترتب عليه استدعاء رؤساء التحرير والصحفيين للمثول أمام هذه النيابة وتطور الأمر لاقتياد بعضهم من صحفهم أثناء ساعات العمل وفي هجعة الليل للسفر إلى ود مدني.. إن مجرد القبض على الصحفي وجرجرته للمثول في إحدى نيابات الولايات فإن العقوبة تكون قد أنزلت حتى ولو تبين فيما خطل الاتهام الموجه إليه واللجوء لشطب البلاغ وحفظه، وهذا ما يحدث في الغالب في شأن القضايا الموجهة ضد الصحف.. لو أن صحيفة نشرت على مدى أيام متتالية تحقيقات فساد في ولايات مختلفة ولم يعجب ذلك حكوماتها فإن رئيس التحرير على سبيل المثال سيكون في حالة ترحال دائم للمثول أمام نيابات الصحافة الولائية.. ما يتمناه الولاة أن تكون نتيجة هذه الجرجرة أن يفكر رئيس التحرير كثيراً وعميقاً قبل أن يجيز مادة صحفية نقدية لحكومات الولايات إن أراد السلامة والبقاء في العاصمة.الصحفيون في السودان هم أشبه بمغامرين لا يجرؤون، ولم يجرؤ أسلافهم، على تقدير نهايات مشوارهم المهني، خصوصاً أن اللا استقرار يسمُ حياة كل منهم منذ لحظة نشر مقالته الأولى، أو حمله بطاقة صحفية من مؤسسته.

1541

| 26 يوليو 2014

السياسة وأسطورة (الفلامنكو)

عندما تذكر السّياسة يتحسس الناس بطونهم ويبحثون بسرعة عن دواء (أندروس) الفوّار أو (إينو) للقضاء على حالة الغثيان التي تنتابهم جراء ذكر السّياسة قاتلها الله.. كثيرون يعتقدون يقينا أن لا فرق بين السّياسة والنفاق؛ فالاثنان وجهان لعملة واحدة، واليوم نبتعد قليلا من السياسة بيد أنه قد نقترب منها؛ فكيف ذلك؟. كم في دنيانا أو مجتمعنا من طائر مذبوح يستمتع قاتلوه برقصته ويشربون على أنغامها دمه المهدر ظناً منهم أنهم يشربون نخب الانتصار وهي ليست إلا نخب التشفي والانتقام.. أسوأ أنواع الحرب تلك الحرب السرية التي تدار عبر عالم سُفلي.. أحقاد الإنسان على أخيه الإنسان بلغت دركا سحيقا.. أحيانا قد يشعر المرء وهو متألم أنه يرقص رقصة الفلامنكو، فليس بالضرورة أن دواعي الرقص الطرب والفرح، فقد يرقص الطائر المذبوح من الألم.. ومعلوم أن الفلامنكو هو نوع من الموسيقى الإسبانية، وفي أصلها نشأت في الأندلس ماضي المسلمين الزاهي في منتصف القرن التاسع عشر.. هناك عدة فرضيات لأصل الاسم، لكني أميل لفرضية أن يكون أصل الاسم هو (الفلاح المنكوب) أو (فلاح منغو) مِن (فلاح من غير أرض) وهم فلاحون أصبحوا بلا أرض، فاندمجوا مع الغجر وأسسوا ما يسمى بالفلامنكو كمظهر من مظاهر الألم التي يشعر بها الناس بعد إبادة ثقافتهم.قال لي ذات مرة رجلا: (ألم تر فلانا يسجن أصبعه في خاتم فخيم بفاروصة مثل ثمرة العنب بيضاوية الشكل والفخامة تشير إلى الضخامة والغرابة في آن واحد).. تساءلت ببراءة وماذا في ذلك؟؛ فقالوا إنها غالباً واحدة من الممارسات الجاهلية.. من قبل كانت أقصى التوصيفات السالبة تذهب إلى أن المرأة التي ترتدي خاتماً كبير حجم غريب الشكل، أنها امرأة متناقضة متقلبة تميل إلى القلق والمعاناة العاطفية.. لكن اليوم هناك ما يشيب الرؤوس.السحر أو ما يعرف بـ (العمل) من الممارسات المخزية في مجتمعنا والتي أضحت أكثر ضراوة في حاضرنا المنكوب.. السياسيون تبعوا الرياضيين وتفوقوا عليهم في إدارة معاركهم السياسية مع خصومهم عبر السحر والسحرة.. انتشار مراكز العلاج بالقرآن يشير إلى وعي المجتمع بحتمية البعد عن علاج السحر بالسحر، لكن في نفس الوقت يشير هذا الانتشار إلى ازدياد هذه الممارسة غير الأخلاقية التي تنم عن نفس خبيثة.. الإسلام وقف من السحر موقفا حاسما، فسدّ كل طريق يؤدي إليه، وحرّم تعلمه وتعليمه وممارسته، منعا لضرره.. فالسحر كما أخبر الله عنه طريق للفساد وسبب للضرر بين الناس، وهو فوق ذلك كله سبب للكفر بالله سبحانه والخروج عن دينه وشرعه والعياذ بالله.عالم الجن والشياطين عالم غيبي، لا نراه ولا نسمعه، بيد أن من يتعامل مع تلك العوالم لاشك فيه خصلة تنم عن الجبن والخسة الناتجة عن سوء تربية الإنسان لنفسه.. فهذا العالم يشكل العدو الخفي والأشد ضراوة على الإنسان، فهو لا يفتأ يفسد أخلاقه وعقيدته، ويورث بينهم العداوة والبغضاء، لذلك فلا غرو أن تتواتر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في بيان خطر هذا العدو، وسبل إضلاله وإفساده، حتى يحذره الناس، ويكونوا في مأمن من مكره وشره..الوقاية المانعة من شر الجن أن يقرأ الإنسان ما جاءت به السنة مما يتحصن به منهم مثل آية الكرسي، فإن آية الكرسي إذا قرأها الإنسان في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح.. الشيخ ابن تيمية جمع الأذكار التي تقي من شرور السحر في كتابه (الكلم الطيب)، والنووي في كتابه (الأذكار) والشيخ عبد العزيز بن باز في كتابه (تحفة الأخيار) والشيخ القحطاني في كتابه (حصن المسلم). فعلى المسلم حفظ هذه الأذكار وترديدها ليحفظه الله من كيد الشياطين والعباد) والله الحافظ.. الملاحظة الجديرة، أنه رغم تفاقم المشكلة إلا أن حركة التثقيف والتوجيه لا تتناسب مع يقتضيه من معالجة وحماية للمجتمع فالمسؤولية مشتركة بين وزارتي الإرشاد والرعاية الاجتماعية فضلا عن دور منظمات المجتمع المدني.

1058

| 19 يوليو 2014

زيارة السيسي للخرطوم.. ما الجديد؟

تحاول مصر ممثلة في قيادتها الجديدة المشير عبد الفتاح السيسي، أن تحدث اختراقات في علاقتها مع السودان ومن ثمّ علاقتها بأثيوبيا خاصة وإفريقيا عامة.. زيارة السيسي الجمعة قبل الماضية للخرطوم بالرغم من كونها لم تتجاوز عدة ساعات؛ إلا أنها كانت ذات دلالات عميقة.. بعد أن (انتهت) معركة السيسي الداخلية اتجه لترميم سياسة مصر الخارجية؛ إذ لا تكفيها علاقة تنسيقية وربما استراتيجية مع إسرائيل أو حتى علاقات قوية مع السعودية وعدد من دول الخليج؛ فالسودان والفضاء الإفريقي قضية مهمة لمصر من الناحية السياسية والاقتصادية.. فالمجموعة الإفريقية أقرب المجموعات الدولية والإقليمية لمصر، وتستطيع أن تلعب فيها القاهرة أدوارا خطيرة لصالحها إقليميا ودوليا وليس من المنطق أن تظل مصر منعزلة وربما منبوذة من المجموعة الإفريقية بسبب ما حدث جراء الاطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي.. وكانت مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر دولة قائدة ومؤثرة في الاتحاد الإفريقي – منظمة الوحدة الإفريقية سابقا – وعبرها كان لمصر وزن سياسي إقليمي ودولي كبير ولعبت دورا بارزا في منظمة دول عدم الانحياز بل تمكنت من كبح جماح الاطماع الإسرائيلية في إفريقيا.. كذلك فإن الأزمة الاقتصادية في مصر خاصة عدم قدرتها على توفير الغذاء الرئيسي لمواطنيها وهو محصول القمح، فإنها في حاجة لعلاقات اقتصادية قوية مع إفريقيا خاصة جارتها في الجنوب (السودان) الذي يتمتع بأراض زراعية شاسعة وصالحة للزراعة وتستوعب ببساطة وبكفاءة عالية حاجة مصر لتوفير غذائها الرئيسي. لكن على مصر في عهد السيسي أن تستوعب عدة متغيرات وهي تسعى لترميم علاقتها بإفريقيا والسودان.. لعل السد الأثيوبي الذي يعرف بسد الألفية أو سد النهضة الذي بدأ العمل فيه فعليا وينتهي في 2017 هو المتغير الأهم.. ولم يكن متغيرا مهما لو لا حساسية مصر تجاه قيام سدود على نهر النيل خارج حدودها.. مصر أعترضت بشدة على السد ومازالت في الوقت الذي قطع العمل فيه شوطا كبيرا، وتقول مصر أن السد سيؤثر على حصتها من المياه، في حين تقول أثيوبيا أنها ليست في حاجة لمياه بقدر ما هي تسعى لتوليد الطاقة الكهربائية التي سوف تصدرها إلى أوروبا بحلول عام 2020.. وهدف أثيوبيا من التخزين التوليد الكهربائي وليس ري المشاريع الزراعية فهي تقع في منطقة مطيرة كما أن الانحدار الشديد للهضبة الأثيوبية لا يمكن من اقامة مشاريع زراعية بمساحات ضخمة تستوعب كميات كبيرة من المياه المخزنة. على القاهرة أن تراعي أن للسودان مصلحة اقتصادية كبيرة في قيام السد الأثيوبي ولذا يؤيد موقف أثيوبيا، وفي نفس الوقت عليها أن تراعي أن الخرطوم تقف معها في أمر أخطر من موضوع السد الأثيوبي وهي اتفاقية مياه النيل التي يراد لها أن تستبدل باتفاقية جديدة تسمى اتفاقية عنتيبي.. فقد كانت هناك على الدوام مطالبات متزايدة لبعض دول حوض النيل بإعادة النظر في الاتفاقيات القديمة، فقد هددت (تنزانيا وكينيا وأثيوبيا) بتنفيذ مشروعات سدود قد تقلل من كميات المياه التي ترد إلى مصر ما لم يتم تعديل اتفاقية المياه السارية اليوم.. لكن من حسن الطالع أن هذه التهديدات لم ينفذ أغلبها، وقابلتها القاهرة بمحاولات تهدئة وتعاون فني واقتصادي وأحيانًا تقديم مساعدات لهذه الدول. لكن دول حوض النيل الـ(11) – عدا مصر والسودان - مضت قدما في توقيع اتفاقية بديلة لاتفاقية مياه النيل اسمتها اتفاقية عنتيبي لاعادة توزيع حصص مياه النيل وفقا لقاعدة جديدة عرفت بقاعدة (المنصف والمعقول).. وعليه فإن جبهة اتفاقية عنتيبي هي الأولى بالعناية وبالتالي فإن تبريد الجبهة الأخرى - السد الأثيوبي - ضرورة على الأقل في الوقت الحالي. إن وضع الأمر في اطار خلافات فنية وقانونية هو الطريق الآمن لحل المشكلات.السودان ظل يأخذ على النظم الحاكمة في مصر وضعها علاقات البلدين في إطار أمني بحت وليس في إطار تكاملي واقتصادي؛ فالسودان ظل ملفا أمنيا في الاستخبارات المصرية وليس ملفا سياسيا في وزارة الخارجية الأمر الذي عطل انطلاق العلاقات بين البلدين في رحاب المصالح الاستراتيجية المتبادلة.. ولا يبدو أن طريق إقامة علاقات طبيعية بين السودان ومصر في عهد الرئيس السيسي سيكون مفروشا بالورود.. إذ لا تكفي النوايا الحسنة ولا العاطفة الجياشة في عالم السياسة الدولية بالغ التعقيد.. إن كان الحديث (الكلاسيكي) بشأن أن مصر امتداد طبيعي للسودان وكذا السودان امتداد طبيعي لمصر ديدن سياسيي البلدين منذ عهود طويلة دون جدوى، فإنه حان الوقت لأن تتجاوز العلاقات محطة (الكلاسيكية) إلى محطة الفعل الحقيقي.. للشعبين المصري والسوداني آمال وأحلام كبيرة في تحقيق التكامل الذي أصبح ضرورة ملحة.

890

| 12 يوليو 2014

هل حسم البشير أمر خلافته؟

مؤشرات كثيرة في السودان تؤكد عدم ترشح الرئيس البشير لولاية رئاسية جديدة العام القادم 2015 وسيكتفي الرجل بمسيرة حكم بلغت ربع قرن من الزمان.. البشير الذي قل نشاطه كثيراً خلال الأشهر القليلة الماضية بسبب المرض اتخذ عددا من الترتيبات التي ينظر إليها باعتبارها ترتيبات تصب في نقل سلسل للسلطة لأحد الضباط الذين رافقوا مسيرته وتتوفر فيه درجة عالية من الثقة من جانب البشير.. الترتيبات تؤمّن موقف الرجل حال كونه رئيس سابق مطارد من المحكمة الجنائية الدولية؛ لكنها قطعا لا تصب في رأي المراقبين، في صالح تحول ديمقراطي ومدني للحكم في البلاد.نهاية العام الماضي أزاح البشير رموزا سياسية ومراكز قوى ظلت متنفذة ومستأثرة بالسلطة طيلة السنوات الخمس والعشرين الماضية، تمهيدا على ما يبدو لخليفته من المؤسسة العسكرية.. صحيح أن تلك المجموعة أنسد أفقها السياسي ونضب معين مبادراتها السياسية فلم تعد تقدم حلولا ذكية تخرج البلاد من وهدتها، بل لم تعد قادرة على إقناع أغلبية حزب المؤتمر الحاكم الصامتة والمعتزلة، بالعودة للولاء والفاعلية التنظيمية فضلا عن عدم قدرتها على حشد وحث تلك الأغلبية الصامتة والمعتزلة للالتفاف حول النظام في المرحلة القادمة؛ فليست تلك قضية البشير بل على يبدو ينظر إلى تلك المجموعة المدنية باعتبارها مهددا لخليفته، فهي ظللت تتحين الفرص - وهي متنافسة فيما بينها كذلك – لخلافة البشير.فالرئيس البشير بذلك الإجراء عاد القهقرة لمؤسسته العسكرية (الجيش) وفي تلك التغييرات أستبدل نائبه الأول علي عثمان محمد طه وهو رجل دولة مدني وكان مرشحا قويا لخلافته، بالفريق أول بكري حسن صالح آخر أعضاء مجلس الانقلاب الذي قاده إلى السلطة في يونيو 1989 ومن الذين بقوا في السلطة بجانبه.. عليه فقد أصبح الطريق نحو مدنية الحكم في السودان طريقاً غير معبد ليبقى الجيش لاعباً رئيساً ووحيدا في الحياة السياسية السودانية.. إن ما أقدم عليه البشير عضّد رأي بعض شيوخ الحركة الإسلامية السودانية وهي المرجعية الفكرية لنظام البشير، فقد أشاروا إلى خطأ عدم تعهد النخبة العسكرية الإسلامية بالبناء الفكري، فبقي تدين النخبة العسكرية بقيادة البشير أقرب إلى التدين الصوفي التقليدي الشائع في السودان؛ والصوفية التقليدية تصطدم في الغالب مع القيم الديمقراطية المنفتحة.قبيل الانقلاب الأبيض الذي أطاح فيه البشير بالرموز السياسية رفض الاستجابة لمذكرة إصلاحية قادها القيادي البارز غازي صلاح الدين – قبل انشقاقه فيما بعد وتشكيل حزب خاص به - طالب فيها بإجراء مراجعات داخلية في حزب الرئيس البشير الحاكم بهدف تقويته مما يؤهله لقيادة البلاد فترة أطول. وكان واضحاً أن العتباني من مؤيدي تنحي الرئيس البشير ولكن ليس لصالح العسكر، وسبق أن أشار في مقال له (أن البشير بخبرته قد أدرك استحالة أن يأتي زعيم - أي زعيم - بجديد في الحكم بعد أن قضى فيه خمسة وعشرين عاماً).. مضيفاً: (قوانين الطبيعة والفيزياء والكيمياء وحدها تمنع ذلك، ولعل الرئيس رأى أجيالاً ناهضة تموج موج البحر تطلعاً لحظّها في القيادة وتجريب رؤاها المجُدّدة).. بل كان العتباني أكثر وضوحاً في رؤيته عندما قال: (وربما حدَّق الرئيس في الأفق ونظر في أقاصيص الزمان فأدرك أن التاريخ سيكون أرأف به في أحكامه لو أنه أحسن توقيت تنازله، وربما نظر الرئيس إلى أحكام التاريخ على حكام آخرين لم يعوا دروس الوقت فاستبرأ من أن يستنَّ بسنتهم).إن غازي ومن يؤيدوه يرون أن المناخ الدولي والإقليمي وثورات الربيع العربي ضرورة التغيير في الحزب وقيادته باعتباره محوراً مهماً في خطط مواجهة الأزمات التي تواجهها البلاد، وأن التغيير يمثل فرصة لالتقاط الأنفاس باعتبار أن ذلك التغيير يجعل الفرصة مواتية أمام الدول التي ظلت مناوئة لسياسة البشير لفتح صفحة جديدة مع السودان خاصة الولايات المتحدة الأمريكية والمجموعة الأوروبية.. كذلك من أهم دواعي ترجل البشير أن وصوله للحكم جاء عبر انقلاب عسكري وهذه الوسيلة رسخت النظرة إليه – داخليا وخارجيا - كحاكم عسكري ولم تتغير هذه النظرة رغم انتخابه عبر الاقتراع المباشر كرئيس مدني في أبريل من العام 2010م وقد جاء ذلك بعد خلعه بزته العسكرية حسب شرط قانون الانتخابات.. والانطباع الدولي الذي مازال سائداً، هو أن البشير انقلب على حكومة منتخبة وهي حكومة رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي.الطبقة الحاكمة بما فيها البشير نفسه على قناعة على ا يبدو بترجل البشير، لكن هذا الترجل لن يأتي وفق ما تشته سفن المدنيين الذين تحالفوا معه ودعموه طيلة فترة حكمه، فالرجل حسابات أخرى فهو يؤمن بأن العسكريين أوفياء لزملائهم في المهنة.. المشير عبد الرحمن سوار الذهب الذي استلم السلطة من الرئيس جعفر نميري في أبريل 1985م إثر ثورة شعبية لم يكن حريصا على محاكمته كذلك المشير محمد سيد طنطاوي في مصر جعل الرئيس حسني مبارك بعيداً عن الإذلال.. هذه الميزة التفضيلية لا تتوفر إلا في رجل مثل الفريق أول بكري حسن صالح، الذي أمسك بكل الملفات الداخلية كما بدأت عملية تسويقه خارجيا بشكل ممنهج إذ مثل البشير في العديد من الملتقيات الدولية الأمر الذي لم يتح للنائب الأول السابق علي عثمان طه.

1054

| 05 يوليو 2014

أليس في الخرطوم رجل رشيد؟

لم يكن الحكم القضائي الثاني على الفتاة السودانية المتهمة بالردة عن الإسلام والصادر من محكمة الاستئناف والقاضي ببطلان الحكم الأول، كافيا لإسدال الستار على قضية لم تشغل الرأي العام السوداني فحسب، وإنما شغلت الرأي العام العالمي لاسيَّما الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.. واعترفت الخرطوم بأنها تعرضت لضغط دولي لم يسبق له مثيل.. الحكم الأول قضى بإعدام الفتاة - وتدعى مريم يحيى إبراهيم (27 عاما) – التي تحولت من الإسلام إلى المسيحية أو هكذا اتهمت؛ بينما الحكم الثاني نقض الحكم الأول وأطلق سراح المتهمة وكأن شيئا لم يكن. أخطاء سياسية وقانونية وضعت السودان في مرمى الانتقادات الدولية في ظل أزمة انعدام ثقة متجذرة بين نظام الخرطوم والمجتمع الدولي أسهمت فيها بشكل كبير أزمة دارفور التي تجاوزت عقد من الزمان دون حلول ناجعة ونهائية.. لم تجد الولايات المتحدة بدا من التدخل وبشكل سافر في قضية الفتاة وهي متزوجة من رجل من جنوب السودان يحمل الجنسية الأمريكية.. ولم يكن دافع التدخل جنسية الزوج فحسب، بل بسبب قوة دفع الرأي العام الأمريكي التي أثارته إجراءات الحكومة السودانية على خلفية تاريخ طويل من سوء الظن والاختلاف والتباين في العديد من القضايا.. ولهذا تفرض واشنطن عقوبات اقتصادية على السودان منذ العام 1997 بسبب انتهاكات مزعومة لحقوق الإنسان، وشددت العقوبات في 2006 بسبب أزمة دارفور.البلدان تبادلا استدعاء القائمين بالأعمال لدى كل منها؛ السودان يحتج على تدخل واشنطن في قضية سودانية داخلية، وواشنطن تحتج على ما تراه انتهاكا لحقوق الإنسان وحرية العقيدة لزوجة مواطن أمريكي.. الحماس الأمريكي للفتاة المتهمة جعل واشنطن تتعجل خروجها من السودان فور إطلاق سراحها فعمدت السفارة الأمريكية في الخرطوم لإعطائها تأشيرة دخول للولايات المتحدة على وثيقة سفر اضطرارية أصدرتها سفارة دولة جنوب السودان، ورأت الخرطوم في ذلك خطأً فادحاً من جانب سفارتي البلدين وتدخلا سافرا في شؤون البلاد، واكتشفت سلطات الأمن السودانية الأمر في مطار الخرطوم حين كانت المتهمة تهم بالسفر إلى خارج البلاد.. لاحقا اعتذرت السفارة الأمريكية بالخرطوم وفقا لمصادر سودانية حكومية، بينما بررت جوبا خطوتها على لسان متحدث باسم الرئيس سلفا كير إن زوج مريم الأمريكي مواطن من جنوب السودان، ولذلك أصدرت سفارة جنوب السودان في الخرطوم وثائق السفر لأسرته. المراقبون للشأن السوداني يجزمون أن خللا كبيراً أصاب (كابينة) القيادة السودانية، وأن هناك شكوكا قوية حول قدرة النظام على إدارة أزماته السياسية الأمر الذي خلق هذه الحالة من البلبلة وسوء التصرف السياسي.. ثلاث قضايا خلال أقل من شهر ارتكبت فيها الخرطوم أخطاءً قاتلة وهي تحاول اليوم معالجتها والخروج من مآزقها؛ فاعتقال الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي على خلفية انتقاده لقوات مسماة بقوات الدعم السريع تابعة لجهاز الأمن والمخابرات السوداني، ثم إطلاق سراحه بعد أن أحدث ذلك الاعتقال شرخا كبيرا في مبادرة الحوار الوطني التي أطلقها الرئيس عمر البشير في يناير الماضي.. القضية الثانية قضية الفتاة المرتدة وما صاحبها من جدل دولي رسخ صورة نمطية سالبة عن الأوضاع بالبلاد.. القضية الثالثة إغلاق صحيفة الصيحة من قبل جهاز الأمن والمخابرات على خلفية تطرقها لملفات فساد تورط فيها نافذون حكوميون، الأمر الذي أشاع استياءً واسع النطاق في الشارع السوداني الذي رأى في الصحيفة صوته الذي يرفعه في وجه التجاوزات الحكومية ومازالت الصحيفة مغلقة رغم وعود حكومية بإعادتها للصدور وأبدى الثلاثاء الماضي الخبير المستقل لحقوق الإنسان في السودان مشهود بدرين قلقه من استمرار الرقابة القبلية والبعدية على الصحف في السودان ولفت إلى أنه تلقى تطمينات بمعاودة الصحيفة الموقوفة، لكنه نوّه إلى أنه غير واثق من عدم تكرار الحكومة لتصرفاتها والتضييق على الحريات الصحفية. الخميس الماضي شهدت الخرطوم، ثلاث وقفات احتجاجية منفصلة، نظمها صحفيون تضامناً من زميل معتقل، وصيادلة يطالبون بقيام اتحادهم المهني، ومتقاعدون للبنوك احتجوا على عدم تنفيذ بنك السودان المركزي لحكم أصدرته المحكمة الدستورية بشأن مستحقات مالية.. واعتقل الصحفي بولاية غرب كردفان منذ 10 يونيو الحالي، في أعقاب حملة اعتقالات طالت رئيس حزب المؤتمر السوداني إبراهيم الشيخ وناشطين في الحزب، بسبب انتقادات وجهها الشيخ خلال ندوة عامة لقوات الدعم السريع.الوضع المتأزم في البلاد يحتاج لقرارات قوية وربما قاسية تغير النهج المتبع في إدارة الأزمات السياسية والاقتصادية المتصاعدة ولا تكفي مجرد التصريحات التي يغلب عليها التمني أكثر من الإرادة والعزم لمعالجة هذه الأوضاع؛ الرئيس البشير قال في آخر كلمة له ألقاها في ختام أعمال مجلس شورى حزب المؤتمر الوطني الحاكم (الخميس)، إن دعوة الحزب للحوار ليست من ضعف، وإنما لإيجاد مخرج للأحزاب لممارسة نشاطها، مشدداً على أن الحكومة مع الحريات المسؤولة، داعيا الأحزاب والقوى السياسية لممارسة نشاطها بحرية.

1257

| 28 يونيو 2014

الخرطوم ترفع (عصا) الانتخابات

لعل أكثر ما يثير هواجس القوى السياسية المعارضة في السودان بشأن الحوار السياسي، إصرار الحكومة وحزب المؤتمر الوطني الحاكم برئاسة الرئيس عمر البشير على قيام الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال أقل من عام.. القوى السياسية تطالب بمشاركة حقيقية في الانتخابات وهذا الأمر يتطلب الاستعداد الكافي، بل المشاركة في وضع القوانين والتشريعات المنظمة لهذه الانتخابات.. أمس الأول أجاز مجلس الوزراء السوداني، مشروع قانون الانتخابات القومية تعديل سنة 2014م.. القانون المعدل وضع في العام 2008 وتم العمل به في آخر انتخابات أبريل من العام 2010.. القانون نفسه والتعديل اللاحق شرّع بمعزل عن القوى السياسية التي يراد لها المشاركة في الانتخابات وقبل ذلك الحوار الوطني.. من ينظر إلى التعديلات التي تم إدخالها ربما يجد مبررا لهواجس القوى السياسية؛ فهذه التعديلات تضمنت إتاحة الفرصة للقوات النظامية والرحل، للمشاركة في العملية الانتخابية دون التقيد بفترة الثلاثة أشهر المحددة في القانون للإقامة في الدائرة الانتخابية المعنية.. حتى لو كانت التعديلات موضوعية فإن المعارضة لن تنظر إليها إلا بعين الريبة والشك، ولذا فإنها تأتي في سياق غير موات، بل تزيد من تعقيد الأمور ولا تساعد على بناء الثقة بين الطرفين.الأمر المقلق أن الحكومة والمؤتمر الوطني ينظران إلى الانتخابات باعتبارها بديلا للحوار، وهي وفقا لمساعد الرئيس السوداني ونائبه في رئاسة الحزب (عصا) ترفع في وجه القوى السياسية إن رفضت الحوار.. إبراهيم غندور دعا قوى المعارضة للتمسك بالحوار باعتباره لا سبيل غيره، وأن البديل الآخر هو المضي إلى الانتخابات إن رفضت الأحزاب الحوار.. وهذه مفارقة مدهشة ومؤشر لطريقة تفكير لا تساعد على إنتاج حلول سياسية لمشكلات البلاد المستعصية.وليعلم المؤتمر الوطني الحاكم أن الانتخابات هذه المرة تواجه ظروفا مختلفة تماما عن ظروف آخر انتخابات.. فانتخابات 2010 وجدت دعما دوليا، لأنها كانت الأولى بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل التي جاءت بالحركة الشعبية المتمردة في جنوب البلاد شريكا في الحكم.. وجاءت في إطار فترة انتقالية أرادت لها القوى الدولية أن تمر بسلام حتى يجري استفتاء أبناء الجنوب بشأن الانفصال.. لذا غُضّ الطرف عن الكثير، بل تم توفير الدعم المادي المطلوب لإقامة الانتخابات.. سياسيا لم يطرح سلفا كير رئيس الحركة الشعبية نفسه مرشحا للرئاسة منافسا للرئيس البشير، بل دفعت الحركة بمرشح آخر انسحب فيما بعد من منافسة البشير.. أما اليوم فإن المجتمع الدولي لا محالة سوف يشكك في مصداقية هذه الانتخابات وبالضرورة ستواجه الاستحقاقات المادية تحديا كبيرا ولا يبدو أن للحكومة السودانية أي خطط لتمويل هذه الانتخابات المكلفة.. لاشك إن وضعت الخرطوم في اعتبارها هذه المعطيات الماثلة فإنها لا يجب أن تصر على إقامة الانتخابات تحت أي ظرف ورغما عن أنف القوى السياسية الأخرى. على المؤتمر الوطني الحاكم وهو يكمل خلال أيام حكما للبلاد بلغ ربع قرن من الزمان أن ينتبه لمظاهر الفاقة في الشارع السوداني وهي ناقوس خطر وإشارة حمراء يجب التوقف عندها مليا.. لقد كان هناك أثر سلبي بالغ لانفصال الجنوب في يوليو من العام 2011 وهو بيدي لا بيد عمرو، إذ فقدت البلاد حوالي (70%) من عائدات النفط.. مما اضطر الحكومة إلى تبني (روشتة) البنك الدولي النمطية باعتبارها (بلسما) و(ترياقا) للأزمة الاقتصادية التي صنعها سوء التخطيط وقصر النظر والعجز عن إدارة عوائد النفط، فضلا عن البذخ السياسي اللامحدود.. حتى تلك اللحظة كان الشعار (لن يحكمنا البنك الدولي) شعارا برّاقا.. شعار يحكي احتفاءً وولها بالإرادة الوطنية واستقلال القرار الوطني. الذين استمعوا لبيان الانقلاب الأول الذي تسلم بموجبه الرئيس البشير حكم البلاد ربما يعايشون اليوم أوضاعا مماثلة لتلك التي برر بها الانقلاب.. فقد أشار البشير إلى أن ما دعاه إلى تسلم السلطة.. في ذاك البيان جاء: (مؤسسات الحكم الرسمية لم تكن إلا مسرحا لإخراج قرارات السادة)، اليوم يرى أولئك أن مؤسسة مثل البرلمان لا هم لها إلا الموافقة غير المشروطة على قرارات الحكومة، مثل القرارات الاقتصادية الأخيرة التي صفق لها النواب.. كذلك جاء في ذلك البيان: (لقد تدهور الوضع الاقتصادي بصورة مزرية وفشلت كل السياسات الرعناء في إيقاف التدهور، ناهيك عن تحقيق أي قدر من التنمية، مما زاد حدة التضخم وارتفعت الأسعار بصورة لم يسبق لها مثيل واستحال على المواطن الحصول على ضرورياته، إما لانعدامها أو ارتفاع أسعارها، مما جعل الكثير من أبناء الوطن يعيشون على حافة المجاعة، وهذه حالة ماثلة اليوم.. في ختام البيان ورد: (لقد امتدت يد الحزبية والفساد السياسي إلى الشرفاء، فشردتهم تحت مظلة الصالح العام، مما أدى إلى انهيار الخدمة المدنية، ولقد أصبح الولاء الحزبي والمحسوبية والفساد سببا في تقديم الفاشلين في قيادة الخدمة المدنية وأفسدوا العمل الإداري وضاعت بين يديهم هيبة الحكم وسلطان الدولة ومصالح القطاع العام، ومسألة الإحالة للصالح العام سياسة اعتمدتها الحكومة الحالية حينا من الدهر في مقابل سياسة التمكين التي تكون الأفضلية في المواقع المختلفة لأهل الولاء دون النظر إلى الكفاءة.

1291

| 21 يونيو 2014

هجر الأوطان.. بلاءٌ وأي بلاء

كم يؤرق البلاء والحزن فينا جفونا، ويريق من عيوننا عيونا.. حين نسْتلُّ ذكرى أُغمِدَتْ بتجارب مريرة.. يضيق الصدر ولا ينطلق اللسان.. البلاء حكمة الله في عباده، تلكم سنة ماضية إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.. هجر الأوطان بلاء عظيم وأي بلاء هو.. في الأثر ورد عن الرسول صلي الله عليه وسلم في حديث ما معناه وهو يهاجر من مكة المكرمة مخاطبها: (إنك أحب بقاع الأرض إلي ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما تركتك).. الشاعر أحمد شوقي يقول منشداً:"بلادي وإن جارت عليا عزيزة وأهلي وإن ضنوا عليا كرام"فلم تكن هجرته صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رحلةً خلويةً، ولا سياحةً ترفيهيةً، يعود الإنسان بعدها إلى بيته منشرحَ الصدر، متجدِّدَ النشاط لاستئناف العمل واستمرار الحياة، كذلك لم تكن بعدًا عن وطنٍ وانتقالاً إلى وطنٍ أفضل منه.. بل هاجروا من وطنٍ أحبُّوه بكل مشاعرهم، وأرضٍ طاهرةٍ قدَّسوها بكل ما تحمل من تراث الأجداد وميراث الأنبياء.. الوطن ليس هو وطنك فقط، ليس مسقط رأسك، أو المكان الذي يعيش فيه الأهل، أو مكان الرزق.. ليس حب الأوطان مشاعر سلوك يقترب من حدود الشعر.نعم الحزن سواء بمفارقة الأوطان أو بغير ذلك سواد يرخي سدوله على القلب، كما يغشى الليل الأرض كل مساء.. حينها يتوقف قلبك عن النبض وأنت أحوج لتلك الدقات القلائل لتقاوم انحدار الدموع.. الحزن إحساس قاتل يزعجك من الماضي، ويخوفك من المستقبل ويذهب عليك يومك.. بلاء هجر الأوطان فيه حزن ينقبض له القلب، ويعبس له الوجه وتنطفئ منه الروح، ويتلاشى معه الأمل.يوما، بدا صوت صديق عمري الذي أفضي له ويفضي إلي جريحا بمشاعر قلق في دواخله أكاد أسمع صريره.. كانت في رأسه الأفكار والهواجس والخواطر دوامات ورياحا ومطرا.. حالة صديقي النفسية المتأهب لهجر الوطن والعشيرة جعلتني أستمع له حتى النهاية دون أن أشعر بأن التفاصيل الدقيقة أحيانا أثقال حديد تشد إلى الأرض.. إعطاء الهموم فسحة لتخرج مهم جدا، فالتعبير عن الهموم يجعل صاحبها يتخفف من الضغوط النفسية التي تتسببت فيها تلك الهموم. لكن هل يستسلم المرء لدوامة الحزن ويدور في دائرة الفعل السلبي؟.. ما هي السعادة النقيض المقابل للحزن؟ يقول الفارابي: "السعادة هي غاية ما يتشوقها كل إنسان، وأن كل من ينحو بسعيه نحوها فإنما ينحو على أنها كمال أقصى".. ويلاحظ أرسطو من جهته أن "عامة الناس وحكماءهم يتفقون على جعل السعادة الهدف الأسمى المنشود، لكن الآراء تختلف حالما يتعلق الأمر بتحديد طبيعة السعادة".. تتحقق السعادة عندما نفهم هذه الدنيا فهما صحيحا.. فالدنيا لا تخرج عن كونها سوادا وبياضا، مثلما هي قصور وكهوف، وظل وحرور، وغنى وفقر، وقوة وضعف.. لكن، ألا نرى أن السحاب الأسود ينقشع، والليل البهيم ينجلي، والعاصفة تهدأ؟.. فالشدائد إلى رخـاء والعيش إلى صفاء ونعماء.. هذه هي الدنيا.. لكن من فضل الله علينا أن السعيد ليس ذلك الذي تُسعده دنياه، وإنما السعيد الذي ينجو من النار.. فالله منّ على قلوبنا بمعرفة أنه الله ذو الآلاء والقدس. ظللت أتعجب كثيرا بل أتأمل في ذهابي وإيابي من العمل كل يوم حينا من الدهر ذلك الكوخ (العشة) المكون من غرفتين قوامهما مخلفات مواد البناء.. صاحب الكوخ كان كما يبدو يعمل حارسا لعمارة تحت التشييد.. هذا الرجل له قدرة فائقة على تحدي الفقر، وهو أصعب أنواع البلاء.. في العيد كان لذلك البيت بهاء ورونق بديع.. عندما عدت ليلا أو في الساعات الأولى من أول أيام أحد الأعياد كانت العشة محاطة بالزينة المتلألأة الآخاذة.. الرجل صاحب (العشة) الذي يفيض تفاؤلا وغبطة وحبا للحياة أحاط عشته بأشكال وألوان بهية من الزروع، ورودا وأزهارا.. هذا الرجل البسيط جعل من قصيدة إيليا أبو ماضي (الغبطة فكرة) واقعا معاشا: أيّها الشاكي الليالي إنَّما الغبطةُ فِكْرَهْ ربَّما اسْتوطَنَتِ الكوخَ وما في الكوخِ كِسْرَهْ وخَلَتْ منها القصورُ العالياتُ المُشْمَخِرَّهْ تلمسُ الغصنَ المُعَرَّى فإذا في الغصنِ نُضْرَهْإن فلسفة السعادة الحقة تكون بمعية ربانية.. بين الإنسان وربه إحساس بالراحة والطمأنينة والأنس بالله ومع الله والرضا بقضاء الله وقدره والصبر على السراء والضراء وحب الخير للناس بتمني السعادة لهم كما نتمناها لأنفسنا.. إذن فلسفة السعادة لا تقوم على سعادة الفرد فحسب، ولكن تقوم على سعادة الآخرين.. لنذكر دائماً أنه من أراد أن يقطف العسل لا يجب عليه أن يحطم خلية النحل.. قالها الرسول صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".

2998

| 14 يونيو 2014

السد الأثيوبي.. كل يُغني على ليلاه

في القصة التاريخية (كل يُغني على ليلاه) أن كلا مشغول بما يحبه أو ما يهمه، ولا يعنيه الآخر البتة.. كل واحد من الشعراء العرب أحب ليلى.. لكن ليلى التي تحبها القاهرة وكذلك كل من الخرطوم وأديس أبابا ليست في الأصل امرأة بحد ذاتها، بل هي حسب أفلاطون مجرد حالة مثالية تخص كل طرف بشأن سد النهضة الإثيوبي محل النـزاع والجدل بين الدول الثلاث.. تضارب المصالح هو ما يظهر للمتابع لذلك الجدل البيزنطي، لكن من المؤكد أن هناك حالة مثالية واحدة تخص كل الأطراف وبالتالي تنتفي خصوصية (ليلى) عند كل طرف؛ أي تنتفي حالة تضارب المصالح. إن تركنا (ليلى) إثيوبيا جانبا؛ فإن (ليلى) مصر هي اعتقادها الراسخ بأن أفضل سيناريو لأمنها القومي هو منع قيام أي سدود على نهر النيل خارج حدود مصر، فهي ومنذ عهد الخديوي تحدّث خطة عسكرية كل سنة هدفها التدخل إذا ما أضيرت مصالحها في مياه النيل، في حين أن (ليلى) السودان قائمة على أن أي تنمية زراعية مستقبلية في السودان مرتبطة بقيام مزيد من السدود، لاسيَّما خارج حدوده، فسعات التخزين المتاحة في السودان لا تكفي لري المساحات المراد التوسع في زراعتها.. خطورة سد النهضة في العقل المصري أنه يشكل سابقة في الخروج العلني على إيرادات مصر في وادي النيل الطويل.ربما تبين بعض الحقائق والأرقام مدى مشروعية حب كل من مصر والسودان لليلاه.. الثابت أن ارتفاع بحيرة تانا في إثيوبيا التي ينبع منها النيل الأزرق يبلغ حوالي (1890) مترا فوق سطح البحر. وهذا يعطي ميزة القدرة على التوليد الكهربائي؛ إذ إن توليد الطاقة الكهربائية يؤثر فيه مستوى الانحدار أكثر مما تؤثر فيه كمية المياه.. والسودان يشتري حاليا (100) ميغاواط من إثيوبيا ويتطلع لشراء المزيد، خاصة أن أكثر من (70%) من توليد الطاقة الكهربائية في السودان هو توليد مائي.. وتبلغ الطاقة الإنتاجية لإثيوبيا حوالي (30) ألف ميغاواط.. كذلك فإن الانحدار الشديد يزيد كميات الطمي ولا يجدي التخزين ذو السعات الصغيرة مع كميات الطمي الوفيرة، وهذا يؤكد عدم قدرة إثيوبيا على التحكم في مياه النيل الأزرق بسبب العنفوان الذي يتميز به. علما بأن سعة سد النهضة (74) مليار متر مكعب، بينما سعة السد العالي هي (162) مليار متر مكعب.. ولذا فإن حوالي (14) مليار متر مكعب من سعة المياه في سد النهضة مخصصة لاستيعاب كميات الطمي المتوقعة. إن الانحدار الشديد للهضبة الإثيوبية لا يمكن من إقامة مشاريع زراعية بمساحات ضخمة تستوعب كميات كبيرة من المياه المخزنة.. ويقال إن إثيوبيا ستستهلك فقط (1.5) مليار متر مكعب من النيل الأزرق خلال (25) عاما و(3.1) مليار متر مكعب خلال مائة عام.بالنسبة للسودان فإن سد النهضة يمثل له تخزينا للمياه خارج حدوده، بيد أن عملية التخزين خارج الحدود بدأته مصر عندما خزنت مياها في أوغندا وفي السودان منطقة (جبل أولياء) جنوب الخرطوم.. وحاليا كشف وزير الري المصري عن نية مصر إنشاء سد في دولة جنوب السودان الوليدة لأغراض التخزين وأكد أن دراسات الجدوى الخاصة بإنشاء سد واو قد أوشكت على الانتهاء، حيث تم الانتهاء من الدراسات الهيدرولوجية والهيدروليكية والأعمال المساحية. عندما أبرمت حكومة السودان مع الحكومة المصرية اتفاقية مياه النيل في العام 1959م كان الهدف التحكم في انسياب مياه نهر النيل والاستفادة القصوى منها، مما أتاح لمصر فرصة بناء سد ضخم عند أسوان (السد العالي)، نتج عنه تكوّن بحيرة صناعية كبيرة امتدت مساحتها إلى داخل حدود السودان بمسافة تقدر بحوالي ستمائة كيلو متر لتغمر مياهها بلدة وادي حلفا وما جاورها من قرى.. لقد كانت هناك على الدوام مطالبات متزايدة لبعض دول حوض النيل بإعادة النظر في الاتفاقيات القديمة، فقد هددت (تنزانيا وكينيا وإثيوبيا) بتنفيذ مشروعات سدود قد تقلل من كميات المياه التي ترد إلى مصر ما لم يتم تعديل اتفاقية المياه السارية اليوم.. لكن من حسن الطالع أن هذه التهديدات لم ينفذ أغلبها، وقابلتها القاهرة بمحاولات تهدئة وتعاون فني واقتصادي وأحيانًا تقديم مساعدات لهذه الدول. لكن دول حوض النيل الـ(11) – عدا مصر والسودان - مضت قدما في توقيع اتفاقية بديلة لاتفاقية مياه النيل أسمتها اتفاقية عنتيبي لإعادة توزيع حصص مياه النيل وفقا لقاعدة جديدة عرفت بـ(المنصف والمعقول).يشار إلى أن جوبا سبق وأن طالبت بحصتها من مياه النيل المخصصة للسودان والمقدرة بـ(18.5) مليار متر مكعب، باعتبارها جزءاً من السودان عند التوقيع على اتفاقيات اقتسام مياه النيل لعامي 1929 و1959، وبعد الانفصال لم تحدد لها حصة واضحة من مياه النيل.. مصدر قلق مصر أن اتفاقية عنتيبي تجعل دول حوض النيل في حلٍ من اتفاقية مياه النيل العتيقة وتتحدث عن حصة كل دولة بعبارات فضفاضة وتقول إنها تحددها احتياجات الدولة المعنية بما لا يضر بالآخرين وفق مبدأ (العادل والمنصف)، وهذا مكمن الخطر في رأي مصر التي ظلت تتمتع بحصة وافرة وفقاً للاتفاقية السارية حالياً.سواء في حالتي سد الألفية واتفاقية عنتيبي ليس من المصلحة أن تبقى مصر والسودان في حالة خلافية كما في الوقت نفسه أن تبدوا في حالة تكتل ضد الدول الإفريقية التي تشاركها في نهر النيل بفروعه المختلفة.. في تقديري أن جبهة اتفاقية عنتيبي هي الأولى بالعناية وبالتالي فإن تبريد الجبهة الأخرى - السد الإثيوبي - ضرورة على الأقل في الوقت الحالي. إن وضع الأمر في إطار خلافات فنية وقانونية هو الطريق الآمن لحل المشكلات.

1578

| 07 يونيو 2014

مستقبل النظام السياسي في السودان

ينظر إلى الدولة العثمانية باعتبارها إحدى آخر التجارب الإسلامية ما قبل الحربين العالميتين والتي كانت من نتائجهما سيادة الفكر الغربي القائم على العلمانية وامتداد تأثيره إلى العالم الإسلامي وقد ظهر ذلك بشكل صارخ في تركيا وكان كمال أتاتورك رأس الرمح في ترسيخ بديل علماني صارم مدفوع ومدعوم من قبل المنظومة الغربية التي شكلتها الحرب العالمية الثانية بشكل خاص. بيد أن تلك التجربة لم تكن لتوصف بالإسلام السياسي، إذ إنه مصطلح حديث نسبياً. كانت الدولة العثمانية هي النقطة التي انتهى عندها صعود الإسلام وتفوقه في كافة المجالات بعد أن سادت تلك الدولة لأكثر من ستة قرون (1299م – 1924م).. لقد جاء الانهيار لأسباب داخلية وخارجية؛ وإذا تجاوزنا الأسباب الداخلية، نجد أن دعوات العلمانية والقومية القادمة من الغرب قد أكلت في الأساس الفكري للدولة العثمانية.أما الإسلام السياسي، فهو مصطلح سياسي وإعلامي أطلقه الآخر (الغرب) واستخدمه لتوصيف حركات تغيير سياسية تؤمن بالإسلام باعتباره "نظاما سياسيا للحكم"، فالإسلام عندها ليس ديانة فقط وإنما هو عبارة عن نظام سياسي واجتماعي وقانوني واقتصادي يصلح لبناء مؤسسات الدولة، وقد لا يجد المؤمنون بمفاهيم الإسلام السياسي حرجاً في هذا المصطلح – يفضلون مصطلح الحاكمية لله - إن كان يتضمن تلك المفاهيم، بيد أن الآخر يطلق المصطلح مصحوباً بوصفهم بمجموعة "المسلمين الأصوليين" ولاحقاً بالإرهابيين خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.. الغرب في الوقت نفسه لا يضع الإسلام في ضفة واحدة، فهو غير راغب في مواجهة شاملة، فضلا عن أن أسلوب (فرق تسد) لابد أن يكون حاضراً.. فالإسلام السياسي عنده يتضمن تصنيفات؛ فدول مثل إيران والسودان ونظام طالبان السابق في أفغانستان وحركة حماس في قطاع غزة لا تمكن مقارنتها بالمملكة العربية السعودية وباكستان اللتين ترفعان شعار الإسلام وهما في الوقت نفسه حليفتان للولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموماً.. الغرب الذي يؤمن بالعلمانية نظام حياة شامل يريد نظماً سياسية في الدول الإسلامية تتماهى مع ما يؤمن، وهذا ما يصطدم تماماً مع رؤية الإسلام السياسي ولذا يشيع عبر آلته الإعلامية الضخمة أن حركات الإسلام السياسي تسعى إلى الوصول إلى الحكم والاستفراد به، وبناء دولة دينية ثيوقراطية وتطبيق الشريعة الإسلامية التي لا تصلح في رأيه للعصر الحالي.. ويجد الغرب في التيارات الليبرالية أو الحركات العلمانية ضالته، حيث تلقى فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية في السياسة عدم قبول لديها، فهي تؤمن بالرؤية الغربية وتريد بناء دول علمانية، وأن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية شأن خاص بالفرد المواطن ولا شأن للدولة فيه.. لكن المتابع لمسار الإسلام السياسي بالمفهوم المتطرف لدى الغرب، يلحظ أنه تحول إلى قوة سياسية معارضة في بعض بلدان غرب آسيا وبعض دول شمال إفريقيا، بل نجح في الوصول للحكم في بعض الدول مؤخراً مثل مصر (قبل التغيير الأخير) وتونس والمغرب وحركة حماس في فلسطين، وقبل ذلك في الجزائر والسودان.في السودان كان الإسلام السياسي الأطول بقاءً في الحكم ولا يزال؛ وفكر الإسلام السياسي في السودان تطور عبر ثلاث مراحل: مرحلة التكوين الأول من أربعينيات إلى ستينيات القرن الماضي. مرحلة التفاعل السياسي والاجتماعي النشط في فترة سبعينيات القرن الماضي وحتى نهاية الثمانينيات منه، حيث قامت ما عرف بثورة الإنقاذ الوطني بقيادة الرئيس عمر البشير. مرحلة الهيمنة على الدولة وقد بدأت باستيلاء الرئيس عمر البشير على الحكم في 1989م. وقد اهتمت الحركة الإسلامية في هذه المرحلة بمزج خطابها الفكري والسياسي بالخطاب الموجه من قبل الدولة التي استمرت قومية الطابع أكثر من كونها دولة عقائدية.. وكان نهج الحركة دائما البحث عن أرضية مشتركة مع كل السودانيين على اختلافهم ومحاولة المواءمة بين ذلك وبين مبادئها الإسلامية.ونشير هنا إلى أن عهد الحركة الإسلامية في السودان بالسلطة لم يبدأ بانقلاب الرئيس البشير؛ فعندما تبنى الرئيس الأسبق جعفر النميري برنامجاً للإصلاح أسماه (النهج الإسلامي) صالحته أحزاب الجبهة الوطنية المعارضة، ومن بينها الحركة الإسلامية وذلك في العام 1976م وكان الإسلاميون الأكثر تنظيما وتخطيطا من بين الأحزاب الأخرى لاستثمار المصالحة في التمكين لنفسها في أجهزة الحكم ومفاصل الاقتصاد.. التمكين الجزئي في عهد النميري مهد لاستيلاء الحركة على السلطة قبل (25) عاماً، لكنها لا يبدو أنها استطاعت خلال هذه الفترة من (تمكين المجتمع). أي أن يمتلك المجتمع المشروع الإسلامي فهماً وتأصيلاً.اليوم يواجه الإسلام السياسي في السودان تحدياً كبيراً في ظل ظروف داخلية وإقليمية ودولية ضاغطة.. ولعل ما طرحه الرئيس البشير في يناير الماضي والذي أسماه بالوثبة يدخل في إطار البحث عن مخارج للخروج من الأزمة السياسية.. البشير طرح رؤية جديدة تجاه التحول الديمقراطي عنوانها إطلاق الحريات السياسية والصحفية، بيد أن إجراءات أخيرة اتخذت ضد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي المعارض، أدت به إلى الاعتقال، فضلا عن إغلاق إحدى الصحف المستقلة، مثلت صدمة وردة لما طرحه الرئيس البشير، الأمر الذي يضع استفهامات جدية تجاه مستقبل أطول نظم الإسلام السياسي بقاءً في الحكم.

1360

| 31 مايو 2014

السودان.. ضمور العقل السياسي الحاكم

ثلاث قضايا كل واحدة منها كفيلة برسم علامة استفهام كبيرة حول ما طرحته الحكومة السودانية بشأن إطلاق الحريات الصحفية والسياسية وصولا إلى إطلاق حوار شامل بين مكونات المجتمع بغرض التوصل إلى حلول وفاقية تضمن الاستقرار السياسي المفقود.. اعتقال رئيس حزب الأمة القومي وزعيم طائفة الأنصار الصادق المهدي، إغلاق صحيفة الصيحة التي اشتهرت بالكشف عن ملفات الفساد، إصدار حكم بالإعدام على فتاة قيل إنها ارتدت عن الإسلام.. كل هذه القضايا التي وضعت الحكومة السودانية في مأزق المصداقية بيد أنه كان بالإمكان معالجتها بحكمة سياسية دون أن ينتج عن ذلك دفع فاتورة سياسية باهظة الكلفة.الصادق المهدي انتقد قوات شبه نظامية أسمتها الحكومة بقوات الدعم السريع؛ ولم يكن انتقاد المهدي هو الأول، بل إن والي ولاية شمال كردفان وهو من المقربين للرئيس البشير انتقد هذه القوات التي ارتكبت مخالفات في ولايته وهدد بالاستقالة حال عدم خروجها من ولايته.. بدأت القضية بفتح بلاغ من قبل جهاز الأمن والمخابرات ضد المهدي تحت مواد جنائية منها إشانة السمعة.. حتى هذه اللحظة فإن الأمر في سياقه القانوني باعتبار أن الجهاز لم يعتقل المهدي بل سلك طريقا قانونيا وهذه من حقه والقضاء وحده يقرر ما إذا كان الشاكي على حق أم لا.. قبل مثول المهدي للتحري في نيابة أمن الدولة تناول البرلمان القضية وحولها لقضية سياسية حتى أن اتهامات بالخيانة صدرت من بعض الأعضاء.. أنصار المهدي تجاوبوا مع هذا الشحن ورافقوا زعيمهم إلى النيابة في أجواء مشحونة بالمشاعر السالبة ضد الحكومة ولولا لطف الله لحدث ما لا يحمد عقباه.عقب التحري معه، تحدث المهدي في ندوة سياسية خارج العاصمة الخرطوم جدد انتقاداته وزاد عليها بأن وصف جهاز الأمن بـ(النعامة).. تبع ذلك إضافة مواد جديدة في البلاغ المرفوع ضده منها تهمة الخيانة العظمى وعلى إثرها أودع الرجل السجن إذ لا سبيل لإطلاقه بالضمان لعظم التهمة الموجهة له (الخيانة العظمى).. وبهذا انسد أفق الحوار الوطني الذي لم يكن متقدما بالشكل المطلوب إذ كان المهدي أحد الأضلاع المهمة في الحوار.. وظل المهدي من دون المعارضين مهادنا ورافضا لفكرة إسقاط النظام بالقوة المسلحة داعيا إلى ما يسميه بالجهاد المدني.. لكن الرجل استجاب في الوقت نفسه لاستفزازات البرلمان وما كان له أن ينزلق ويصف الجهاز بهذا الوصف غير المقبول.بدون مقدمات أصدرت رئاسة الجمهورية في الواحدة صباحا من يوم الثلاثاء الماضي بيانا وصفه المراقبون بغير المترابط والمفكك والذي لا تجمعه فكرة محورية، واشتمل البيان على تحذيرات للصحف وقال إن بعضها تخطى الخطوط الحمراء وقال إنها استهدفت ما سماه بالرموز العدلية.. عادة لا تتدخل رئاسة الجمهورية بهذا الشكل السافر في شأن الإعلام الذي له مؤسسات قومية ووزارة خاصة تتولى التعاطي معه مباشرة.. كما أن صدور بيان بعد منتصف الليل أشار إلى أن غضبة مضرية وهجمة شرسة تستهدف الصحافة.. بعد ساعة من صدور البيان أوقفت سلطات الأمن طباعة صحيفة الصيحة التي كان قد طبع منها فقط (600) نسخة.. في الساعة الرابعة عصرا من ذات اليوم أبلغ رئيس تحرير الصيحة عبر التلفون بأن مدير جهاز الأمن قرر تعليق صدور الصيحة لأجل غير مسمى اعتبارا من اليوم (الثلاثاء).. أتبع الجهاز هذه الخطوة ببيان توضيحي اتهم الصحيفة بإثارة الفتنة وأخذ الناس بالشبهات وسمى صحيفة الصيحة بالاسم وهددها باتخاذ إجراءات قانونية ضدها.. حدث هذا رغم عدم دستورية قرار الجهاز إذ سبق أن أصدرت المحكمة الدستورية وهي أعلى مقام قضائي بعدم دستورية إجراء مماثل للجهاز ضد صحيفة التيار والتي ترتب الآن لعودتها بعد قرابة عامين من التوقف ورحلة قضائية مضنية.أما الحكم بالإعدام على الفتاة المتهمة بالردة فقد شكى من تداعياته وزير الخارجية الذي قال إنه كلف الوزارة كثيرا خارجيا.. علماء دين انتقدوا الحكم وعابوا على المحكمة عدم استنادها إلى القاعدة الفقهية التي تقول (ادرءوا الحدود بالشبهات).. إذ إن والدة المتهمة مسيحية وقالت إنها على دين والدتها ولم تكن أصلا مسلمة حتى ترتد.. كما هناك قول بعدم قتل المرتد إن لم يحمل السلاح ويقاتل، والمتهمة فضلا عن كونها فتاة عشرينية لم ترفع سلاحا وتقاتل.. النتيجة أن صورة قاتمة عن السودان انعكست في الخارج وتوالت إدانات من لندن وواشنطن والفاتيكان الأمر الذي أزعج وزارة الخارجية السودانية.كل ذلك يؤكد أن شللا كبيرا قد أصاب العقل السياسي السوداني، فلم يعد يفكر أو يتعاطى بعقلانية ورشد سياسي مع مجريات الأمور.. خروج العديد من أصحاب الخبرة السياسية من كابينة القيادة وانشقاق العديد من الرموز السياسية عن الحزب الحاكم أدى إلى فراغ وتخبط سياسي ملحوظ.. على الرئيس البشير أن يراجع عملية طبخ واتخاذ القرار السياسي ومتطلبات المعالجة الرشيدة للمستجدات السياسية داخليا وخارجيا.

1648

| 24 مايو 2014

الاعتقال التعسفي.. تجربة شخصية

هي تجربة شخصية لكنها تعكس أجواءً مضطربة تعيشها العلاقة بين السلطة والصحافة في السودان.. تجربة مثلت اختبارا حقيقياً لإعلان الحكومة السودانية بسط أجواء الحرية للصحافة والعمل السياسي الحزبي توطئة للوصول لحلول ناجعة لانسداد الأفق السياسي في البلاد.. هذه الأجواء استغلتها الصحافة السودانية لأبعد مدى وطرحت قضايا الفساد بجرأة كبيرة.. قضايا تورط فيها عدد من المنتسبين للنظام في مختلف مستويات المسؤولية.. في نهاية الأسبوع قبل الماضي كشفت صحيفة الصيحة السودانية عن قضية فساد في مصلحة الأراضي اهتز لها عرش وكيل وزارة العدل وهو مسؤول رفيع في جهاز حساس معني ببسط العدالة.. وكيل العدل كان مديراً لمصلحة الأراضي لعدة سنوات قبل تعيينه في منصبه الحالي.. والرجل كان محل اتهام الصحيفة باستغلال نفوذه والحصول على عدد كبير من قطع الأراضي كما أنه وباعترافه مارس التجارة والبيع في قطع الأراضي إبان توليه منصب مدير عام الأراضي.. المستندات المرفقة للمادة الصحفية كانت دامغة وكافية لإثارة الزوابع حول الرجل الذي قطع زيارة عمل خارجية.في البداية حاول الرجل أن يدير حوارا مع الصحيفة في كيفية الرد على الاتهامات المثارة حوله، وتوصل الطرفان إلى إجراء حوار معه حول ما نسب إليه.. الوكيل أكد أنه وبرغم من كونه رجل قانون لا يحبذ رفع دعوى ضد الصحيفة، وفي الوقت نفسه أكدت الصحيفة أن الحوار ليس حوار علاقات عامة لتبييض ساحة الرجل بل سيكون ساخناً متضمنا أسئلة محرجة في موضوع الاتهام.. وأجري الحوار بالفعل وتضمن اعترافات خطيرة من جانب الوكيل.. لكن هذا (الوفاق) بين الصحيفة والوكيل لم يستمر كثيراً، حيث انقلب الرجل قبل نشر الحوار بساعات وطلب تأجيله لليوم التالي حتى يراجع ويعدل بعض إفاداته وبعد رجاءات متكررة من جانبه منح هذه الفرصة.. شخصيا – رئيس التحرير – لم أكن مقتنعا بالتبرير وكان لدي إحساس طاغ بأن الرجل يدبر أمراً لا نعلمه وليس في صالح الصحيفة.. في اليوم التالي الذي شهد تأجيل الحوار تقدم الرجل ببلاغ في نيابة الصحافة ضد رئيس التحرير وفي الوقت نفسه دعا بشكل عاجل لمؤتمر صحفي يعقده في مباني وزارة العدل، ودعا فيه فيما دعا رئيس تحرير صحيفة الصيحة.. ولأن القضية المنشورة أثارت ردود فعل كثيفة فقد كان الحضور مميزا كما ونوعا. قبيل انعقاد المؤتمر بنصف ساعة بعث وكيل الوزارة بخطاب رسمي يحمل ختم الوزارة إلى رئيس تحرير الصيحة يطلب فيه رسميا منع نشر الحوار الذي أجري معه.. عند بدء المؤتمر الصحفي كان أمر القبض على رئيس التحرير صادرا وبحوزة شرطيين بلباس مدني خارج الوزارة.. استهل المؤتمر بالآية القرآنية الكريمة التي مستهلها (إذا جاءكم فاسق بنبأ..) وظل الموظف المكلف بإدارة المؤتمر الصحفي يكرر مبتدأ الآية (إذا جاءكم فاسق..) عدة مرات في إشارة إلى فسق الصحيفة.. تحدث الوكيل مدافعاً عن موقفه نافيا جملة وتفصيلة التهمة الموجهة إليه.. بعد مرافعته طلبت الفرصة للحديث وبعد محاولات متكررة منحت الفرصة وبنيت مرافعتي على اتهام الوكيل باستغلال نفوذه للمرة الثانية كوكيل لوزارة العدل لإدارة معركته مع صحيفة الصيحة.. وقلت إن الصحيفة ليس لها مشكلة مع وزارة العدل إذ إن الاتهامات الموجهة للرجل تشمل فترة سابقة لتوليه منصبه الحالي.. وهو الآن يعقد مؤتمراً صحفياً من داخل وزارة العدل كما أنه بعث بخطاب بختم الوزارة يطلب فيه عدم نشر حوار أجري معه في موضوع ليس له علاقة بوزارة العدل.. بعدها أعطيت فرصة واحدة وأنسحب الرجل من المؤتمر وعشرات الصحفيين يرفعون أيديهم طالبين الحديث والاستفسار.بعد انتهاء المؤتمر بتلك الطريقة الدرامية توجهت لمقر الصحيفة وفي الطريق اعترضني الشرطيان اللذان يحملان أمر القبض واقتاداني مباشرة إلى نيابة الصحافة.. توقيت الاعتقال (الساعة الرابعة عصرا إلا قليلا كان مقصودا إذ تغلق النيابة أبوابها لانتهاء الدوام والخيار أن أبيت ليلتي في الحراسة حتى اليوم التالي حيث يبدأ دوام جديد للنيابة وهي بالطبع جهة حكومية تتبع لوزارة العدل ووكيل النيابة موظف حكومي يأتمر بأمر وكيل الوزارة محل الاتهام.. انتشر خبر الاعتقال بسرعة في أوساط الصحفيين وتحرك عدد من رؤساء التحرير مستنكرين طريقة الاعتقال التي تتم لأول مرة بهذه الطريقة الفظة فضلا عن إيداعي كرئيس تحرير في إطار مسؤولية تقصيرية في أسوأ الاحتمالات مع عتاة المجرمين ومرتادي الإجرام.. تحركات الزملاء دعت المدعي العام يتحرك بسرعة ويأتي لقسم الشرطة ويقدم اعتذارا لطيفا بعد إخراجي من السجن إلى أحد مكاتب قسم الشرطة واستدعى وكيل النيابة الذي كان قد أغلق هاتفه ربما بإيعاز من جهة ما وعاد كل طاقم النيابة في الثامنة مساءً واستمر التحري حتى الحادية عشرة مساءً حيث أطلق سراحي بالتعهد الشخصي.مما يؤكد تعسف الوكيل أن استدعاء الصحفيين كان يتم عبر الهاتف وتتم إجراءات التحري في أقل من ربع ساعة ليعود الصحفي لممارسة مهامه ريثما يقرر وكيل النيابة إحالة البلاغ إلى المحكمة.. لم يحدث أن قبض على صحفي بتلك الطريقة إلا منذ حوالي عشر سنوات ولولا خشية الحكومة من تطور القضية في اتجاه في غير صالحها نتيجة لتحركات الصحفيين واتحادهم لبقيت في السجن حتى اليوم التالي وهذا ما قصده خصمي وكيل الوزارة لعل ذلك يكون فيه (زجرا) للصحافة حتى لا تقدم على انتقاد مسؤول في تلك الدرجة.

1235

| 17 مايو 2014

خطاب الشفافية
خطاب الشفافية

خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية...

7437

| 20 أكتوبر 2026

الخطاب الأميري... مسؤوليتنا جميعًا
الخطاب الأميري... مسؤوليتنا جميعًا

حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده...

2610

| 16 أكتوبر 2026

محترفون بالاسم فمن المسؤول عن الاختيار؟
محترفون بالاسم فمن المسؤول عن الاختيار؟

في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة...

2361

| 15 أكتوبر 2026

المدير الذي لا يقرر.. لماذا ندفع له راتباً؟
المدير الذي لا يقرر.. لماذا ندفع له راتباً؟

لعل كثيراً منا في قطر، سواء كان موظفاً...

1533

| 20 أكتوبر 2026

كانو وستة أجيال: قواعد بقاء الشركة العائلية
كانو وستة أجيال: قواعد بقاء الشركة العائلية

حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في...

1128

| 18 أكتوبر 2026

خطاب سمو الأمير.. ما وراء استمرار الحياة
خطاب سمو الأمير.. ما وراء استمرار الحياة

قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات...

1113

| 14 أكتوبر 2026

كبار القدر بين التكريم والتصنيف
كبار القدر بين التكريم والتصنيف

شخصيًا ما زلت أرى ضبابية وعدم وضوح في...

1071

| 15 أكتوبر 2026

جريمة على مطار الرياض
جريمة على مطار الرياض

كيف يتحمل القلب مشهد صالة المسافرين رقم (٤)...

951

| 18 أكتوبر 2026

طارش الحويلة
طارش الحويلة

حدث ذات مساء في قرية فويرط المستلقية على...

756

| 20 أكتوبر 2026

أخرجوا سايكس بيكو من النفوس أولًا
أخرجوا سايكس بيكو من النفوس أولًا

هناك في متحف الإنسان بالعاصمة الفرنسية باريس، تقبع...

564

| 18 أكتوبر 2026

ستر بيوتنا في خطر
ستر بيوتنا في خطر

في أكتوبر 2025 فتحت شركة أمريكية باب الطلب...

495

| 21 أكتوبر 2026

الناس أمام الابتلاءات
الناس أمام الابتلاءات

لم يخلق الله عز وجل هذه الدنيا لنخلد...

489

| 15 أكتوبر 2026

أخبار محلية